الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : موسوعة الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
    جمعها وقدم لها ورتبها
    الباحث في القرآن والسنة
    علي بن نايف الشحود

نفس الأمر ينطبق على المدعوة " تسليمة نسرين " وهي كاتبة بنغالية الأصل حذت حذو سلمان رشدي .
في الإطار نفسه سمعنا تصريحات من رئيس الوزراء الإيطالي " بيرلسكوني " الذي وصف الحضارة الإسلامية بالانحطاط والكاتبة الإيطالية " إيريا فلاشيا " التي وصفت الإسلام بكل الأوصاف المنحطة من أنه دين متخلف ووثني وعدواني بل ومقيد ! ! .
والحقيقة المريرة أن هناك أولاً ضعف عام لدى المسلمين وحكوماتهم وجماعاتهم وهيئاتهم الدينية والدبلوماسية على حد سواء تغري الآخرين بامتهان المقدسات الإسلامية والإساءة إلى الرموز الدينية ووصل الأمر إلى حد الدعوة لضرب الكعبة الشريفة وهدم مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهي دعوة تكررت كثيراً في الصحف الأمريكية .
والسؤال الآن . . . أين الحكومات العربة ، أين الأزهر أين المؤسسات الدينية . . . أين منظمات المجتمع الأهلي التي تقيم الدنيا وتقعدها إذا حدث اعتداء مزعوم على مسيحي أو يهودي ! ! .
أين المعتصم الذي سير الجيوش لمعاقبة الرومان لمجرد الاعتداء على سيدة واحدة مسلمة ، والتي هتفت في عمورية " وامعتصماه " فاستمع إليها الخليفة المعتصم في بغداد على بعد مئات الأميال ، واستجاب لندائها ولكن حكام العرب والمسلمين لم يعد فيهم معتصم ولا حول ولا قوة إلا بالله .
{يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة:32].
---------------
الهوامش:
( 1 ) محمد جلال كشك . . القومية والغزو الأمريكي
( 2 ) 28 / 5 / 1926 - da depeche de constasntine
( 3 ) د / محمد مورو - الجزائر تعود لمحمد - المختار الإسلامي - 1992
( 4 ) د / سيد عبد الفتاح عاشور - الحروب الصليبية - مكتبة الأنجلو المصرية
==================
الباب التاسع- المتطاولون وعاقبتهم
مقدمة هامة حديث عن المصطفى المختار
لفضيلة الشيخ
عبدالرحمن السديس إمام المسجد الحرام أيّها المؤمنون، لسنا في نجوًى عن القول: إنّ أمّتَنا الإسلاميّة العتيدة إنما شدَّت ركابها شطرَ المجد والعلياء وتسنَّمت قِمَم السؤدَدِ والإباء وساقت الإنسانيّةَ إلى مرابِع الحضارة والمدنيّة والهناء وأفياءِ الأمن والرّخاء والعدل والإخاء ساعةَ استعصَمَت بالوحيَين الشريفين، واستمسَكت بالهديَين النيِّرين، وكانت مِلءَ سمعها وبصرها، ومُفعَم روحِها ومُستَولَى مشاعرها، سنّةُ نبيّها الغرّاء وسيرتُه وشمائِله الفيحاء.
بعض شمائل المصطفى
خُلُقٌ كما خطَر النّسيم فهزَّ أعطافَ النبات
وشمائلٌ علويّة أصفى من الماء الفرات
ويومَ أن شطَّ بها المزار عن ذلك الهديِ المتلألئ المِدرار فاءت الأمّةُ إلى يَبابِ التبعيّة والذيليّة والوهَن، وصارت والتنافُرَ والتناثرَ في قَرَنٍ، والْتأمَتْ مع الأسَى الممِضّ أمّةُ الاقتداء والوحيِ والاقتفاء على دعاوًى منَ الحبِّ مسطَّحةٍ زَيفاء، تكاد عند المحاقَقَة لا تبارِح الألسنة والشِّفاه، وذلك من مكامنِ دائها العُياء، فَدَاءُ الأمّة فيها، ولو أنها اعتصَمَت بالكتاب والسنّة ما استفحَل داؤها ولتحقَّق دواؤها.
إخوةَ الإيمان، ولئن ازدَانَت الغَبراء فَبُدِّلت وضَّاءةً خضراء منذ ما يربُو على أربعةَ عشر قرنًا من الزّمان ببعثة سيِّد الأنبياء وعطَّرت سيرته المونِقة الأقطارَ والأرجاء.
فالكَونُ أشرَقَ والفَضاءُ تعطَّرَا
والأُفْق ظلَّله السرور فهل تَرى
بما تضمَّنته من حقائق المهابةِ والجمال والخشية والجلال ومسدَّدِ الحِكمةِ في الأقوالِ والفِعال، فإنَّ تلكم السيرةَ المشرقة الجبين المتلألِئة المُحَيَّا لا تزال تُهيب بوُرَّادها مناشِدَةً: إليَّ إليَّ، وحيَّهَلاً عليَّ عليَّ، نهلاً وفهمًا، واقتِباسًا ورِيًّا.
معاشر المحبين، إنَّ الحديثَ عن الحبيب المصطَفى والرسول المجتبى والخاتم المقتَفَى صلواتُ الله عليه وآلِه وسلّم لهو حديثٌ عَذبُ المذاق، مُجرٍ لدموع المآق، بَلسَم لجفوة القلوب ولقَسوَتها تِرياق، كيف لا وهو رسول الملِك العلام وحامِل ألوية العدلِ والسّلام ومُخرج البشريّة بإذن ربِّها من دياجير الانحطاطِ والوثنية والظلام ووِهاد الأرجاس والآثام إلى أنوار التوحيدِ والإيمان والوئام؟! صلوات الله وسلامه عليه ما ذرَّ شارق، وحنَّ إلى إِلفِه المفارق، نبيُّ المعجِزات، وآخذُنا عن النار بالحُجُزات، أمَنّ النّاس على كلِّ مسلم ومسلمة، وأحقُّهم نَقلاً وعقلاً بالمحَبّة الوادِقة والطاعة الصادقة، صاحِبُ المقامِ المحمود واللِّواء المعقود والحَوض المورود.
تجود بالدّمع عيني حين أذكرُه
أمّا الفؤاد فلِلحوض العظيم ظَمِي
لا يتمّ دينُ المرءِ إلاّ بإجلاله والانقيادِ له وحبِّه، ومن صعَّر خدَّه هدم دينَه واتُّهِم في لُبِّه، يقول عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه الشيخان: "لا يؤمِن أحدكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من نفسه وولده ووالدِه والناس أجمعين"(1).
تِلكم هي المحبّةُ الصادقة التي أفضَت إلى أصلِ الطّاعة والتسليم الذي دلَّ عليه قول الحقّ تبارك وتعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما {النساء:65} أحبَّه مولاه واجتبَاه، وميَّزه على سائر الخليقة واصطفاه.
فكم حَبَاه ربُّه وفضّله وخصّه سبحانه وخوَّله
أبى الله إلاَّ رَفعه وعُلُوَّه
وليس لما يُعلِيه ذو العرش واضعُ
بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام. أظهرُ الخليقَة بِشرًا وأُنسًا، وأطيبُهم نَفَسًا ونفْسًا، وأجملُهم وصفًا، وأظهرهم لُطفًا، لا يطوي عَن بَشَرٍ بِشْرَهُ، وحاشاه أن يشافِهَ أحدًا بما يكره، والبِشْرُ عنوان البشير، صلّى الله عليه ما همَى رُكام وما هَتن غَمام، كان ذا رأفةٍ عامّة وشفَقَة سابغة تامّة، أجملُ الناسِ ودًّا، وأحسنُهم وفاءً وعهدًا، تواضَعَ للناس وهمُ الأتباع، وخفض جناحه لهم وهو المتبوع المطَاع، كان شديدَ الخوف والعبادة، وافرَ الطاعة والقنوت والإفادة، له شجاعةٌ ونجدة وبسالة في الحقّ وشِدّة، يبذُل الرّغائب، ويعين على الصروفِ والنوائب، ما سئِل عن شيء فقال: لا، وما أشاحَ عن مُعتَفٍ ولا قَلَى. فيا للهِ، هل في طوقِ الأبيِنَاء من غَطارِفة البيان أن يتفرَّدوا بوصفِ نبيٍّ نُزِّه عن المثالب والنقائص وكُرِّم ببديع الشمائل والخصائص؟! كلا لعَمرو الحقِّ كلاّ.
مَلَكت سَجايَاه القلوبَ محبَّةً
إنَّ الرسول إلى القلوبِ حَبيبُ
نبيٌّ تقيّ، ورسول نقيٌّ، زكَّى الباري لسانه فقال: وما ينطق عن الهوى {النجم:3}، وزكَّى بصره فقال: ما زاغ البصر وما طغى {النجم:17}، وزكَّى صدره فقال: ألم نشرح لك صدرك {الشرح:1}، وزكى فؤاده فقال: ما كذب الفؤاد ما رأى {النجم:11}، وزكَّى جليسَه فقال: علمه شديد القوى {النجم:5}، وزكّاه كلَّه فجاءت الشهادة الكبرى التي شرُف بها الوجود وانزَوَت لها كلُّ الحدود، إذ يقول البَرّ الودود: وإنك لعلى خلق عظيم {القلم:4}.
خُلُق عظيمٌ اشتُقَّ من عظمة هذه الرسالةِ العالمية الإنسانية، خُلُق لا يؤوده بلاغ الرحمة والعدل والفضيلة والقوّة والعزة والرفق والحكمة، وشعار المحِبّ دائمًا يعلو:
خيالُك في ذهني وذِكراك في فمي
ومَثواك في قلبي فأين تغيب؟!
إخوةَ الإيمان، ولسيرةِ النبيِّ المختار هَديرُها ورِواؤها في سُويداءِ النفوس التي أحبَّته وأجلّته والأفئدةِ الموَلَّهَة العميدَةِ بخصالِه، وإبلالاً لذلك الصَّيهَج من الحبّ الطهور نُزجِي للعالَم ومضاتٍ ولُمَعًا من سيرتِه المنَشَّرَة بالرحمة والحنان، وهيهات أن يبلُغَ المرامَ بنان.
مشاهد من السيرة العطرة
فيومَ أن اشتدَّ أذى قومِه له، فانطلَقَ وهو مهمومٌ على وجهه عليه الصلاة والسلام، فلم يستفِق إلاّ وهو بقرنِ الثعالب، فناداه ملك الجبال وقال: يا محمّد، إن شِئتَ أن أطبقَ عليهم الأخشبين، فقال وهو الرؤوف الرحيم: "بل أرجو أن يخرِجَ الله من أصلابهم من يعبدُه وحدَه لا يشرك به شيئًا" {أخرجه الشيخان}(2).
فسبحان الله عبادَ الله، انظروا كيفَ قابلوه بالتَّهَجّم والنكران، فنحَلَهم العفوَ والغفران، وصدق الله: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين {الأنبياء:107}، وقال عليه الصلاة والسلام: "إنَّما أنا رحمةٌ مهداة" خرَّجه البخاري(3).
هو رحمةٌ للناس مهداة فيا وَيلَ المعانِدِ إنّه لا يُرحَم
قوم تنكبوا طريقه #
وصرخةُ مَفؤودٍ متوجِّع ولَوعةُ مصدورٍ متفجِّع ممّن يقتِّلون الأنفس المعصومةَ البريئة، لا يتلذَّذون إلا بإراقةِ الدماء وتناثُر الأشلاء، في جهالاتٍ تتلوها حماقاتٌ، فيا لها من قِحَة جريئة وقلوب قاسيَة قبيحة، معاذَ الله ثم معاذَ الله أن يكونَ الفساد والدمار والإرهابُ والبوار من هديِ النبوّة وشمائلها في وردٍ أو صدر.
وفي فتحِ مكّةَ حين اشتدَّ الفزعُ الهالِع بمشركي قريش وظنّوا كلَّ الظنّ أنّ شأفتَهم مستأصلة وقف منهم الرسولُ الشاكر الرحيم المانّ الحليم وقال: "ما تظنّون أنِّي فاعل بكم؟" قالوا: خيرًا؛ أخٌ كريم وابن أخٍ كريم، قال: "اللّهمّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، اذهَبوا فأنتم الطلقاء"(4).
الله أكبر، يا له من نبيٍّ ما أعظَمَه، ومِن رسولٍ ما أكرمه.
لَه الصلاة والسلام تترَى ما شرى
برقٌ على طيبَةَ أو أمِّ القرى
إنّه المثل الأعلى للإنسانيّة؛ انتَصَر فرحِم وعفا، وقدَر فصفَح وما جفا.
مَعالٍ جازَت الجَوْزا جَوازًا
وحُسْنٌ قد حَوَى الحُسْنى وجازَا
وغيرُ خافٍ يا أولي الألباب ممّا يسهِّدكم تفصيلُه ويؤلمكم قليله ما مُنِي به بعضُ العُلاَة حينَ استبدَّ العتاة، فأهدَروا إنسانيّةَ الإنسان، وحطَّموا في صلَفٍ وعنجهيّة كلَّ المواثيق والحقوق، فأينَ الحَضيض من السِّماك الأعزل؟! وشتّان شتّان بين الاهتداء المنير والادِّعاء المبير.
ونظيرُ ذلك مما ينتَظِم في أسلاك الصّفحِ والنّبل والشهامة من نبيِّ الرحمة والكرامة ما كان منه إزاءَ ثمامَة وهِندٍ والثلاثة، ويكفي من القلادَةِ ما أحاط بالعنق.
وصفوةُ القول: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة {الأحزاب:21}، أسوةٌ في جميع ضروب الحياة وتصاريف الأمور والمعاملاتِ، الله أعلم حيث يجعل رسالته {الأنعام:124}، وربك يخلق ما يشاء ويختار {القصص:68}.
إنَّها النفس التي عانَقَت السماء، وعاشَت على الثَّرى دانيةً من الناس، مِلؤُها الإحسان المدِيد والعقلُ السديد والرأي الرّشيد والقول اللطيف الوئيد، في أقصى آمالِ الحِرص والإخلاص والصّدق والأمانة.
فعن حبِّه حدِّث عن البحر إنّه
لبحرٌ ولكن بالمعاني انسيابُه.
معاشرَ المسلمين، ثلاثةٌ وعشرون عامًا بل دُرّةٌ مِن الدعوة والصبر والتعليم والجهاد تقِف شامخةً على قمَّة الزمنِ والحضارة والتأريخ، لا تجِد فيها ساعةً أو خطوَة توصَف بالضياع أو الإهدارِ.
أئمة الضلال والهجوم على سيد البشر
يا ربَّنا فاجمَعنا معًا بنبيِّنا
فِي جنّةٍ تثنِي عيونَ الْحُسَّد
في جنّةِ الفردوس فاكتبها لنا
يا ذا الجلالِ وذا العلا والسّؤدَد.
أمّةَ الإسلام، أحباب سيّدِ الأنام، ومع كلِّ هذا الجلاء في سيرةِ خير الورَى والبهاء لا يزالُ أحلاسُ النّفاق وشُذّاذ الآفاق ومَردَة الكُفرِ والاستشراق ومُسوخ العولمة والتغريب ينشرون أباطيلَهم وحقدَهم الأرعن عبرَ الحمَلات والشبكات حِيالَ الجناب المحمدّيّ الأطهر والهديِ المصطفويّ الأزهَر، فيا وَيحهم، يا ويحهم يَرمون من أرسلَه الله رحمةً للعالمين بالقَسوة والجفاء والإرهابِ والغِلظة والشناءَة، في رسومٍ ساخِرة ودِعايات سافِرة وحملات ماكِرة، فالله حسبنا وحسيبُهم.
وهَل أنكروا إلاّ فضائلَ جمّةً؟!
وهل يبصِر الخفّاش والنورُ ساطِع؟!
وما عُدَّتهم إلاّ الافتراء والزور، ينفثُها صدرُ كلِّ مأفونٍ موتور، تشكيكًا في النبوّةِ والرّسالة، فويلٌ لهم من وَصفِهم أشرفَ الورى بما اختَلقوا مِن عندهم والتّزَعُّمِ. وقد علِموا يقينًا قاطعًا أنّ النبيَّ الأمّيَّ الهاشميّ القرشيّ صلوات ربي وسلامُه عليه قد جاء للبشريّة بأسمى الحقائِق الكونية وأزكى الآداب الخلُقُية وأرقى النُّظُم الاجتماعيّة وأجلى الشرائع التعبديّة، ولكن وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا {النمل:14}. الله أكبر، إن شانئك هو الأبتر {الكوثر:3}، ولله درُّ حسّانَ رضي الله عنه:
هجوتَ مباركًا برًّا حنيفًا
أمينَ الله شِيمتُه الوفاءُ
فإنَّ أبي ووالدَه وعِرضي
لعِرضِ محمّدٍ منكم وقاء
أمّةَ الإسلام في كلّ مكان، وإذا كانَت المآسي تلفَح وجوهَنا في كلِّ شبرٍ وواد من كلِّ باغٍ وعادٍ فإنّه لِزامًا على الأمّة وقد رضِيَت بالركون إلى هذه الدنيا والإخلاد ورَثَّ حبلُ صِلَتِها بهذِه السّيرةِ الهادِية أو كاد وغدَت سيرةُ الحبيب بعد الجدّة والإشراق أشبهَ بالأخلاط أن تَنثَنِي إلى السيرة النبوية في شمولٍ وعُمق وجِدٍّ وصِدق، وأن تكونَ أشدَّ تعلُّقًا بنبيِّها وسيرتِه عليه الصلاة والسلام تأسِّيًا وفهمًا وسلوكًا واستبصارًا واعتبارًا؛ لتنتشلَ نفسَها من كلاكل العجزِ والتمزّق والفِتن والانحدار التي مُنِيت بها في هذهِ الآونةِ العصيبة، ولْتعلِنها مدوّيَة خفّاقةً وشَجًى في اللّهواتِ المغرِضة الأفّاكة أنّ السيرة النبويّةَ والمناقب المحمّديّة على صاحبها أزكَى سلامٍ وأفضل تحيّة هي مناط العِزّ والنصر وأجلَى لُغاتِ العصر التي تعرُج بالأمة إلى مداراتِ السّؤدَد والتمكين، وهي التي تقضِي على جدلٍ كلِّ عنيد وخداع كلِّ ماكر ونَزَق كلِّ دعِيّ، وهي الحجّة القاطعة لدحرِ المتقحِّمين على أصولِ الشريعة والأحكام مِن قليلِي البصيرة وسُفَهاء الأحلام.
سيرة النبي صلى الله عليه وسلم شمس ساطعة
والسيرةُ النبويّة يا رعاكم الله هي الشمسُ الساطعة التي تربَّى عليها الأجيالُ بمنهج الوسَطِ والاعتدال بعدَ أن تلقَّفَتهم جحافِل الغرائز والشهوات في رائِيَات وفضائيّات، وطوَّقتهم فيالِقُ الشّبهات في شبكاتٍ ومنتدَيَات، وغزَتهم كتائبُ الانهزاميّة والفرقة والشّتات، حتى جفَّت في قلوبهم ينابيعُ الحبِّ المورِقِ لنبيِّهم وشمائِلِه وصَحبهِ إلاّ مَن رحم الله. ومنهج المحبِّ الصادِق:
لي فيك حبٌّ ليس فيه تملُّق
أملاه دينٌ ليس فيه تكلُّف
يا أمّة الحبيب المصطفى ، ولن يتحقَّق الحبّ النبويّ المكين في أكملِ معانيه وأحكمِ مبانيه إلاّ إذا كانت لُحمتُه الاتِّباعَ والاقتداء، وسُداه الائتِساءَ والعمل والاهتداء.
إنِّي أرى حبَّ النبيِّ عبادةً
ينجو بها يومَ الحساب المسلم
لكن إذا سلَك المحبّ سبيلَه
متأسِّيًا ولِهديِه يترسَّم
واضَيعتاه لأمّةٍ ضيَّعت مبعَثَ آمالها ومُنتَهى آلامها. يا لَضَيعةِ السنّة السنيّة أن تكونَ من قبيل الغلوِّ والإطراءِ وإنشادِ القصائدِ الحوليّات وسَردِ القصَصِ والرّوايات والترانيم والمدائِحِ التي لا تغادِر الشّفاه في ليلةٍ مخصوصَةٍ أو شهرٍ معيَّن، من فئاتٍ رامت الإجلالَ فوقعت في الإخلالِ، فهم أقربُ ما يكونون إلى طلبِ العافيَة والبُعد عن ميدان الدّعوة والمصابَرة وتحمُّلِ التّبِعات، والحبُّ الصادِق:
حبٌّ مدَى الأيّام يُنشَر ذكرُه
ويُذاع في كلِّ البقاع وينقَلُ
إنَّ السيرةَ الفَيحَاء لهي أعذبُ الموارد وأجَلّ من أن تؤسِّنَها بِدَع الموالِد، ومن للسنّة أحَبّ نافَح عنها وذبَّ، فمن ادَّعى المحبّة أُلزِم صِدقَ الشهداء، فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون {النور:13}.
فإن كنتَ في دَعوى المحبّةِ صادقًا
ففِي شرعِنا برهان دعوَى المحبّةِ
وفِي شرعِنا أنّ الْمَحبّة طاعة
وسيرٌ على منهاج خيرِ البريَّة
فيا أيّها الجيل المحِبّ في كلّ مشرِق ومغرب، خِفّوا للتحلِّي بشمائل نبيِّكم وأخلاقِه، وتزيَّنوا بمناقبِه وآدابِه، وتمثَّلوا هديَه، وترسَّموا سنّتَه، وعَضّوا عليها بالنواجذ، تغنَموا وتنعَموا وتسودوا وتقودوا.
يا مسلمون لسنّة الهادي ارجِعوا واسترشِدوا بدروسها وتعلَّموا
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون {يوسف:21}.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين {آل عمران:31، 32}.
أيها المسلمون: اعلَموا أنَّ من مقتضَى محبّة رسول الله محبّةَ آله الأطهار وصَحبه الأخيار المهاجرين منهم والأنصار، ووُدَّ أهل بيته الطيّبين الطاهرين وزَوجاته الطاهرات أمّهات المؤمنين وصحابَتِه الغرِّ الميامين، فلَيس في الأمّة كالصحابة في الفضلِ والمعروف والإصابة؛ أبرُّ الناس إيمانًا، وأهدَاهم قلوبًا، وأجفَاهم للهِ جنوبًا، انتَهَوا في محبَّتِهم لخير البريّة إلى تفديَتِه بالآباء والأمّهات، وإلى أعالي الدّرجات وسامي الغايات التي تمتنِع إلاّ على النفوسِ المشرقة باليقين.
ربَّيتَ جيلاً أبيًّا مؤمنًا يقِظًا
حَسَوا شريعتَك الغرّاء في نهَمِ
فمَنْ أبو بكر قبل الوحي مَنْ عُمرُ؟!
ومَنْ عَلِيٌّ ومَنْ عثمانُ ذو الرحم؟!
فمن أحبَّهم وأثنى عليهم برِئ من النّفاق وكان له من منازل الإيمان على قدرِ محبّتِه لهم والائتِساء بهم، يقول سبحانه: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة {الفتح:18}.
إذا الله أثنَى بالذي هو أهلُه عليهم
فما مقدار ما يمدح الورى؟!
وفي صحيحِ الخبَر عن سيِّد البشَر في بيان حقِّهم وعظيمِ قدرِهم: "لا يحبُّهم إلا مؤمِن، ولا يبغِضهم إلاّ منافق، ومن أحبَّهم أحبَّه الله، ومن أبغضَهم أبغضه الله"(5).
أولئك أَحبابِي وصَحبِي ومَعشَري
وقومي وإخواني وأعلامُ أمّتي
فمَن تطاول عليهم وافترى فقد ظلَم واجترى وجاء بأعظمِ الفِرى، فهم وايمُ الله لا يذكَرُون إلاّ بالجميل، ومَن ذكرهم بغير الجميل فهو على غير السّبيل.
وختامًا، فلتعلَموا يا رعاكم الله أنّ من أحبَّ شيئًا أجراه دومًا على لسانه ومكَّنه من سويداء جنانه.
يا ربِّ صلِّ على النبيِّ المصطفى
ما غرّدَت في الأيكِ ساجِعَة الرُّبى
صلّوا على من تدخلون بِهديِه
دارَ السلامة تبلغون الْمطلَبَا
يا أيّها الراجون خيرَ شفاعةٍ
من أحمدٍ صلّوا عليه وسلِّموا
صلَّى وسلّم ذو الجلال عليه
ما لبّى ملَبٍّ أو تَحلّل مُحْرِم
والحمد لله رب العالمين.
============
(( إن شانئك هو الأبتر ))
عبدالله البصري
أما بَعدُ ، فأُوصِيكُم ـ أيها الناسُ ـ ونفسي بتقوى اللهِ ـ جل وعلا ـ " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ " " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجعَل لَّكُم نُورًا تَمشُونَ بِهِ وَيَغفِرْ لَكُم وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ "
أيها المسلمون ، ومِن فَضلِ اللهِ ـ جل وعلا ـ ورحمتِهِ بِعِبادِهِ ، أَنْ بَعَثَ إِلَيهِم رُسُلَهُ يخُرجِونهم مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ " رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ، وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا " وكان تمامُ هذِهِ النِّعمَةِ وكَمَالهَا ، وتَاجَهَا وَوِسَامَ فَخرِها ، خَاتمَ الأَنبِيَاءِ وَأَشرَفَ المُرسَلِينَ ، وَسَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ مِنَ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ ، نَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا محمدًا ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ ، الذي امتنَّ اللهُ عَلَينَا بِبِعثَتِهِ ، وَأَنعَمَ عَلَينَا بِرِسَالَتِهِ ، قال ـ سبحانَه ـ : " لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى المُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِم رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِم يَتْلُو عَلَيهِم آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِم وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ " وقال ـ تعالى ـ : " لَقَدْ جَاءكُم رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُم عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّم حَرِيصٌ عَلَيكُم بِالمُؤمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ " وقال ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ : " إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنبِيَاءِ مِن قَبلِي ، كَمَثَلِ رَجُلٍ بنى بَيتًا فَأَحسَنَهُ وَأَجمَلَهُ ، إِلا مَوضِعَ لَبِنَةٍ مِن زَاوِيَةٍ ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطوفُونَ بِهِ وَيَعجَبُونَ لَهُ ، وَيَقُولُونَ : هَلاَّ وَضَعْتَ هذِهِ اللَّبِنَةَ " قال : " فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنا خَاتمُ النَّبِيِّينَ " نَعَمْ ـ أيها المسلمون ـ لقد بَعَثَ اللهُ محمدًا ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ والناسُ في جاهليةٍ جَهلاءَ ، يَتِيهُونَ في الضَّلالِ وَالشَّقَاءِ ، يَعبُدُونَ الأَصنَامَ ويَستَقسِمُونَ بِالأَزلامِ ، قَدِ استَحَلُّوا المَيسِرَ وَالرِّبا ، وَعَاقَرُوا الخَمرَ وَالزِّنا ، يَئِدُونَ البَنَاتَ وَلا يُوَرِّثُونَ الزَّوجَاتِ ، فَفَتَحَ اللهُ بِبِعثَتِهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ أَعُينًا عُميًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلفًا ، وَهَدَى بِهِ مِنَ العَمَى وَبَصَّرَ بِهِ مِنَ الضَّلالَةِ ، فَأَشرَقَتِ الأَرضُ بِنُورِ رَبِّها وَصَلَحَت حَالُها ، وَعَرَفَ النَّبيَّ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ وَاتَّبَعَهُ وَآمَنَ بِهِ ، مَن أَنَارَ اللهُ بَصِيرَتَهُ وَوَفَّقَهُ وَشَرَحَ صَدرَهُ ، بل حتى البَهَائِمُ وَالعَجمَاوَاتُ وَالجَمَادَاتُ ، أَقَرَّت بِخَيرِ البرِيَّةِ واعترفت بأزكى البَشَرِيَّةِ ، فَهَابَتْهُ وَوَقَّرَتْهُ وَتَأَدَّبَتْ لَه ، وَسَلَّمَتْ عَلَيهِ وَحَنَّتْ إِلَيهِ ، وَخَضَعَتْ لَه وَبَكَتْ بَينَ يَدَيهِ ، وَانقَادَت لَه وَأَطَاعَت أَمرَهُ ، فَعَن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ـ رضي اللهُ عنه ـ قال : أَقبَلْنَا مَعَ رَسولِ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ حتى دَفَعْنَا إلى حائِطٍ في بني النَّجَّارِ ، فَإِذَا فِيهِ جملٌ لا يَدخُلُ الحائِطَ أَحَدٌ إِلا شَدَّ عَلَيهِ ، فَذَكَرُوا ذلك للنبيِّ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ فَأَتَاهُ فَدَعَاهُ ، فَجَاءَ وَاضِعًا مِشفَرَهُ عَلَى الأَرضِ حتى بَرَكَ بَينَ يَدَيهِ ، فقال : هاتُوا خِطَامًا ، فَخَطَمَهُ وَدَفَعَهُ إلى صَاحبِهِ ، ثم التَفَتَ فقال : " ما بَينَ السَّمَاءِ إِلى الأَرضِ أَحَدٌ إِلا يَعلَمُ أَني رَسولُ اللهِ ، إِلا عاصِي الجِنِّ وَالإِنسِ " وعن عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ ـ رضي اللهُ عنه ـ قال : أَردَفَني رَسولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ خَلفَهُ ذَاتَ يَومٍ ، فَأَسَرَّ إِليَّ حَدِيثًا لا أُحَدِّثُ بِهِ أَحدًا مِنَ النَّاسِ ، وَكانَ أَحَبُّ ما استَتَرَ بِهِ رَسولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ لِحَاجَتِهِ هَدَفًا أَو حَائِشَ نخلٍ ، قال : فَدَخَلَ حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنَ الأَنصَارِ ، فَإِذَا جملٌ ، فَلَمَّا رَأَى النبيَّ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَينَاهُ ، فَأَتَاهُ النبيُّ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ فَسَكَتْ ، فقال : " مَن رَبُّ هذا الجمَلِ ؟ لِمَن هذا الجملُ ؟ " فجاء فتىً مِنَ الأَنصَارِ ، فقال : لي يا رَسولَ اللهِ ، فقال : " أَفلا تَتَّقِي اللهَ في هذِهِ البَهِيمَةِ التي مَلَّكَكَ اللهُ إِيَّاهَا ، فَإِنَّهُ شَكَا إِليَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ " وعن عائشةَ ـ رضي اللهُ عنها ـ قالت : كان لآلِ رَسولِ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ وَحْشٌ ، فَإِذَا خَرَجَ رَسولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ لَعِبَ وَاشتَدَّ وَأَقبَلَ وَأَدبَرَ ، فَإِذَا أَحَسَّ بِرَسولِ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ قَد دَخَلَ رَبَضَ ، فَلَم يَتَرَمْرَمْ مَا دَامَ رَسولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ في البيتِ كَرَاهِيَةَ أَن يُؤْذِيَهُ . وعن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ـ رضي اللهُ عنه ـ قال : سِرْنا مَعَ رَسولِ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ حتى نَزَلْنَا وَادِيًا أَفيَحَ . فَذَهَبَ رَسولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ يَقضِي حَاجَتَهُ ، فَاتَّبَعْتُهُ بِأَدَاوَةٍ مِن مَاءٍ . فَنَظَرَ رَسولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ فَلَم يَرَ شَيئًا يَستَتِرُ بِهِ . فَإِذَا شَجَرَتَانِ بِشَاطِئِ الوَادِي . فَانطَلَقَ رَسولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ إِلى إِحدَاهما ، فَأَخَذَ بِغُصنٍ مِن أَغصَانِها . فقال : " انقَادِي عَلَيَّ بِإِذنِ اللهِ " فَانقَادَت مَعَهُ كَالبَعِيرِ المَخشُوشِ الذي يُصَانِعُ قَائِدَهُ ، حتى أَتَى الشَّجَرَةَ الأُخرَى ، فَأَخَذَ بِغُصنٍ مِن أَغصَانِها ، فقال : " انقَادِي عَلَيَّ بِإِذنِ اللهِ " فَانقَادَت مَعَهُ كذلك . حتى إِذَا كان بِالمَنصَفِ ممَّا بَينَهُمَا ، لأَمَ بَينَهُمَا ( يَعني جمعَهُمَا ) فقال : " اِلتَئِمَا عَلَيَّ بِإِذنِ اللهِ " فَالتَأَمَتَا . قال جابرٌ : فَخَرَجْتُ أُحْضِرُ ( أَيْ أَعدُو وَأَسعَى سَعيًا شَدِيدًا ) مَخَافَةَ أَن يُحِسَّ رَسولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ بِقُربي فَيَبتَعِدَ ، فَجَلَستُ أُحَدِّثُ نَفسِي ، فَحَانَت مِنِّي لَفتَةٌ ، فَإِذَا أَنا بِرَسولِ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ مُقبِلا ، وَإِذَا الشَّجَرَتَانِ قَدِ افتَرَقَتَا ، فَقَامَت كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنهُمَا عَلَى سَاقٍ " وعنه ـ رضي اللهُ عنه ـ قال : كان النبيُّ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ يَقُومُ إلى جِذْعٍ قَبلَ أَن يُجعَلَ لَهُ المِنبَرُ ، فَلَمَّا جُعِلَ المِنبَرُ حَنَّ الجِذعُ حتى سَمِعْنَا حَنِينَهُ ، فَمَسَحَ رَسولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ يَدَهُ عَلَيهِ فَسَكَنَ . وعن جابرِ بنِ سَمُرَةَ ـ رضي اللهُ عنه ـ قال : قال رَسولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ : " إِنِّي لأَعرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كان يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبلَ أَن أُبعَثَ ، إِنِّي لأَعرِفُهُ الآنَ " وعن عليِّ بنِ أبي طالبٍ ـ رضي اللهُ عنه ـ قال : كُنتُ مَعَ النبيِّ بمكةَ ، فَخَرَجْنَا في بَعضِ نَوَاحِيها ، فَمَا استَقبَلَهُ جَبَلٌ ولا شَجَرٌ إلا هو يَقُولُ : السَّلامُ عَلَيكَ يَا رَسولَ اللهِ . ولمَّا هَاجَرَ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ إلى المدينةِ ، وكانت مِن أَوبَأِ أَرضِ اللهِ ، فَصَحَّحَهَا اللهُ بِبَرَكَةِ حُلُولِهِ بها وَدُعائِهِ لأَهلِهَا ، حَيثُ دَعَا ـ عليه السلامُ ـ رَبَّهُ أَن يُذهِبَ حُمَّاهَا إِلى الجُحفَةِ ، فَاستَجَابَ اللهُ له ذلك .. وعن أنسٍ ـ رضي اللهُ عنه ـ قال : لمَّا كان اليَومُ الذي دَخَلَ النبيُّ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ فِيهِ المَدِينَةَ ، أَضَاءَ مِنها كُلُّ شَيءٍ ، فَلَمَّا كان اليَومُ الذي مَاتَ فِيهِ ، أَظلَمَ منها كُلُّ شَيءٍ ... اللهُ أَكبرُ ـ أيها المسلمون ـ كُلُّ شَيءٍ يَعرِفُ رَسُولَ اللهِ ـ عليه الصلاةُ والسلامُ ـ وَيُحِبُّهُ ، كُلُّ شَيءٍ يُؤمِنُ بِنُبُوَّتِهِ وَيُقِرُّ بِرِسالتِهِ ، إِلا مَن أَرَادَ اللهُ ضَلالَتَهُم مِن أَشقِيَاءِ بَني الإِنسانِ ، فَلَم يَزَالُوا مُنذُ مَبعَثِهِ ـ عليه الصلاةُ والسلامُ ـ ضَائِقَةً بِهِ صُدُورُهُم ، غَاصَّةً بِهِ نُحُورُهُم ، يَكِيدُونَ لَهُ وَيَمكُرونَ بِهِ ، وَيُدَبِّرُونَ المُؤَامَرَاتِ ضِدَّهُ وَيُؤذُونَهُ ، سَخِرُوا مِنهُ وَاستَهزَؤُوا بما جاء به ، واتَّهَمُوهُ بِالجُنُونِ والكَهَانَةِ ، وَقَالُوا عَنه إِنَّهُ شَاعِرٌ وَسَاحِرٌ ، وَوَضَعُوا سَلا الجَزُورِ على ظَهرِهِ وهو سَاجِدٌ يُصَلِّي ، وَرَمَوهُ بِالحِجارَةِ حَتى أَدمَوا عَقِبَيهِ ، وَحَاصَرُوهُ في الشِّعبِ وَتَآمَرُوا لِقَتلِهِ ، بَل لم يَزَالُوا به حتى أَخرجُوهُ مِن أَحَبِّ البِقَاعِ إِلَيهِ وَأَبعَدُوهُ عنها ، وَمَنَعُوهُ مِن دُخُولِها لِعِبادَةِ رَبِّهِ وَزَيَارَةِ بَيتِهِ ، ثم جَيَّشُوا الجُيُوشَ لِحَربِهِ وَجَابَهُوهُ ، وَكَسَرُوا رَبَاعِيَّتَهُ وَشَجُّوا وجنَتَهُ وَأَدمَوا وَجهَهُ " وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ " وَتِلكَ سُنَّةُ اللهِ في إِخوانِهِ الذين خَلَوا مِن قَبلِهِ مِنَ الأَنبِيَاءِ وَالمُرسَلِينَ ، وَلَن تجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبدِيلا ، وَلَن تجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تحويلا ، قال - تعالى - : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعضُهُم إِلى بَعضٍ زُخرُفَ القَولِ غُرُورًا ، وَلَو شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفتَرُونَ " وقال - تعالى - : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا " واليَومَ وفي ظِلِّ حَضَارَةِ الغَرْبِ النَّصرَانيِّ المُتَطَرِّفِ ، والذي تَتَغَنَّى بِالتَّقَدُّمِ وَالتَّمَدُّنِ عَوَاصِمُهُ ، وَيَتَشَدَّقُ بِالمَعَاني الإِنسَانِيَّةِ مُثَقَّفُوهُ ، وَيَدَّعِي الحُرِّيَّةَ وَالتَّسَامُحَ كُبَرَاؤُهُ ، تَأَبى الحَقَائِقُ إِلا أَن تَتَكَشَّفَ يَومًا بَعدَ يَومٍ ، لِتُظهِرَ مَا تُكِنُّهُ صُدُورُ أولئك القَومِ مِن كُرهٍ وَبَغضَاءَ ، وَتُظهِرُ مَا يَنطَوُونَ عَلَيهِ مِن حِقدٍ وَشَحنَاءَ ، فَتَتَمَادَى وَسَائِلُ إِعلامِهِم وَيَتَنَاوَبُ مِنهُم أَشخَاصٌ مَوتُورُونَ ، على الاستِهزَاءِ بِرَسولِ اللهِ ـ عليه الصلاةُ والسلامُ ـ وَتَتَكَرَّرُ مِنهُم محاولاتُ الإِسَاءَةِ إِلَيهِ بِأَلفَاظٍ نَابِيَةٍ وَرُسُومٍ بَغِيضَةٍ كَاذِبَةٍ ، مُعلِنِينَ ذلك على المَلأِ في صُحُفِهِم وَوَسَائِلِ إِعلامِهِم ، ضَارِبِينَ بِعُرضِ الحَائِطِ مَشَاعِرَ أَكثَرَ مِن أَلفِ مِليونِ مُسلِمٍ هُم أَتبَاعُهُ وَأَحبَابُهُ ،، وَلَئِنْ سَاءَ المُسلِمِينَ وَقَطَّعَ قُلُوبَهُم ، وَأَغَاضَهُم وَقَرَّحَ أَكبَادَهُم ، ما نُشِرَ في تِلكَ الصُّحُفِ خِلالَ الأَشهُرِ الماضِيَةِ ، فَإِنَّ مِن عَقِيدَةِ أَهلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ ، أَنَّ اللهَ لم يَخْلُقْ شَرًّا مَحْضًا ، بل كما قال ـ سبحانَه ـ : " لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ ، بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ ، وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ " فقد تَضَمَّنَ ذلك الشَّرُّ خَيرًا ، وَأَظهَرَ ذلك السُّوءُ حُسنًا ، وَلَو لم يَكُنْ إِلا أَنِ انكَشَفَتِ الحقِيقَةُ عَن وَجهِ الحَضَارَةِ الغَربِيَّةِ ، وَظَهَرَ لِكُلِّ ذِي بَصَرٍ زَيفُ مَا تَتَشَدَّقُ بِهِ مِن حُبٍّ لِلسَّلامِ ، وَبَانَت عَدَاوَةُ النَّصَارَى وَكَذِبُهُم فِيمَا يَزعُمُونَ مِن صَدَاقَةٍ وَمَوَدَّةٍ لِلمُسلِمِينَ ، وَاتَّضَحَ أَنَّ مَن يَطلُبُ رِضَاهُم وَيَنشُدُ وُدَّهُم ، مُتَطَلِّبٌ في الماءِ جَذوَةَ نَارٍ .
وَصَدَقَ اللهُ إِذْ يَقُولُ : " وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ " " قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ " فَمَاذَا عَسَى المُغتَرُّونَ مِن قَومِنَا يَقُولُونَ ؟ مَاذَا عَسَى أُغَيْلِمَةُ الصَّحَافَةِ وَسُفَهَاءُ الإِعلامِ يَكتُبُونَ ؟ أَينَ الذين كانوا يُلمِّعُونَ الغَرْبَ تحتَ شِعَارِ ( الآخَرِ ) سَتْرًا لِلكَافِرِ ؟! ألا إِنَّ الحقِيقَةَ قَد تجلَّتْ وَانكَشَفَتْ ! فَلْيَصمُتْ مَن كانوا يُنَادُونَ بِاحتِرَامِ ( الآخَرِ ) ! وَلْيَلْقَمْ حَجَرًا مَن كَانوا يَوَدُّونَ لَو صَمَتَ دُعَاةُ الإِسلامِ ، مُنادِينَ بِـ ( حُرِّيَّةِ الفِكرِ ) بَل ( حُرِّيَّةِ الكُفْرِ ) ! إِذَا تَكَلَّمَ صَادِقٌ نَصَبُوا لَهُ العِدَاءَ ، وَإِنْ تَبَجَّحَ كَافِرٌ سَكَتُوا وَكَأَنَّ الأَمرَ لا يَعنِيهِم . هَاهُو الكَافِرُ الذي سمَّوهُ ( الآخَرَ ) في مُحاوَلَةٍ لِتَميِيعِ المُصطَلَحَاتِ الشَّرعِيَّةِ ، وَإِضعَافِ عقيدة البَرَاءِ في نُفُوسِ المُسلِمِينَ ، هَا هُوَ ذلكم ( الآخَرُ ) يَتَطَاوَلُ على دِينِ اللهِ وَيَستَهزِئُ بِرَسولِ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ فماذا عَسَاهُم فَاعِلِينَ ؟ إِنَّ هذا ( الآخَرَ ) الذي تَوَدَّدَ لَهُ بَعضُ سُفَهَاءِ المُسلِمِينَ وَطَلَبُوا رِضَاهُ ، لم يَقبَلْهُم مِن قَبلُ ، وَلَن يَقبَلَهُم بَعدُ ، لَن يُحِبَّهُم وَلَن يُقَدِّرَهُم ، وَلَن يَذهَبَ ما في صَدرِهِ عَلَيهِم ، حتى يجتَمِعَ الماءُ والنَّارُ ، وَحتى يَلتَقِيَ الضَّبُّ وَالحُوتُ ، ولا يُقَالُ هذا رَجمًا بِالغَيبِ وَلا ادِّعَاءً كَاذِبًا ، بل هُوَ مَا أَخبرَ اللهُ بِهِ في مُحكَمِ كِتَابِهِ ، إِذْ قَالَ ـ سبحانَه ـ : " هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ ، وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ ، وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ ، قُلْ مُوتُوا بِغَيظِكُمْ ، إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ " إنها عَدَاوَةٌ مُتَأَصِّلَةٌ وَإِحَنٌ مُنعَقِدَةٌ ، لا يُذهِبُها زَمَانٌ ولا يُعالِجُها دَوَاءٌ ، وَلا تَهدَأُ مَهمَا قَدَّمَ المسلمون مِن تَنَازُلاتٍ عَن دِينِهِم أَو مَيَّعُوا أَحكَامَ عَقِيدَتِهِم . وَممَّا يُستَفَادُ مِن هَذِهِ الأَحدَاثِ ـ أيها المسلمون ـ تميُّزُ الطَّيِّبِ مِنَ الخَبِيثِ ، وَظُهُورُ الصَّادِقِ مِنَ الكَاذِبِ ، قال ـ سبحانَه ـ : " مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُم عَلَيهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ " ثم إِنَّ في الغَربِ مُنصِفِينَ ، فَقَد تُثِيرُهُم تِلكَ الحَملاتُ الشَّعوَاءُ وَتَحمِلُهُم على طَلَبِ الحَقَائِقِ ، فَيَهدِي اللهُ مِنهُم رِجالاً وَنِسَاءً فَيَحمِلُونَ الإِسلامَ في بِلادِهِم ، وَ" إِنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ " وَمَا قِصَّةُ إِسلامِ حمزَةَ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ ـ رضي اللهُ عنه ـ عنَّا بِبَعِيدٍ ، فقد كان سَبَبُ إِسلامِهِ استِخفَافَ أبي جَهلٍ بِرَسُولِ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ إِذْ مَرَّ بِرَسولٍ اللهِ يَومًا عِندَ الصَّفَا ، فَآذَاهُ وَنَالَ مِنهُ ، وَرَسولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ سَاكِتٌ وَلا يُكَلِّمُهُ ، ثم ضَرَبَهُ أَبُو جَهلٍ بِحَجَرٍ في رَأسِهِ فَشَجَّهُ ، حتى نَزَفَ مِنهُ الدَّمُ ، ثم انصَرَفَ عنه إلى نادِي قُرَيشٍ عِندَ الكَعبَةِ ، فَجَلَسَ مَعَهُم ، وَكَانَت مَولاةٌ لِعَبدِاللهِ بنِ جدعانَ في مَسكَنٍ لها على الصَّفَا تَرَى ذلك ، وَأَقبَلَ حمزَةُ مِنَ القَنصِ مُتَوَشِّحًا قَوسَهُ ، فَأخَبرتْهُ المَولاةُ بما رَأَت مِن أَبي جَهلٍ ، فَغَضِبَ وَخَرَجَ يَسعَى ، لم يَقِفْ لأَحَدٍ حتى دَخَلَ المَسجِدَ وَفِيهِ أَبو جَهلٍ ، فَقَامَ على رَأسِهِ ، وقال له : يَا مُصفِرَ استِهِ ، تَشتُمُ ابنَ أَخِي وَأَنَا على دِينِهِ ؟ ثم ضَرَبَهُ بِالقَوسِ فَشَجَّهُ شَجَّةً مُنكَرَةً ، فَثَارَ رِجَالٌ مِن بني مخزُومٍ ، وَثَارَ بَنُو هاشِمٍ ، فَقَالَ أَبو جَهلٍ : دَعُوا أَبَا عِمَارَةَ ، فَإِني سَبَبْتُ ابنَ أَخِيهِ سَبًّا قَبِيحًا . ثم شَرَحَ اللهُ صَدرَ حمزَةَ للإِسلامِ ، فَاستَمسَكَ بِالعُروَةِ الوُثقى ، واعتَزَّ بِهِ المسلمون أَيَّمَا اعتِزَازٍ ، وكان إِسلامُهُ نَصرًا عَظِيمًا للإِسلامِ ، وَكَانَت تِلكَ المَسَبَّةُ وذلك الاستخفافُ مِن أبي جَهلٍ ، سَبَبًا في النَّكبَةِ وَالخِزيِ وَالذُّلِّ لِلطُّغَاةِ المُعتَدِينَ . وَإِنَّا لَنَرَى أَنَّ هذا الاستِخفَافَ وَالاستِهزَاءَ مِن هؤلاءِ الطُّغَاةِ في صُحُفِهِم وَوَسَائِلِ إِعلامِهِم ، لَبِدَايَةُ نَصرٍ لِلإِسلامِ وَالمُسلِمِينَ ، وَإِنَّ بَشَائِرَ النَّصرِ لَتَلُوحُ في الأُفُقِ ... وإِنَّ مَا يُقالُ أَو يُثَارُ ضِدَّ الإِسلامِ أَو ضِدَّ نَبيِّهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ لَيَسُوءُ كُلَّ مُسلِمٍ وَيُحزِنُهُ ويُغضِبُهُ .. إِلا أَنَّ هذَا الشَّرَّ لا يَخلُو مِن خَيرٍ ، هُم يُريدُون أَمرًا ، وَالله يُرِيدُ أَمرًا " وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ ، وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ " " أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ " لَقَد دَبَّرَ أَسلافُهُم مِن قَبلِهِم وَمَكرُوا ، وَأعمَلُوا أَفكَارَهُم وَخَطَّطُوا ، وَأَجَالُوا آرَاءَهُم وَتَآمَرُوا ، وَابتَغَوُا الفِتنَةَ وَقَلَّبُوا الأُمُورَ ، وَاستَهزَؤُوا وَخَاضُوا ، فَأَبْطَلَ اللهُ سَعيَهُم ، وَرَدَّ كَيدَهُم في نحُورِهِم ، وحَاقَ بهم مَكرُهُم ، وَنَصَرَ اللهُ نَبِيَّهُ وَأَظْهَرَ دِينَه ، قال ـ سبحانَه ـ : " وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون " وقال ـ تعالى ـ : " لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ " " وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ " " وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ "
أما بعدُ ، فاتَّقُوا اللهَ ـ تعالى ـ وأطِيعُوهُ ، وَرَاقِبُوا أَمرَهُ وَنهيَهُ ولا تَعصُوهُ .
أيها المسلمون ، إِنَّهُ وَإِنِ استَهزَأَت صُحُفٌ غَربِيَّةٌ بِالحَبِيبِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ وَسَخِرَت مِنهُ ، فَإِنَّ ذلك لَحَسرَةٌ عَلَيهِم مَا بَعدَهَا حَسرَةٌ ، وَبُؤسٌ لهم مَا بَعدَهُ بُؤسٌ ، إِنَّهُ لَمُؤذِنٌ بِخَرَابِ دِيَارِهِم وَتَمَزُّقِ مُلكِهِم وَذَهَابِ دَولَتِهِم ، وَصَدَقَ اللهُ إِذْ يَقُولَ : " يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ، مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون " لَقَد بَعَثَ رَسولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ رَسَائِلَ إلى كِسرَى مَلِكِ الفُرسِ وَإِلى قَيصَرَ مَلِكِ الرُّومِ ، وَكِلاهما لم يُسْلِمْ ولم يَتَّبِعِ الهُدَى ، لَكِنَّ قَيصَرَ أَكرَمَ كِتَابَ رَسولِ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ وَأكرَمَ رَسولَهُ ، فَثَبَتََ مُلكُهُ ، وَاستَمَرَّ في الأَجيَالِ اللاحِقَةِ ، وَأَمَّا كِسرَى فَمَزَّقَ كِتَابَ رَسولِ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ واستَهزَأَ بِهِ ، فَقَتَلَهُ اللهُ بَعدَ قَلِيلٍ ، وَمَزَّقَ مُلكَهُ كُلَّ مُمَزَّقٍ ، ولم يَبقَ للأَكَاسِرَةِ مُلكٌ ولم تَقُمْ لهم قَائِمَةٌ . فَأَبشِرُوا ـ أيها المسلمون ـ وَتَفَاءَلُوا ، ولا تَيأَسُوا مِن نَصرِ اللهِ وَلا تَقنَطُوا ، فَإِنها قَضِيَّةُ وَقتٍ لا أَقَلَّ وَلا أَكثَرَ ، يَقُولُ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيمِيَّةَ ـ رحمه اللهُ ـ : إِنَّ اللهَ مُنتَقِمٌ لِرَسولِهِ ممَّن طَعَنَ عَلَيهِ وَسَبَّهُ ، ومُظْهِرٌ لِدِينِهِ ولِكَذِبِ الكَاذِبِ ، إِذَا لم يُمكِنِ النَّاسَ أَن يُقِيمُوا عَلَيهِ الحَدَّ ، وَنَظِيرُ هذا ما حَدَّثَنَاهُ أَعدَادٌ مِنَ المُسلِمِينَ العُدُولِ ، أَهلِ الفِقهِ وَالخِبرَةِ ، عَمَّا جَرَّبُوهُ مَرَّاتٍ متعددةٍ ، في حَصْرِ الحُصُونِ وَالمَدَائِنِ التي بِالسَّوَاحِلِ الشَّامِيَّةِ ، لمَّا حَصَرَ المسلمون فيها بَني الأَصفَرِ في زَمانِنا ، قالوا : كُنَّا نحنُ نَحْصُرُ الحِصْنَ أَوِ المدينةَ الشَّهرَ أَو أَكثَرَ مِنَ الشَّهرِ وَهُو ممتَنِعٌ عَلَينَا ، حتى نَكَادُ نَيأَسُ مِنهُ ، حتى إِذَا تَعَرَّضَ أَهلُهُ لِسَبِّ رَسولِ اللهِ وَالوَقِيعَةِ في عِرضِهِ ، تَعَجَّلْنَا فَتحَهُ وَتيَسَّرَ ، وَلم يَكَدْ يَتَأَخَّرُ إِلا يَومًا أَو يَومَينِ أَو نحوَ ذَلك ، ثم يُفتَحُ المَكانُ عُنوَةً ، ويَكُونُ فِيهِم مَلحَمَةٌ عَظِيمَةٌ ، قَالوا : حتى إِنْ كُنَّا لَنَتَبَاشَرُ بتَِعجِيلِ الفَتحِ إِذَا سَمِعنَاهُم يَقَعُونَ فيه ، مَعَ امتِلاءِ القُلُوبِ غَيظًا عَلَيهِم بما قَالوا فِيهِ .. انتهى كلامُهُ . وفي الصحيحِ عنِ النبيِّ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ قال : " يَقُولُ اللهُ ـ تعالى ـ : مَن عَادَى لي وَليًّا ، فَقَد آذنتُهُ بِالحَربِ " فَكيفَ بِمَن عَادَى سَيِّدَ الأَولِيَاءِ ؟ كَيفَ بِمَن استهزأَ سَيِّدَ الأَنبِيَاءَ ؟ الذي أَمَرَ اللهُ ـ تعالى ـ بِتَعظِيمِهِ وَتَوقِيرِهِ ، وَعَلَّقَ الفَلاحَ على نُصرتِهِ ، وَأخبرَ أَنَّ مَن لم يَنصُرْهُ فَلَيس مِنَ المُفلِحِينَ ، وَأَنَّ مَن آذَاهُ وَشَاقَّهُ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، وَأَنَّهُ ـ سبحانَه ـ كافِيهِ وَنَاصِرُهُ وَعَاصِمُهُ ، فقال ـ تعالى ـ : " وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ " وقال ـ سبحانَه ـ : " فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " وقال - تعالى - : " وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " وقال ـ جل وعلا ـ : " إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا " وقال - تعالى - : " وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا " وقال - تعالى - : " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى لَن يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ " وقال ـ تعالى ـ : " فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ " وقال ـ تعالى ـ : " إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ " عنِ ابنِ مسعودٍ ـ رضي اللهُ عنه ـ قال : بَينَمَا النبيُّ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ يُصلِّي عِندَ البَيتِ ، وأبو جهلٍ وأصحابٌ لَهُ جُلُوسٌ ، إذا قال بعضُهُم لِبَعضٍ : أَيُّكُم يجِيءُ بِسَلا جَزُورِ بني فُلانٍ ، فَيَضَعَهُ على ظَهرِ محمدٍ إِذَا سَجَدَ ؟ فَانبَعَثَ أَشقَى القومِ فجاء به ، فَنَظَرَ حتى سَجَدَ النبيُّ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ وَوَضَعَهُ على ظَهرِهِ بَينَ كَتِفَيهِ ، وَأَنَا أَنظُرُ لا أُغَيِّرُ شَيئًا ، لَو كَان لي مَنَعَةٌ ، قال : فَجَعَلُوا يَضحَكُونَ وَيُحِيلُ بَعضُهُم على بَعضٍ ، وَرَسولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ ساجدٌ لا يَرفَعُ رَأسَهُ ، حتى جاءته فَاطِمَةُ ، فَطَرَحَت عَن ظَهرِهِ ، فَرَفَعَ رَأسَهُ ثم قال : اللهم عَلَيكَ بِقُريشٍ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ، فَشَقَّ عَلَيهِم إِذْ دَعَا عَلَيهِم . قال : وكانوا يَرونَ أَنَّ الدَّعوَةَ في ذلك البَلَدِ مُستَجَابَةٌ . ثم سمَّى : اللهم عليك بأبي جهلٍ ، وعليك بِعُتبَةَ بنِ رَبِيعَةَ ، وَشَيبَةَ بنِ رَبِيعَةَ ، وَالوَلِيدِ بنِ عُتبَةَ ، وَأُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ ، وَعُقبَةَ بنِ أَبي مُعَيطٍ . وَعَدَّ السَّابِعَ فَلَم نحفَظْهُ ، قال : فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ ، لَقَد رَأَيتُ الذين عَدَّ رَسُولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ صَرعَى في القَلِيبِ قَلِيبِ بَدرٍ . وعن أنسِ بنِ مالكٍ ـ رضي اللهُ عنه ـ قال : كان رَجُلٌ نَصرَانيٌّ فَأَسلَمَ وَقَرَأَ البَقَرَةَ وآلَ عِمرَانَ ، وكان يَكتُبُ لِلنَّبيِّ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ فَعَادَ نَصرَانِيًّا ، وكان يَقُولُ : لا يَدرِي محمدٌ إلا ما كَتَبتُ له ، فَأَمَاتَهُ اللهُ فَدَفنُوهُ ، فَأَصبَحَ وَقَد لَفَظَتْهُ الأَرضُ ، فقالوا : هذا فِعلُ محمدٍ وأَصحابِهِ لمَّا هَرَبَ مِنهُم ، نَبَشُوا عن صاحبِنا فَأَلقَوهُ ، فَحَفَرُوا له فَأَعمَقُوا له في الأَرضِ ما استَطَاعُوا ، فَأَصبَحُوا وَقَد لَفَظَتْهُ الأَرضُ ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيسَ مِنَ النَّاسِ فَأَلقَوه . أَلا فَاتَّقُوا اللهَ ـ أيها المسلمون ـ وانصُرُوا رَسولَكُم وَذُبُّوا عَن عِرضِهِ بما تَستَطِيعُون ، هُبُّوا للانتِقَامِ لَهُ كُلٌّ بِحَسَبِ قُدرَتِهِ وَاستِطَاعَتِهِ ، اِقرَؤُوا سَيرَتَهُ ، وَانشُرُوها مِن خِلالِ الوَسَائِلِ المُتَاحَةِ ، بِالمَقَالَةِ وَالمَطوِيَّةِ ، وَالنَّشرَةِ وَالكِتَابِ ، وَالبَرَامِجِ المَرئِيَّةِ وَالمَسمُوعَةِ ، مِن خِلالِ المَدَارِسِ وَالمَسَاجِدِ ، في البُيُوتِ وَالمَحَافِلِ . قِفُوا على تَفَاصِيلِ سَيرتِهِ ، وَتَأَمَّلُوا دَقَائِقَ سُنَّتِهِ ، فَهُوَ أَعظَمُ رَجُلٍ في التاريخِ ، وَهُوَ مِنَّا وَنحنُ مِنهُ ، وَقَد فُزنَا بِهِ وَشَرُفنَا بِالنَّسبَةِ إِلَيهِ ، فَلا يَلِيقُ بِنَا أَن نجهَلَ تَاريخَهُ وَسِيرتَهُ وَسُنَّتَهُ ، ثم عَلَيكُم بِتَفعِيلِ سِلاحِ المُقَاطَعَةِ لِمُنتَجَاتِ هذِهِ الدُّوَلِ التي سُبَّ فِيهَا وَاستُهزِئَ بِهِ في صُحُفِها ، فَذَلِكَ مِن أَقَلِّ مَا يجِبُ نحوَهُ ـ عَلَيهِ الصلاةُ والسلامُ ـ وَارفَعُوا إِلى اللهِ أَكُفَّ الضَّرَاعَةِ أَن يُعِزَّ دِينَهُ وَيُعلِيَ كَلِمَتَهُ ، وَأَن يُذِلَّ الكُفرَ وَيَمحَقَ الكَافِرِينَ ، وَأَجزِلُوا الدُّعَاءَ وَأَخلِصُوهُ ، لِوُلاةِ أَمرِنا ، حَيثُ سَحَبُوا سَفِيرَهُم مِن تِلكَ البِلادَ ، احتجاجًا منهم ـ وفقهم اللهُ ـ على استِهزَاءِ أَولئك بِرَسولِ اللهِ ، فَادعُوا لهم ولمن قَاطَعَ سِلَعَ أَولئك مِن تُجَّارِنَا ـ وَسَّعَ اللهُ عَلَيهِم ـ وَادعَمُوا ذلك وَاحتَسِبُوا الأَجرَ مِن رَبَّكُم .
===================
إن شانئك هو الأبتر
المهندس محمد خالد الكيلاني
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
هذا البحث هو رد سريع من طرفي على من يريد الإساءة للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم .. وأسأل الله تعالى أن يمكنني من جعله موجزا وواضح الهدف إحتراما لوقت القارئ الكريم
وأسأل الله تعالى أن يمكنني من ترجمته للإنجليزية والفرنسية أيضا .
وهو مقسم لعدة أجزاء أنهيت منها الجزء الأول والبقية ستأتي إن شاء الله تعالى
فعلى الله نتوكل وبسم الله نبدأ.
الجزء الأول : { إن شانئك هو الأبتر}
يقول المولى عز وجل في كتابه العزيز
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إ{ ِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ } [ سورة الكوثر ]
إن ما حفزني لكتابة هذا البحث هو أنه بعد تعمد الاساءة للحبيب المصطفى من طرف الصحيفة الدنماركية تذكرت الآية الكريمة الواردة في سورة الكوثر ورأيت فيها قانونا سماويا يقول :
"من يشنأك يا محمد هو أبتر" وهو حكم مطلق وغير مقيد
سواء كان هذا خلال وقت تبليغ الحبيب المصطفى للرسالة في حياته الدنيوية أو خلال إستراحته إلى حين البعث.
وكلمة "شانئك" تعني مبغضك وكلمة "أبتر" تعني الذي لا نسل له وذلك حسب ما ورد في معظم كتب التفسير .
فالآية الكريمة لم تقل "من شنأك" في الماضي ولم تقل "من يشنأك" في الحاضر أي زمن حياة الحبيب المصطفى
بل أتت الآية الكريمة في صيغة التأكيد "إن شانئك" بمعنى في كل زمان ومكان.
كقوله تعالى "إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ " " وقوله تعالى "إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ" "
وورد في أحد كتب التفسير
"كانت قريش إذا ولد للرجل ثم أبطأ عليه الولد من بعده قالوا هذا الأبتر."
وبما أن الإساءة للحبيب المصطفى قد تورط فيها وأيدها ودافع عنها معظم الدنماركيين من رسامين وصحفيين وسياسيين ومواطنين فبإمكاننا الوصول إلى إستنتاج مفاده أن هذا القانون السماوي ينطبق عليهم جميعا.
فهل يا ترى نستطيع أن نورد حقائق ووقائع تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن هذا القانون السماوي ينطبق على هذه الحالة ؟
بعدما بدأت في البحث عما يؤيد هذه الفرضية هالني ما وجدت.
ففي السنوات الماضية لاحظ علماء الاجتماع في الغرب تدني نسبة الانجاب وعزي هذا في البداية للتغيرات الاجتماعية والإقتصادية عقب الثورة الصناعية , إلا أن طائفة أخرى من الاطباء رأت أمرا آخر محيرا ألا وهو إستمرار تناقص تركيز الحيوانات المنوية بالسائل المنوي للرجال في الدول الغربية وخاصة في الدنمارك.
في العامين 1996 و 1998 أجريت أبحاث طبية على مجموعة من الشباب الدنماركي البالغ أعمارهم من 18 إلى 20 سنة وتبين أن تركيز الحيوانات المنوية لديهم هي أقل بكثير مما كانت عليه في السنوات السابقة وأقل بكثير من المتوسط العالمي.
وإليكم هذه الفقرة من كلام الدكتور أندرسون أنشرها نصرة وحبا للحبيب المصطفى
Andersen et al. examined young men from the general Danish population that participated in compulsory medical examination related to military service in two Danish cities (Copenhagen and Aalborg) in two periods during 1996 and 1998. 708 participants contributed semen samples.
"Surprisingly low sperm concentrations were found in this population of 18-20 year old men: the median sperm concentration of 41 million/ml was significantly lower than the values found in previous national and international studies."
فحص الدكتور أندرسون شبابا دنماركيين أجريت لهم فحوصات طبية إجبارية خلال إنخراطهم بالتجنيد الاجباري في مدينتين دينماركيتين هما ( كوبنهاجن وآلبورق) في فترتين خلال العامين 1996 و 1998.
فتقدم 708 مشاركا بعينات من السائل المنوي.
والمفاجئة أنه تبين وجود تركيز منخفض للحيوانات المنوية في الرجال البالغين من العمر 18 إلى 20 سنة, فمتوسط التركيز البالغ 41 مليون لكل مليمتر كان أقل بكثير من قيم السنوات السابقة على المستويين القومي والعالمي.
وأذكركم بأن بيانات هذه الدراسة هي من عام 1998
ومن المعروف أن هذا التناقص مستمر , أي أن الوضع الحالي بالتأكيد هو أسوأ بكثير مما كان عليه والأهم من هذا كله فإننا نستطيع أن نتوقع أن يستمر هذا التناقص إلى أن يصل بهم لدرجة العقم.
فسبحان من قال "إن شانئك هو الأبتر"
وأزيدكم من الشعر بيتا
فالدكتور أندرسون يقول أنه من المعروف أن تركيز الحيوانات المنوية يتناقص في فترات الامتناع عن ممارسة الجنس ولكنه عندما إستبعد من دراسته الحالات التي تنطبق عليها هذه الحيثية وجد أن عدد الذين لديهم نقص شديد في تركيز الحيوانات المنوية زاد عن 40%
"It is difficult to explain the low values of sperm count in young Danish men. A short period of abstinence may contribute to a low sperm count, but even when excluding those with a period of abstinence below 48 h, more than 40% of the men had a sperm concentration below 40 million/ml."
ويذكر الدكتور أندرسون أيضا أنه وجد علاقة بين هرمونات التكاثر وتركيز المني وحجم الخصي مما يثبت أن تناقص تركيز الحيوانات المنوية لدى هؤلاء الدنماركيين هو عائد لعوامل وراثية جوهرية وليس لعوامل امتناع مؤقت
"A significant correlation was also found between reproductive hormones, sperm count and testicular volume, indicating that low sperm counts were due to intrinsic biological factors rather than a short period of abstinence."
الله أكبر
الدكتور أندرسون يقول أن هذا راجع لـ
عوامل وراثية جوهرية
intrinsic biological factors
سبحانك ربي
الأعجب من هذا هو أن تركيز أو عدد هذه الحيوانات المنوية ليس هو وحده حد بلية هؤلاء القوم
بل يصل الأمر إلى نوعية أو صلاحية هذه الحيوانات المنوية للإنجاب
فلقد ذكر الدكتور أندرسون في دراسته أن رؤوس هذه الحيوانات بها تشوه لا يمكنها من إختراق البويضة.
وترد أيضا هذه الجملة في هذا المقال الطبي عن العقم في الدنمارك:
Andersen et al. note that Denmark has been shown to have high rates of male reproductive abnormalities, including cryptorchidism and testicular cancer.
بمعنى أن الدكتور أندرسون ورفاقه لاحظوا أن الدنمارك قد أظهرت معدلات عالية من العيوب أو التشوهات لدى رجالها بما في ذلك سرطان الخصي.
سبحان من قال "إن شانئك هو الأبتر"
وأورد موقع وزارة الخارجية الملكية الدنماركية على الانترنت حقائق دامغة عن النمو السكاني في الدنمارك
فيلخص هذا التاريخ ويظهره على فترات مختلفة بدء من عام 1735 وحتى نهاية القرن الماضي
ويورد هذه الفقرة عن السنوات الثلاثين الأخيرة من القرن العشرين :
The last 30 years of the 20th century show afar-reaching change in the demographical characteristics of the Danish population. The decline in fertility accelerated from 1967, and the lowest level so far was reached in 1983 when the average number of children born per woman was 1.4. As c. 2.1 births per woman are necessary to avoid a fall in the size of the population, fertility rates are thus below the level needed for reproduction.
تظهر بيانات السنوات الثلاثين الأخيرة من القرن العشرين تغيرا مهما (ذي أثر بعيد) في الخصائص الديموغرافية للتوزيع السكاني في الدنمارك.
فلقد ازداد (بعجلة) معدل التناقص في الخصوبة بدء من العام 1967 إلى أن وصل إلى أقل مستوى له في العام 1983 عندما بلغ 1.4 ولادة لكل إمرأة , ومن المعلوم أن مستوى 2.1 مطلوب لتفادي تناقص عدد السكان .
لذا فإن معدلات النمو هي أقل من المستوى المطلوب.
The number of legal abortions in relation to the birth rate is much higher in Denmark than in the rest of Western Europe, but it has nevertheless been declining since the beginning of the 1990s.
وزادت حالات الإجهاض مقارنة بحالات الولادة في الدنمارك عنها في دول أوروبا الغربية .
The far-reaching demographical changes that have occurred in Denmark over the last couple of hundred years have altered the age structure of the population. Thus the population was noticeably younger in 1901 than in 1997.
ويلخص الموقع الرسمي للوزارة الملكية الدنماركية للشئون الخارجية
The Royal Danish Ministry of Foreign Affairs
التوزيع العام للسكان على الأعمار فيوضح التغير الكبير في متوسط أعمار السكان حيث زادت الأعمار وتضاعف عدد النساء مقارنة بالرجال.
سبحان الله !
لاحظوا معي أن المقارنة عادة تتم مع الدول الغربية الأخرى وليس مع دول تكون فيها معدلات الخصوبة والنمو السكاني كبيرة.
سبحان الله !
والصلاة والسلام عليك يا رسول الله
أشهد شهادة عبد تدبر القرآن بعد أن ابتلاه الله في ماله وولده وأهله وبيته
أن هذا القرآن هو حق
نزل بالحق
من عند الحق جل جلاله
لكننا إتخذنا هذا القرآن مهجورا
فغفرانك ربنا على ما فرطنا
وأسأل الله تعالى أن يرفع كلمة هذا الدين وأن ينصر الإسلام والمسلمين
ومن راق له ما قرأ من هذا الموضوع فليوزعه ولينشره كما هو وله الاجر والثواب إن شاء الله تعالى
وأختم كلامي بالصلاة والسلام على حبيبنا المصطفى وعلى آله وصحبه الكرام
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
روابط بنفس الموضوع
http://humrep.oxfordjournals..org/cgi/content/abstract/20/4/942
http://www.ourstolenfuture.org/NewScience/reproduction/sperm/2000andersenetal.htm
http://news.bbc.co.uk/1/hi/sci/tech/736230.stm
==================
إنّا كفيناك المستهزئين
د.عادل باناعمة
تظاهرات
قال كليلةُ: واعلم يادِمنةُ أنَّ من قلةِ عقلِ المرءِ وسوءِ تدبيرِهِ أن يُطاولَ ما لا يقدرُ على مطاولتِهِ، وأن يُغالبَ ما لا يقدرُ على مغالبتِهِ، فيكون مثلُهُ في ذلك كمثلِ النملة الحمقاء! قال دمنةُ: وما مثلُ النملةِ الحمقاءِ؟ قال كليلةُ: زعموا أنَّ نملةً ساءَها أن تكونَ صغيرةَ الحجمِ، ضئيلةَ الجرمِ، تُفزعها وبني جنسها أقدامُ الدوابّ، وتشرّدها وأخواتِها خطواتُ فيلٍ كان بالجوارِ، فآلت على نفسها ألا تدع حيلةً ولا وسيلةً تصنعُ بها الهيبةَ لأمةِ النِّمالِ إلا فعلتْها..
ففكرت وقدرت، وقدّمت وأخرتْ، فهداها مريضُ تفكيرِها إلى أنّ العلةَ في اجتراء المخلوقاتِ عليهنّ أنهنّ يتفرقن ويتبعثرن إذا ما خطت فوقهن أقدام الفيل الثقيل! وظنت وبعض الظن إثم أنّها لو اجتمعت مع بنات جنسها فوقفن في وجه الفيل ثم شتمنه بأعلى أصواتهنّ، وصمدنَ إزاءه، لتضعضع الفيل وتزعزع، وكف قدمه وتكعكع.. ثم سلك سبيلاً غير سبيله، وترك لأمة النمالِ حريّتها الكاملةَ في التعبيرِ والتصرف!!
فمازالت تلك الحمقاءُ حتى تألفت حولها طائفةً من النمالِ ذهبن مذهبها، وسلمن لها القيادَ، فلما قدمَ الفيلُ اصطفتِ النمال كما تصطف الجيوشُ، فما تركن قالةَ سوءٍ، ولا عبارةَ شتمٍ، ولا بيتَ هجاءٍ إلا صرخنَ به ملء حناجرهنّ.. فما هو إلا أن أهوى عليهنّ الفيلُ بقدمِهِ فمحقهنّ من الحياةِ.. فلم يسمع شتمهنّ غيرُهنّ.. ولا درى بهجائهنّ سواهنّ.. ومضى الفيلُ لطريقِهِ لم يشعر بما كان!!
هذا مثلٌ استحضرتُهُ وأنا أتابعُ كما تتابعون تداعياتِ الفعلةِ الآثمةِ للصحيفة الدانماركية التي تولّتْ كبر الإساءةِ إلى نبينا وحبيبنا محمد {..
قلتُ: هو مثلٌ.. والمثلُ لا يعني المشابهةَ من كل وجهٍ، وإنما الشاهدُ فيه هلاكُ المرءِ حين يتعرّضُ لما لا قبل له بِهِ.
