الكتاب : نزهة المشتاق في اختراق الآفاق المؤلف : الادريسي مصدر الكتاب : موقع الوراق http://www.alwarraq.com [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ] |
وأما جزيرة سقطرى فهي جزيرة واسعة القطر جليلة القدر بهية الأرض نامية الشجر وأكثر نباتها شجر الصبر ولا صبر يفوق صبرها في الطيب كالذي يتخذ بحضرموت اليمن والشحر وغيرها وهي كما قلناه تتصل من جهة الشمال والغرب ببلاد اليمن بل هي محسوبة منه ومنسوبة إليه ويقابلها من جهة بلاد الزنج مدينة ملند ومنبسة وأكثر أهل مدينة سقطرى نصارى والسبب في ذلك أن الإسكندر لما تغلب على ملك فارس وغزت أساطيله جزائر الهند وقتل قور ملك الهند وكان معلمه أرسطوطاليس قد أوصاه بطلب جزيرة الصبر فكان في بال الإسكندر ذلك من أجل وصية معلمه فعند فراغه من أخذ جزائر الهند وتغلبه عليها وعلى ملوكها أخذ راجعاً في بحر الهند إلى جهة البحر العماني وقد تغلب على تلك الجزائر إلى أن وصل إلى جزيرة سقطرى فأعجبه منها طيب ثراها وإعتدال هوائها فكتب إلى معلمه بذلك فلما وصل الخبر إلى أرسطوطاليس كتب إليه يأمره بأن ينقل أهلها عنها ويستبدلهم باليونانيين ويوصيهم بحفظ شجرة الصبر وحياطتها لما في ذلك من جمل المنافع الطبية وأنه لا تتم الايارجات إلا به مع انتفاع جميع الأمم بأخذه وتصريفه ولأنه في ذاته دواء جليل كثير المنافع ففعل الإسكندر ذلك وأخرج عنها جملة أهلها ونقل إليها قوماً من اليونانيين وأمرهم بحفظ شجرة الصبر والقيام بها وغراستها وإدامة تنميتها ففعلوا ذلك وكانوا في صيانة وجمل أموال إلي أن ظهر دين المسيح فآمنت الأمم فدخل أهل سقطرى في دين النصرانية وبقايا ذرياتهم بها إلى هذا الوقت مع سائر من يسكنها من غيرهم وأوراق شجر الصبر تجمع في شهر يوليه ويستخرج لعابها ويطبخ في قدور النحاس وغيرها ويوضع في زقاق ويجفف في شهر أغشت للشمس ويباع منه بهذه الجزيرة قناطير فيتجهز به إلى سائر بلاد الله في المشرق والمغرب وصبرها ينسب إليها ويعرف. (1/13)
وأما جزيرة خرتان وجزيرة مرتان اللتهب قدمنا ذكرهما فهما في جون الحشيش بالمحاذاة إلى بلاد الشحر التي فيها منابت اللبان وهاتان الجزيرتان معمورتان يسكنهما قوم من العرب قد أقاموا فيهما وقنعوا بهما وهم يتكلمون بألسنة عادية قديمة لا تعرفها العرب في وقتنا هذا وأهل هاتين الجزيرتين في قشف وضيق عيش ونكد حال أيام الشتاء إلى أن تكون أيام الأسفار في البحر فيركبون في مراكبهم إلى أرض عمان وعدن وساحل اليمن فتتسع أحوالهم ويحسن عيشهم قليلاً وكثيراً ما يقع إليهم العنبر الجيد فيبيعونه من التجار المسافرن إليهم وربما قصدوا به إلى بلاد اليمن بأنفسهم فيبيعونه هناك بأرفع قيمة ويخرج من هاتين الجزيرتين الذبل والذيلعان وهو ضرب من الذبل وظهور السلاحف يتخذ منها أهل اليمن قصاعاً لغسلهم وخبزهم.
وأما بلاد اليمن الواقعة في هذا الجزء فمنها مخلاف الحردة وهو حصن على البحر والعرب تسمي الحصن مخلافاً والحردة حصن صغير وناسه قليلون وعيشهم اللحوم والألبان والتمر ومعايشهم ضيقة ومنه إلى مخلاف غلافقة في البر أربع مراحل وأهل هذا الحصن حضر وهو على مرسى زبيد ومنه إلى زبيد خمسون ميلاً.
ومدينة زبيد مدينة كبيرة وأهلها مياسير أهل ثروة ومال والمسافرون إلها كثيرون وبها يجتمع التجار من أرض الحجاز وأرض الحبشة وأرض مصر الصاعدون في مراكب جدة وأهل الحبشة يجلبون رقيقهم إليها ويخرج منها ضروب الأفاويه الهندية والمتاع الصيني وغيره وهي على نهر صغير ومنها إلى مدينة صنعاء مائة واثنان وثلاثون ميلاً والطريق على ديار اليمن من زبيد إلى جيلان ستة وثلاثون ميلاً ومن جيلان إلى ألهان اثنان وأربعون ميلاً ومن ألهان إلى الغرف ثلاثون ميلاً ومن الغرف إلى صنعاء أربعة وعشرون ميلاً وكل هذه البلاد قرى وحصون ليست بالكبار لكنها معمورة ينزل بها ويأوي التجار والمسافرون إليها ويتزودون منها.