الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : الأزمنة والأمكنة
    المؤلف : المرزوقي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

الباب الأول
عظم شأن القرآن
اعلم أن الله تعالى عظم شأن القرآن، وفصل بيانه بالنظم العجيب والتأليف الرصيف على سائر الكلام، وإن وافقه في مبانيه، ومعانيه ثم أودعه من صنوف الحكم، وفنون الآداب والعذر، وجوامع الأحكام والسير، وطرائف الأمثال والعبر، ما لا يقف على كنهه ذوو القرائح الصافية، ولا في بعد فوائده أولو المعارف الوافية، وإن تلاحقت آلاتهم، وتوافقت أسباب التفهم والافهام فيهم، فترى المشتغل به المتأمل له، وقد صرف فكره إليه، وقصر ذكره عليه، قد يجد نفسه أحياناً فيه بصورة من لم يكن سمعه، أو كان بعد السماع نسيه استغراباً لمراسمه، واستجلاء لمعالمه، وذلك أنه تعالى لما أنزله ليفتتح بتنزيله التحدي به إلى الأبد، ويختتم بترتيله وآدابه البذارة إلى انقضاء السند، على ألسن الرسل، جعله من التنبيهات الجلية والخفية، والدلالات الظاهرة والباطنة ما قد استوى في إدراك الكثير منها العالم بالمقلد، والمتدبر، والمهمل.
وإن كان في أثنائه أغلاق لا تتفتح الأشياء بعد شيء بأفهام ثاقبة، وفي أزمان متباينة، ليتصل أمد الإعجاز به إلى الأجل المضروب لسقوط التكليف، ولتجدد في كل أوان بعوائده وفوائده ما يهيج له بواعث الأفكار، ونتائج الاعتبار، فيتبين ثتاؤه الراسخ المتثبت، والناظر المتدبر عن قصور الزائغ المتطرف وتقصير الملول الطرف. لذلك اختلفت الفرق، واستحدثت المذاهب والطرق، فكل يطلب برهانه على صحة ما يراه منه، وإن ضل عن سواء السبيل من ضل لسوء نظره وفساد تأنيه، وعدو له عن منهاج الصحابة والتابعين وصالحي الأسلاف، فلما كان أمر القرآن الحكيم على ما وصفت، وكان الله تعالى فيما شرع من دينه وحد عليه من عبادته، ودعا إليه من تبين صنعه وتنبه ما أقامه من أدلته. قال (خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين(، مبيناً أنه اخترعها بما يشتمل عليه حقاً لا باطلاً وحتماً لا عبثاً لتوفر على طوائف خلقه منافعها، ومثبتها من يصدق بالرسل، ويميز جوامع الكلم على بعد غورها في قضايا التحصيل وتراجع الأفهام، والأوهام عن تقصي مأخذها بأوائل التكليف.
ثم كرر ذكرها في مواضع كثيرة في جملتها ما يقتضي الكشف عن نظومها وتصاريفها لما يكشفها من الغموض، وكان مبنى التأليف الذي هو مبني على كتب لا يتم من دون الكلام عليها بترتيبه، بأن جعلتها مقدمة ثم تجاوزت إلى ما سواها والله المعين على تسهيل المراد منه بمنه. فمن ذلك قوله تعالى: )وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق ويوم يقول، وصف الله تعالى نفسه فيما بسط من كلامه هنا بفصول أربعة، كل منها عند التأمل جملة مكتفية بنفسها عن غيرها، ودالة على كثير من صفاته التي استبد بها.
فالفصل الأول قوله تعالى: )وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق(، والمعنى في قوله: بالحق، أن الحكمة البالغة أوجبت ذلك، ففطرها ليدل على نفسه بها ويظهر من آثاره العجيبة فيها ما تحقق إلهيته وتثبت قدمه، وربوبيته ويظهر أن ما سواه مدبر مخلوق ومسخر مقهور، وأنه الحق تتم له ما أحدثه، وأنشأه لا بباطل، ووجبت له العبادة من خليقته بقول فصل لا بهزل، فحجته بينة وآياته محكمة، لا تخفى على الناظر، ولا تلتبس على على المتأمل المباحث إذ كانت الأبصار لا تدركه، والحواس لا تلحقه، فعرف عباده قدرته، وألزمهم بما غمرهم من منافعه ونعمة عبادته، فلا مانع لما منح، ولا واهب لما ارتجع، أو حرم تسليماً لأمره ورضى بحكمه.

(1/1)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية