الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام

    جمع وإعداد الباحث في القرآن والسنة
    علي بن نايف الشحود

وتوجيه هذا القول -على حد زعمهم- أن المتآمرين ائتمنوه على الصحيفة، وأودعوها عنده، وأرسلوه إلى مكة نائباً عنهم كي يتولى دفنها في جوف الكعبة، لذا سمي -على حد زعم الشيعة - أمين قوم من هذه الأمة على باطلهم، وليس أمين الأمة بأسرها، قال ذلك من الشيعة كل من: البياضي، الكاشاني، البحراني، التستري، الجزائري، الشيرازي،([40]).
ولم يكتف الشيعة بهذا، بل وصفوا أبو عبيدة بأنه من أعداء آل محمد([41])، وأحد المعينين لأبي بكر الصديق رضي الله عنه على اغتصاب الخلافة من علي بن أبي طالب رضي الله عنه -على حد زعم الشيعة-([42]).
وقد أكد هذه المزاعم هاشم معروف الحسيني –وهو شيعي معاصر- واستشهد على صحتها بكلام المستشرق الصليبي -البلجيكي المولد، الفرنسي الجنسية- هنري لامنس حيث يقول: (إن الحزب القرشي الذي يرأسه أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح لم يكن وليد مفاجأة وارتجال، وإنما كان وليد مؤامرة سرية مجرمة حيكت أصولها، ورتبت أطرافها بإحكام وإتقان، وإن أبطال هذه المؤامرة أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، ومن أعضاء هذا الحزب عائشة وحفصة... إلخ)([43]).
مناقشة هذه المزاعم:
لا ريب أن ادعاء الشيعة أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي عبيدة: {أمين هذه الأمة} طعن فيه: زعم باطل لا تساعدهم عليه اللغة، ولا المناسبة ولا واقع الحال:
1/ فالأمين لغة هو الثقة الرضي. وإضافته إلى الأمة تدل على أنه مرضي من الأمة جميعها ثقة عندهم.
وهذا لا يتماشى مع قصة الصحيفة التي افتروها، فإنها أفادت أنه ثقة عند جماعة قليلين هم المتواطئون على كتابة الصحيفة - على حد زعم الشيعة -.
وقد تنبه الشيعة إلى هذا التناقض البين، فعمدوا إلى تغيير لفظ الحديث الصحيح ليوافق أهواءهم ومعتقداتهم في الصحابة، فوضعوا بدل {أمين هذه الأمة}: {أمين قوم من هذه الأمة على باطلهم}.
وهذا كذب متعمد على رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توعد بالنار من كذب عليه متعمداً، في قوله في الحديث المتواتر الذي تقدم معنا: {من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار}.
2/ ثم إن المناسبة التي لأجلها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث، ولقب بسببها أبا عبيدة بهذا اللقب تبطل دعواهم، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أنس رضي الله عنه: {أن أهل اليمن قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: ابعث معنا رجلاً يعلمنا السنة والإسلام قال: فأخذ بيد أبي عبيدة فقال: هذا أمين هذه الأمة}([44]).
ولا يصح أن يرسل معهم ليعلمهم أمور الدين من هو عنده غير أمين، وهو الناصح لأمته صلى الله عليه وسلم الحريص عليها.
وكذا أخرج البخاري ومسلم أيضاً في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: {جاء أهل نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا رسول الله! ابعث إلينا رجلاً أميناً. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: لأبعثن إليكم رجلاً أميناً، حق أمين، حق أمين. قال: فاستشرف لها الناس. قال: فبعث أبا عبيدة بن الجراح}([45]).
ويعني بالناس في قوله: (فاستشرف لها الناس): أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم تطلعوا إلى الولاية ورغبوا فيها حرصاً على تحصيل الصفة المذكورة، وهي الأمانة، لا على الولاية من حيث هي([46])، حتى إن عمر رضي الله تعالى عنه -مع فضله وتقدمه على غيره- قال: [[ما أحببت الإمارة قط حبي إياها يومئذ رجاء أن أكون صاحبها]]([47]).
ولقد عرف الصحابة لأبي عبيدة هذا الفضل:
فقد روى أحمد بسنده إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: [[لو أدركت أبا عبيدة بن الجراح فاستخلفته وما شاورت فيه، فإن سئلت عنه، قلت: استخلفت أمين الله وأمين رسوله]]([48]).
وفي رواية: [[لو استخلفت أبا عبيدة بن الجراح فسألني عنه ربي: ما حملك على ذلك؟ لقلت: سمعت نبيك وهو يقول: إنه أمين هذه الأمة]]([49]).
أما استشهاد هاشم الحسيني -الشيعي المعاصر- كلام المستشرق لامنس على إثبات هذه الدعوى فهو استشهاد باطل، فما كان لأعداء الإسلام أن يكونوا شهداء على المسلمين.
ولا ريب أن المستشرقين اعتمدوا على مصادر الشيعة اعتماداً كبيراً في إلقاء الشبه والتشكيك في الدين، ومن ثم إعطاء الفكرة المشوهة والمحرفة عن الفكر الإسلامي الأصيل.
خامساً: موقف الشيعة الإثني عشرية من سعيد بن زيد رضي الله تعالى عنه:-
سعيد بن زيد بن نفيل العدوي القرشي من الرعيل الأول من الصحابة، ابن عم عمر بن الخطاب وصهره، أسلم قديماً قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دار الأرقم، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وشهد له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجنة، وتوفي وهو عنه راض([50]).
كان مجاب الدعوة، وقصته مع أروى بنت أويس في ذلك مشهورة:

(12/384)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية