الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة
    المؤلف : السخاوي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

الجزء الأول
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
خطبة الكتاب
الحمد لله شرف المحال في الحال والاستقبال بمن إليها هاجر وبها حل، سيما أن كان الذي أرشد لكل خير ودل، وصرف عنها تلك الظلمة والمحال، فنادت أركانها وجهاتها المنخفضة والعوال حتى أضاء بها كل شيء عظم أو قل، حسبما شوهد من الأماكن النائية، مما المقام فيه أعلى وأجل، عظم أو قل، وعرف من نور بصيرته بركتها الموازية للغنائم والعطايا الزائد بها الاحتفال وللسرايا القادم أهلها بالبشارة ببلوغ الآمال. في الحل والارتحال، فأكرموها عن سلوك ما لا يرضى. إن غلط الواحد منهم أو زلف وعظموها بربط قلوبهم عن المناكير والمعضلات التي لا تحتمل، سيما ومن المعلوم: أن الأماكن الشريفة مرتفعة عن تلك المحن والأوحال، ممتنعة من إقرار الخبث بها وصرف المجانب فيها للعدل والاعتدال، إذ القاذورات للمبتلي بها أو عليها أقبل بالأماكن الدنيئة الخسيسة غير مضاعفة كهى فيها عند جماعة من اعتدل، والكل سائرون مع القدرة الإلهية التي لا محيد عنها ولا انتقال. فسبحانه له الحمد على كل حال، ومنه الاسترشاد والاهتداء لطرق السعد، وتجنباً لوباله، وبنعمته تتم الصالحات، وبرحمته تنمو الرابحات وإن كانت قليلة العمل. والصلاة والسلام على سيد الخلق وأشرف مرسل، وعلى آله وصحبه وتابعيهم المندفع الكرب عن سائر من به، ثم بهم، ببركته توسل. وبعد، فما كان من المعلوم المقرر عند أولي العقول الصحيحة وثاقب الفهوم: أنه عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة وبتتبع آثارهم يندفع كل بلاء ونقمة. وأن الثناء على المدرج فيهم من الأموات رحمة للأحياء من أهل المودات والاشتغال بنشر أخبار الأخيار ولو بتواريخهم، من علامات سعادات الدارين لأولي العرفان والاختبار، بل يرجى إسعافهم للمقصر الذاكر لهم بالشفاعة، وإتحافهم من المولى بمرافقة أهل السنة والجماعة إلى غير هذا مما يرغب فيه، ويحبب للتوجه إليه كل وجيه.
توجهت لبيان أحوال أهل طيبة المشار إليها، والمخصوصة بالمزيد من الفضائل المنبه عليها، لأحوز بركة المرتفع منهم وأفوز بتنزل الرحمة حيث ذكرتهم ولم أنصرف عنهم، خصوصاً ومن أحب شيئاً أكثر من ذكره، والمرء مع حبيبه في حشره ونعيمه ونشره، وإن لم يلحقه في عمله، ولا رافقه في سلوكه وسبيله. وألحقت بهم من تخلف عن طريقهم، ولم يتعرف ما أنعم الله به عليهم، ولا تبعهم في توفيقهم، بحيث يحمل ما نقل مما هو في أوائل تاريخ ابن عساكر عن عمرو بن العاص، الحامد الشاكر، حين سئل عن وصف أهل المدينة ؟ فقال: أطلب الناس لفتنة، وأعجزهم عنها على من لعله من هؤلاء ممن فارق الوقار والسكينة.
على أن الحجاج بن يوسف الثقفي، سأل أبا سليمان أيوب بن زيد ابن القرية عن أهل الحجاز فأجابه بذلك بدون انحياز، وقال عن المدينة رسخ العلم بها وظهر منها مما هو كذلك مع الضوء واليها، وعن أهل مكة رجالها علماء جفاة ونساؤها كساة عراة.
بل لم أقتصر على هؤلاء، حيث ذكرت من قطنها من الغرباء ولو سنة، بشرط أن يكون درس فيها أو حدث أو أفتى بالطريقة المرضية، والسنة الواضحة الحسنة، ليكون الأخذ عنهم أو من كانوا في طريقة بنيانهم على بصيرة ولا يفتقر إلى المسألة عنهم، والكشف الذي قد لا يظفر معه بتلك الذخيرة.
وقد ذكر الشمس بن صالح القائم بنشر العلم - مع الإرشاد بالخطب والمواعظ وبذل النصائح - التقي محمد بن أبي بكر بن عيسى بن بدران الأخنائي، مع عدم إقامة حديقة ولو احياءً، أو بستاناً، أو أنشأ بها للمعروف مكاناً.

(1/1)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية