الكتاب : المسالك والممالك المؤلف : الإصطخري مصدر الكتاب : موقع الوراق http://www.alwarraq.com [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ] |
أول الكتاب (1/1)
الحمد لله مبدئ النعم وولي الحمد، وصلى الله على محمد وعلى آل محمد، أما بعد فإني ذكرت في كتابي هذا أقاليم الأرض على الممالك، وقصدت منها بلاد الإسلام بتفصيل مدنها، وتقسيم ما يعود بالأعمال المجموعة إليها، ولم أقصد الأقاليم السبعة التي عليها قسمة الأرض، بل جعلت كل قطعة أفردتها مفردة مصورة، تحكي موقع ذلك الإقليم، ثم ذكرت ما يحيط به من الأماكن، وما في أضعافه من المدن والبقاع المشهورة والبحار والأنهار، وما يحتاج من جوامع ما يشتمل عليه ذلك الإقليم، من غير أن استقصيت ذلك كراهة الإطالة، التي تؤدي إلى ملال من قرأه، ولأن الغرض في كتابي هذا تصوير هذه الأقاليم، التي لم يذكرها أحد علمته؛ أما ذكر مدنها وجبالها وأنهارها وبحارها والمسافات وسائر ما أنا ذاكره فقد يوجد في الأخبار، ولا يتعذر على من أراد تقصي شيء من ذلك من أهل كل بلد، فلذلك تجوزنا في ذكر المسافات والمدن وسائر ما نذكره، فاتخذت لجميع الأرض التي يشتمل عليها البحر المحيط الذي لا يسلك صورة، إذا نظر إليها ناظر علم مكان كل إقليم مما ذكرناه، واتصال بعضه ببعض، ومقدار كل إقليم من الأرض، حتى إذا رأى كل إقليم من ذلك مفصلا علم موقعه من هذه الصورة، التي جمعت سائر الأقاليم لما يستحقه كل إقليم في صورته، من مقدار الطول والعرض والاستدارة والتربيع والتثليث، وسائر ما يكون عليه أشكال تلك الصورة، فاكتفيت ببيان موقع كل إقليم ليعرف مكانه، ثم أفردت لكل إقليم من بلاد الإسلام صورة على حدة، بينت فيها شكل ذلك الإقليم وما يقع فيه من المدن، وسائر ما يحتاج إليه علمه، مما آتي على ذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
ففصلت بلاد الإسلام عشرين إقليما، وابتدأت بديار العرب فجعلتها إقليما، لأن فيها الكعبة ومكة أم القرى وهي واسطة هذه الأقاليم، ثم أتبعت ديار العرب ببحر فارس لأنه يكتنف أكثر ديار العرب، ثم ذكرت المغرب حتى انتهيت إلى مصر فذكرتها، ثم ذكرت الشام ثم بحر الروم ثم الجزيرة ثم العراق ثم خوزستان ثم فارس ثم كرمان ثم المنصورة وما يتصل بها من بلاد السند والهند والإسلام، ثم أذر بيجان وما يتصل بها، ثم كور الجبال ثم الديلم ثم بحر الخزر ثم المفازة التي بين فارس وخراسان ثم سجستان وما يتصل بها ثم خراسان ثم ما وراء النهر.
فهذه صورة الأرض عامرها والخراب منها وهي مقسومة على الممالك. وعماد ممالك الأرض أربعة، فأعمرها وأكثرها خيرا وأحسنها استقامة في السياسة وتقويم العمارات فيها مملكة إيرانشهر، وقصبتها إقليم بابل وهي مملكة فارس، وكان حد هذه المملكة في أيام العجم معلوما، فلما جاء الإسلام أخذ من كل مملكة بنصيب، فأخذ من مملكة الروم الشام ومصر والمغرب والأندلس، وأخذ من مملكة الهند ما اتصل بأرض المنصورة والملتان إلى كابل وطرف أعلى طخارستان، وأخذ من مملكة الصين ما وراء النهر، وانضاف إليه هذه الممالك العظيمة، فمملكة الروم تدخل فيها حدود الصقالبة ومن جاورهم من الروس والسرير واللان والأرمن ومن دان بالنصرانية، ومملكة الصين تدخل فيها سائر بلدان الأتراك وبعض التبت ومن دان بدين أهل الأوثان منهم، ومملكة الهند تدخلفيها السند وقشمير وطرف من التبت ومن دان بدينهم، ولم نذكر بلد السودان في المغرب والبجة والزنج ومن في أعراضهم من الأمم، لأن انتظام الممالك بالديانات والآداب والحكم وتقويم العمارات بالسياسة المستقيمة، وهؤلاء مهملون لهذه الخصال، ولا حظ لهم في شيء من ذلك فيستحقون به إفراد ممالكهم بما ذكرنا به سائر الممالك، غير أن بعض السودان المقاربين لهذه الممالك المعروفة يرجعون إلى ديانة ورياضة وحكم، ويقاربون أهل هذه الممالك مثل النوبة والحبشة، فإنهم نصارى يرتسمون بمذاهب الروم، وقد كانوا قبل الإسلام يتصلون بمملكة الروم على المجاورة، لأن أرض النوبة متاخمة لأرض مصر والحبشة على بحر القلزم، وبينها وبين أرض مصر مفازة فيها معدن الذهب، ويتصلون بمصر والشام من طريق بحر القلزم، فهذه الممالك المعروفة، وقد زادت مملكة الإسلام بما اجتمع إليها من أطراف هذه الممالك.