الكتاب : البلدان المؤلف : اليعقوبي مصدر الكتاب : موقع الوراق http://www.alwarraq.com [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ] |
بغداد (1/1)
وإنما ابتدأت بالعراق لأنها وسط الدنيا، وسرة الأرض، وذكرت بغداد لأنها وسط العراق، والمدينة العظمى التي ليس لها نظير في مشارق الأرض ومغاربها، سعة وكبراً وعمارةً، وكثرة مياه، وصحة هواء، ولأنه سكنها من أصناف الناس، وأهل الأمصار والكور، وانتقل إليها من جميع البلدان القاصية والدانية؛ وأثرها جميع أهل الآفاق على أوطانهم، فليس من أهل بلد إلا ولهم فيها محلة، ومتجر ومتصرف. فاجتمع بها ما ليس في مدينة في الدنيا.
ثم يجري في حافتيها النهران الأعظمان، دجلة والفرات، فيأتيها التجارات والمير براً وبحراً، بأيسر السعي؛ حتى تكامل بها كل متجر، يحمل من المشرق والمغرب، من أرض الإسلام، وغير أرض الإسلام، فإنه يحمل إليها من الهند، والسند، والصين، والتبت، والترك، والديلم، والخزر، والحبشة، وسائر البلدان؛ حتى يكون بها من تجارات البلدان أكثر مما في تلك البلدان التي خرجت التجارات منها؛ ويكون مع ذلك أوجد وأمكن حتى كأنما سيقت إليها خيرات الأرض؛ وجمعت فيها ذخائر الدنيا؛ وتكاملت بها بركات العالم. وهي مع هذا مدينة بني هاشم، ودار ملكهم، ومحل سلطانهم، لم يبتد بها أحد قبلهم، ولم يسكنها ملوك سواهم، ولأن سلفي كانوا القائمين بها وأحدهم تولى أمرها؛ ولها الاسم المشهور والذكر الذائع.
ثم هي وسط الدنيا، لأنها على ما أجمع عليه قول الحساب، وتضمنته كتب الأوائل من الحكماء في الإقليم الرابع، وهو الإقليم الأوسط، الذي يعتدل فيه الهواء، في جميع الأزمان والفصول؛ فيكون الحر بها شديداً في أيام القيظ، والبرد شديداً في أيام الشتاء ويعتدل الفصلان الخريف والربيع في أوقاتهما ويكون دخول الخريف إلى الشتاء، غير متباين الهواء؛ ودخول الربيع إلى الصيف غير متباين الهواء. وكذلك كل فصل ينتقل من هواء إلى هواء، ومن زمان إلى زمان. فلذلك اعتدل الهواء، وطاب الثرى، وعذب الماء، وزكت الأشجار، وطابت الثمار، وأخصبت الزروع، وكثرت الخيرات، وقرب مستنبط معينها وباعتدال الهواء، وطيب الثرى، وعذوبة الماء، حسنت أخلاق أهلها، ونضرت وجوههم، وانفتقت أذهانهم، حتى فضلوا الناس، في العلم، والفهم، والأدب، والنظر، والتمييز، والتجارات، والصناعات، والمكاسب، والحذق بكل مناظرة، وأحكام كل مهنة، وإتقان كل صناعة. فليس عالم أعلم من عالمهم؛ ولا أروى من روايتهم؛ ولا أجدل من متكلمهم؛ ولا أعرب من نحويهم؛ ولا أصح من قارئهم؛ ولا أمهر من متطببهم، ولا أحذق من مغنيهم؛ ولا ألطف من صانعهم؛ ولا أكتب من كاتبهم؛ ولا أبين من منطقهم؛ ولا أعبد من عابدهم؛ ولا أورع من زاهدهم؛ ولا أفقه من حاكمهم؛ ولا أخطب من خطيبهم، ولا أشعر من شاعرهم، ولا أفتك من ماجنهم.
ولم تكن بغداد مدينة في الأيام المتقدمة - أعني أيام الأكاسرة والأعاجم - وإنما كانت قرية من قرى طسوج بادوريا. وذلك أن مدينة الأكاسرة التي خاروها من مدن العراق المدائن. وهي من بغداد على سبعة فراسخ؛ وبها إيوان كسرى أنوشروان. ولم يكن ببغداد إلا دير على موضع مصب الصراة إلى دجلة، الذي يقال له قرن الصراة. وهو الدير الذي يسمى الدير العتيق، قائم بحاله إلى هذا الوقت. نزله الجاثليق رئيس النصارى النسطورية.
ولم تكن أيضاً في أيام العرب، لما جاء الإسلام، لان العرب اختطت البصرة، والكوفة. فاختط الكوفة سعد بن أبي وقاص الزهري، في سنة سبع عشرة؛ وهو عامل عمر بن الخطاب. واختط البصرة عتبة بن غزوان المازني - مازن قيس - في سنة سبع عشرة؛ وهو يومئذ عامل عمر بن الخطاب.