الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : فقه المعاملات
    المؤلف : مجموعة من المؤلفين

    [ موسوعة فقه المعاملات]
    وتشمل :

    1- الأبحاث
    2- التطبيقات
    3- الفتاوى
    4- المصطلحات

    المصدر : موقع الإسلام
    http://moamlat.al-islam.com

تعجيل رأس المال
ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية إلى أن من شروط صحة السلم تسليم رأس ماله في مجلس العقد , فلو تفرقا قبله بطل العقد .
واستدلوا على ذلك :
( أولا ) بقوله صلى الله عليه وسلم : من سلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم إذ التسليف في اللغة التي خاطبنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الإعطاء , فيكون معنى كلامه عليه الصلاة والسلام ( فليعط ) . لأنه لا يقع اسم السلف فيه حتى يعطيه ما أسلفه قبل أن يفارق من أسلفه , فإن لم يدفع إليه رأس المال فإنه يكون غير مسلف شيئا , بل واعدا بأن يسلف . قال الرملي ( ولأن السلم مشتق من استلام رأس المال , أي تعجيله , وأسماء العقود المشتقة من المعاني لا بد من تحقق تلك المعاني فيها ) .
( ثانيا ) بأن الافتراق قبل قبض رأس المال يكون افتراقا عن كالئ بكالئ , أي نسيئة بنسيئة , وهو منهي عنه بالإجماع .
( ثالثا ) بأن في السلم غررا احتمل للحاجة , فجبر ذلك بتعجيل قبض العوض الآخر , وهو الثمن , كي لا يعظم الغرر في الطرفين .
( رابعا ) بأن الغاية الشرعية المقصودة من إبرام العقود ترتب آثارها عليها بمجرد انعقادها , فإذا تأخر البدلان كان العقد عديم الفائدة للطرفين خلافا لحكمه الأصلي ومقتضاه وغايته . ومن هنا قال ابن تيمية عن تأخير رأس المال في السلم ( فإن ذلك منع منه لئلا تبقى ذمة كل منهما مشغولة بغير فائدة حصلت لا له ولا للآخر , والمقصود من العقود القبض , فهو عقد لم يحصل به مقصود أصلا , بل هو التزام بلا فائدة ) .
( خامسا ) وبأن مطلوب الشارع صلاح ذات البين وحسم مادة الفساد والفتن , وإذا اشتملت المعاملة على شغل الذمتين , توجهت المطالبة من الجهتين , فكان ذلك سببا لكثرة الخصومات والعداوات , فمنع الشرع ما يفضي إلى ذلك باشتراط تعجيل قبض رأس المال .
ولا يخفى أن اشتراط قبض رأس مال السلم قبل التفرق عند جمهور الفقهاء إنما هو شرط لبقاء العقد على الصحة , وليس شرط صحة , لأن السلم ينعقد صحيحا بدون قبض رأس المال , ثم يفسد بالافتراق قبل القبض . وبقاء العقد صحيحا يعقب العقد ولا يتقدمه , فيصلح القبض شرطا له .
وقد جاء في المجلة العدلية م ( 387 ) : ( يشترط لبقاء صحة السلم تسليم الثمن في مجلس العقد , فإذا تفرق العاقدان قبل تسليم رأس مال السلم انفسخ العقد ) .
هذا وقد خالف المالكية - في المشهور عندهم - جمهور الفقهاء في اشتراط تعجيل رأس مال السلم في مجلس العقد , وقالوا : يجوز تأخيره اليومين والثلاثة بشرط وبغير شرط تعويلا على القاعدة الفقهية ( ما قارب الشيء يعطى حكمه ) , حيث إنهم اعتبروا هذا التأخير اليسير معفوا عنه , لأنه في حكم التعجيل .
ومن هنا قال القاضي عبد الوهاب البغدادي في كتابه ( الإشراف ) في تعليل جواز ذلك التأخير اليسير : ( فأشبه التأخير للتشاغل بالقبض ) .
وقال ابن رشد ( وأما تأخيره فوق الثلاث بشرط , فذلك لا يجوز باتفاق , سواء كان رأس المال عينا أو عرضا . فإن تأخر فوق الثلاث بغير شرط لم يفسخ إن كان عرضا , واختلف فيه إن كان عينا : فعلى ما في ) المدونة ( من السلم : يفسد بذلك ويفسخ . وعلى ما ذهب إليه ابن حبيب : أنه لا يفسخ إلا أن يتأخر فوق الثلاث بشرط ) .
على أن المالكية أنفسهم يصرحون بأن العزيمة في السلم إنما تتحقق بتعجيل رأس المال في مجلس العقد . يقول ابن عبد السلام لم أعلم خلافا في كون تعجيل رأس المال عزيمة , وأن الأصل التعجيل , وإنما الخلاف : هل يرخص في تأخيره ؟ .

تعجيل رب السلم بعض رأس المال وتأجيل البعض الآخر
هناك مسألة مهمة , وهي ما لو عجل رب السلم بعض رأس المال في المجلس , وأجل البعض الآخر , فما هو الحكم في هذه الحالة ؟
اختلف الفقهاء في ذلك على قولين :

( أحدهما ) للحنفية والشافعية والحنابلة :
وهو أنه يبطل السلم فيما لم يقبض ويسقط بحصته من المسلم فيه , ويصح في الباقي بقسطه . قال ابن نجيم ( وصح في حصة النقد لوجود قبض رأس المال بقدره , ولا يشيع الفساد , لأنه طارئ , إذ السلم وقع صحيحا في الكل , ولذا لو نقد الكل قبل الافتراق صح ) .
( والثاني للمالكية ) :
وهو أنه يفسد في الجميع وعلل المالكية قولهم بأنه ( متى قبض البعض وأخر البعض فسد , لأنه دين بدين ) .
واستدل الظاهرية على ذلك أيضا بأن السلم عقد واحد وصفقة واحدة , وكل عقد جمع فاسدا وجائزا , كان كله فاسدا , لأن العقد الواحد لا يتبعض , والتراضي منهما لم يقع حين العقد إلا على الجميع , لا على البعض دون البعض , فلا يحل إلزامهما بما لم يتراضيا جميعا عليه , لأنه أكل مال بالباطل لا عن تراض .
ومستند ابن أبي ليلى أن الأصل عنده في أبواب المعاملات أن العقد إذا ورد الفسخ على بعضه انفسخ كله .
جعل الدين رأس مال السلم
لو أراد رب السلم أن يجعل الدين في ذمة المسلم إليه رأس مال السلم , فإن ذلك غير جائز عند جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة و مالك و الأوزاعي و الثوري وغيرهم , وذلك لأن المسلم فيه دين , فإذا جعل الثمن دينا , كان بيع دين بدين وهو غير جائز بالإجماع .
وخالفهم في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وذلك لعدم تحقق المنهي عنه - وهو بيع الكالئ بالكالئ , أي الدين المؤخر بالدين المؤخر - في هذه المسألة إذا كان الدين المجعول رأس مال السلم غير مؤجل في ذمة المدين , لأنها تكون من قبيل بيع الدين المؤخر بالدين المعجل , ولوجود القبض الحكمي لرأس مال السلم من قبل المسلم إليه في مجلس العقد , لكونه حالا في ذمته , فكأن المسلم - إذ جعل ماله في ذمته معجلا رأس مال السلم - قبضه منه ورده إليه , فصار دينا معجلا مقبوضا حكما , فارتفع المانع الشرعي , ولأن دعوى الإجماع على هذا المنع غير مسلمة .

أما إذا كان الدين المعجل رأس مال السلم مؤجلا في ذمة المدين , فلا خلاف لأحد من الفقهاء في منع ذلك شرعا , وأنه من بيع الكالئ بالكالئ المحظور , لكونه ذريعة إلى ربا النسيئة .
جاء في إعلام الموقعين لابن القيم ( وأما بيع الواجب بالساقط , فكما لو أسلم إليه في كر حنطة بعشرة دراهم في ذمته , فقد وجب له عليه دين , وسقط له عنه دين غيره . وقد حكي الإجماع على امتناع هذا , ولا إجماع فيه . قاله شيخنا , واختار جوازه , وهو الصواب . إذ لا محذور فيه , وليس بيع كالئ بكالئ , فيتناوله النهي بلفظه , ولا في معناه فيتناوله بعموم المعنى , فإن المنهي عنه قد اشتغلت فيه الذمتان بغير فائدة ) .

جعل المال المقبوض على سبيل الأمانة رأس مال السلم
إذا جعل رب السلم ماله الموجود في يد المسلم إليه رأس مال السلم , فهل يصح ذلك , وينوب القبض السابق للعقد مناب القبض المستحق في مجلسه , أم لا يصح ذلك , ويحتاج إلى قبض جديد ؟ .
للفقهاء في المسألة قولان :

( أحدهما ) للحنابلة : وهو أن قبض المسلم إليه السابق للعين المجعولة رأس مال السلم ينوب عن القبض المستحق بالعقد , ويقوم مقامه , سواء أكانت العين في يده أمانة أم مضمونة , ولا يحتاج إلى تجديد القبض .
( والثاني ) للحنفية : وهو أنه ينوب القبض السابق لرأس مال السلم عن القبض المستحق في مجلس العقد إذا كانت يد المسلم إليه عليه يد ضمان لا يد أمانة . أما إذا كان في يده أمانة - كيد الوكيل والوديع والشريك ونحوهم - فإن القبض السابق لا يقوم مقامه , ويحتاج إلى تجديد القبض في المجلس ليصح عقد السلم .
وقد أوضح الكاساني قاعدة الحنفية في نيابة القبض السابق مناب المستحق اللاحق بعبارة وجيزة جامعة حيث قال : ( فالأصل فيه أن الموجود وقت العقد إن كان مثل المستحق بالعقد ينوب منابه . وإن لم يكن مثله : فإن كان أقوى من المستحق ناب عنه . وإن كان دونه لا ينوب . لأنه إذا كان مثله أمكن تحقيق التناوب , لأن المتماثلين غير أن ينوب كل واحد منهما مناب صاحبه ويسد مسده , وإن كان أقوى منه يوجد فيه المستحق وزيادة , وإن كان دونه لا يوجد فيه إلا بعض المستحق , فلا ينوب عن كله .

(1/859)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية