الكتاب : تاريخ المستبصر المؤلف : إبن المجاور مصدر الكتاب : موقع الوراق http://www.alwarraq.com [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ] |
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي رفع السماء عبرةً للناظرين و بسط الأرض و جعل فيها آيات للموقنين و أودع في اختلاف الألسن و الألوان باختلاف الأقاليم و البلدان بصائر المستبصرين شواهد عموم رحمته و سبوغ نعمته المعالمين و صلى الله على سيدنا المصطفى من خلقه في السموات و الأرضين و على آله الطيبين و أصحابه أجمعين. و بعد فإن التأريخ و لا سيما ما يتعلق بمعمورة الأرض. و عروض بلادها و أطوالها و أوضاع مبانيها و مسافات مغانيها و تصوير أقطارها و تبيين أحوال أمصارها من أبدع الفنون و أغربها و أبعدها غوراً و أعجبها يجدد لك أوراقه البالية المدائن الدراسة برصاصها و قصورها و يحيي أموات فصولها و أبوابها القرون الطامسة في طي حروفها و سطورها. (1/1)
هذا و لا مرية لذوي العقول و الأديان في أن مكة زادها الله شرفاً أم القرى و سرة الأرض المعمورة و أحب بلاد الله إلى الله و رسوله في السنن المشهورة. ثم إن أيمن ما حولها من البلدان و أبركها مملكة اليمن المحصوص بالبركات الثلث النبوية في جواهر السنن منبع الحكمة و معدن الفقه و الأيمان من سالف الزمن. فخصصت هذين القطرين في هذا الكتاب بذكره ما يتعلق بهما في هذا الفن من بيان البقاع و البلاد و المدن و الجبال و البحار و شرح المنازل و المغاني و المقادير و المسافات في المفاوز و المقار ثم تصوير كل بقعة منه حتى كأنك تراها رأى العين و توقف بها على أرجائها فيغنيك ذلك عن ألاين في البين. و لا يعدم كل بقعة من نادرة جرت فيها الأخبار و شعر نظم في سلكها قديما من الأشعار. و هذا أوان الشروع في مقصود الكتاب و تسهيل الحجاب و فتح الباب و الله ميسر الأسباب إنه كريم وهاب.
ذكر أسماء مكة و صفاتها
سماها الله بأربعة أسماء: مكة و البلد و القرية و أم القرى. قال الله تعالى: (و هو الذي كف أيديهم عنكم و أيديكم عنهم ببطن مكة). فإذا الكلام على هذا الاسم قال الزجاج: مكة لا تنصرف لأنها مؤنثة و هي معرفة. و يصلح أن يكون اشتقاقها بكة لأن الميم تبدل من الباء كما يقال ضربة لازب و لازم، و يصلح أن يكون اشتقاقها من قولهم مككت العظم إذا مصصته مصاً شديداً حتى لا يبقى فيه شيء شبهت بذلك لشدة ازدحام الناس فيها، و قال أبن فارس: مككت العظم إذا أخرجت مخه و المك الاستقصاء. و في الحديث: لا تمككوا على غرمانكم. و في تسمية مكة بهذا الاسم أربعة أقوال: أحدها أنها مسافة يأتوها الناس من كل فج عميق فكأنها هي التي تجذبهم إليها، من قول العرب أمتك الفصيل ما في ضرع أمه، و الثاني من قولهم مككت الرجل إذا أردت تخوفه فكأنها تمكك من ظلم فيها أي تهلكه، كما قال:
يا مكة الفاجر مكي مكا ... و لا تمكي مذحجا و عكا