لقد قرأتُ كما قرأتُم أنّ صحيفةً فرنسيةً أعادتْ نشر الرسومِ الدانماركيّة زاعمةً أنّه يحق لها رسم صور كاريكاتورية لمحمّدٍ ويسوع المسيحِ وبوذا ويهودا، وأنّ ذلك يندرج تحت بند حرية التعبير في بلد علمانيّ، وقالت الصحيفة الفرنسيةُ: إنها "لن تعتذر عن إعادة نشرها هذه الرسوم لأننا أحرار في التحدث والتفكير والاعتقاد، وبما أن هؤلاء (تقصد المسلمين) يقدمون أنفسهم على أنهم أساتذة في الإيمان ويجعلون القضية مسألة مبدأ فإنّ علينا أن نكون حازمين".
ولقد عرفتُ كما عرفتم كذلك أنَّ صحيفة ألمانيةً باءتْ أيضاً بإثم نشرها زاعمةً أنّه لا حصانةَ لأحدٍ عن التهكم في الغرب، وأنّ صحيفةً سويسرية ناطقةً بالألمانية نشرتْ رسمين منها، وأن صحيفتين إسبانيتين قامتا كذلك بتكرار النشرِ، بالإضافة إلى صحيفةٍ مجرية، وثلاث صحف هولندية، وتلفاز ال"بي بي سي"!
ولقد اطلعت كما لعلكم اطلعتم على أن صحيفة إيطالية ساقطةً بذيئةً صورتِ النبيّ { وهو يأمر مجموعة انتحاريين بالتوقف عن التفجير لأن الجنّة نفد ما بها من مخزون الحور العين!!
ولا أدري إن كنتم قد عرفتم أنّ صحيفةً أردنية نشرت بعض هذه الرسومِ مشفوعةً بفلسفةٍ سمجةٍ باردةٍ لرئيس تحريرها يقول فيها: "يا مسلمي العالم تعقلوا!! أيهما يسيء للإسلام أكثر من الآخر؟ أجنبي يجتهد في رسم الرسول أم مسلم يتأبط حزاماً ناسفاً ينتحر في حفل عرس في عمان أو أي مكان آخر"!!! وكأننا إذ نشجبُ هذه الرسومات نرحّبُ بتلك التفجيرات!!!
حقيقةً بقدر ما شعرتُ بالغيظ والغضبِ... شعرتُ بغيرِ قليلٍ من الشفقةِ على هؤلاءِ!!
إنّهم مساكينُ لا يدرونَ من يحاربونَ ولا من يُطاولونَ!!
إنّهم مساكينُ لا يدرونَ بمن يهزؤونَ ولا بمن يسخرون!!
إنّهم مساكينُ لا يدرون أنّ إساءَتهم لا ترتدُّ إلا عليهم..
وأنّ ألفَ كنّاسٍ لو اجتمعوا في موضعٍ يثيرون الغبارَ بمكانسهم ليحجبوا ضياء الشمسِ لما سقطَ الغبار في النهاية إلا على رؤوسهم.
وأنهم كالنملةِ الحمقاءِ تظنّ أن صراخَها يوقفُ أقدام الفيل..
هم كمن يشتم الشمسَ والماءَ والهواءَ.. ليس لشتمه من معنى سوى خرفِهِ المطبق، وهذيانِهِ المحدق!
أو كمن يلعنُ الضياءَ والعافيةَ والربيعَ.. ليس للعنِهِ معنيً سوى أنّه خرجَ عن حدّ العقلِ إلى حدّ الجنونِ.
وسيبقى النهرُ عذباً وإن شتمه ألفُ لسانٍ بأنّه ملحٌ أجاجٌ..
وستبقى الشمسُ مشرقةً وإنْ زعمَ ألفُ دجالٍ أنها قطعةٌ من سوادٍ حالكٍ.
وسيظلُ المطرُ يبعثُ الحياةَ وإن ادّعى ألفُ دعيٍّ أنّه سمٌّ يتسلل إلى عروقِ النباتاتِ.
إنّ البحر الزاخرَ لا يضرُّهُ أن يلقيَ فيه الغلمان بحصياتِهِم..
وقد قال الأعشى فيما مضى لما تجرأ بعض الأراذلِ على هجاءِ قبيلته:
ألست منتهياً عن نحتِ أثلتِنا
ولست ضائرَها ما أطَّتِ الإبلُ
كناطحٍ صخرةً يوماً ليوهنَها
فلم يضرْها وأوهى قرْنَهُ الوَعِلُ
نعم..
ها هم هؤلاء الساخرونَ الشانئونَ ينطحون صخرةَ النبيّ { بكل ما أوتوا من قرونٍ إعلاميّةٍ.. ولكن النهاية التي نعرفُها سلفاً.. هي نهايةُ الأعشى: (فلم يضرها وأوهى قرنه الوعلُ). لم يكونوا أول الشانئينَ.. ولسنا أوّل الذابين.. لهم سلفٌ في كفارِ قريشٍ ومن جاء بعدهم.. ولنا سلفٌ في حسانَ رضي الله عنه وأرضاهُ يوم انتفضَ في وجهِ هجاءِ أبي سفيانَ فقال أبياتَه الروائع:
ألا أبلغْ أبا سفيان عني
فأنت مجوّف نخبٌ هواءُ
هجوت محمداً فأجبتُ عنه
وعند الله في ذاك الجزاءُ
أتهجوهُ ولست له بكفءٍ
فشرّكما لخيركما الفداءُ
فمن يهجو رسول الله منكم
ويمدحه وينصره سواءُ
فإن أبي ووالده وعرضي
لعرض محمد منكم فداءُ
قلت: إنّ تلك القرون الإعلامية النطّاحةَ لا تضرّ إلا نفسها يقيناً.. وحربها تلك ليست مع بشرٍ.. بل مع ربّ البشر سبحانه وتعالى.
ذلك أنّ النبيَّ { محميٌّ بحمايةِ اللهِ، معصومٌ بعصمتِهِ، مكفولٌ برعايتِهِ، مردود عنه أذى من آذاه، وسخريةُ من سخر به، واستهزاء من استهزأ به، وها أنا ذا أضعُ بين أيديكم هذه الوثائق الربانية:
فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (94) إنا كفيناك المستهزئين (95) (الحجر). يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين 67 (المائدة). فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم 137 (البقرة). أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد 36 (الزمر). إن شانئك هو الأبتر (3) (الكوثر). إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا 57 (الأحزاب). والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم 61 )التوبة).
هذه هي الوثائق الربانية التي تشهدُ بأنّ الله حافظٌ رسوله، ناصرٌ له، منتقمٌ له ممن ظلمه، آخذ له بحقه ممن سخر منه، كافٍ إياه ممن استهزأ به.
قال ابن تيمية رحمه الله: ومن سنة الله أن من لم يتمكن المؤمنون أن يعذبوه من الذين يؤذون الله ورسوله فإن الله سبحانه ينتقم منه لرسوله ويكفيه إياه... وكل من شنأه وأبغضه وعاداه فإن الله يقطع دابره، ويمحق عينه وأثره (الصارم المسلول: 144).
وقال رحمه الله: وقد ذكرنا ما جرّبه المسلمون من تعجيل الانتقام من الكفار إذا تعرّضوا لسب رسول الله {، وبلغنا مثل ذلك في وقائع متعددة، وهذا باب واسعٌ لا يُحاطُ بِهِ. (نفسه)
وقال السعديُّ: ما تظاهر أحد بالاستهزاء برسول الله { وبما جاء به إلا أهلكه الله وقتله شر قتلة.
فتعالوا أيها الأحبةُ نستشهد التاريخَ كيف كفى الله رسوله المستهزئين به {، وكيف آذى من آذاهُ. تعالوا نعش في ظلالِ الآيةِ الكريمةِ إنا كفيناك المستهزئين 95 ..
وأول ما أذكرُهُ في هذا الاستقراء التاريخيّ ما ذكره أهل التفسيرِ في سبب نزولِ هذه الآية.. أعني قوله تعالى: إنا كفيناك المستهزئين 95 ..
فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: المستهزئون هم الوليد بن المغيرة، والأسودُ بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحارث بن غَيْطَل السّهميّ، والعاص بن وائل، فأتاه جبريل عليه السلام فشكاهم إليه رسول الله {، فأراه الوليد بن المغيرة، فأومأ جبريل إلى أكَحلِهِ وهو عرقٌ في اليدِ ، فقال {: ما صنعت شيئاً!، فقال جبريلُ: كَفَيْتُكَهُ، ثم أراه الحارث بن غيطل السهميّ، فأومأ إلى بطنه، فقال: ما صنعت شيئاً! قال: كفيتكه، ثم أراه العاص بن وائل السهمي، فأومأ إلى أخمَصِهِ أي: باطن رجله فقال: ما صنعت شيئاً! فقال: كفيتُكه.
فأما الوليد بن المغيرة فمرَّ برجلٍ من خزاعة وهو يريش نبلاً له فأصاب أكحَله فقطعها!
وأما الأسود بن المطلب فعمي، وذلك أنه نزل تحت شجرة فقال: يابنيّ ألا تدفعون؟ إني قد قتلت! فجعلوا يقولون: ما نرى شيئاً، فجعل يقول: يا بنيّ ألا تدفعون عني؟ هلكت بالشوك في عيني! فجعلوا يقولون: ما نرى شيئاً فلم يزل كذلك حتى عميت عيناه.
وأما الأسود بن عبد يغوث فخرج في رأسه قروح فمات منها.
وأما الحارث بن غيطل فأخذه الماء الأصفر في بطنه حتى خرج روثُهُ من فيه فمات منه.
وأما العاص بن وائل فبينما هو يمشي إذ دخلت في رجله شِبْرِقة نبتةٌ ذات شوك حتى امتلأت منها فمات.. (دلائل النبوة للأصبهاني 1-63، وانظر: الدر المنثور 5-101).
فهؤلاء خمسةُ نفرٍ من أعيانِ قومهم استهزؤوا برسول الله { فكفاه الله إيّاهم بقدرتِهِ وعزّتِهِ سبحانَهُ.
وقد أخرج البزار والطبراني في الأوسط عن أنسٍ قال: مرَّ النبيُّ { على أناس بمكة فجعلوا يغمزون في قفاه ويقولون: هذا الذي يزعم أنه نبيّ؟! ومعه جبريل، فغمز جبريل بأصبعه، فوقع مثلُ الظفر في أجسادهم، فصارت قروحاً نتنةً فلم يستطع أحد أن يدنوا منهم (الدر المنثور 5-100) .
وفي الصحيحين خبرٌ آخرُ عجيبٌ عن رجلٍ من بني النجار كان نصرانياً فأسلمَ، وكان يكتبُ الوحي للنبي {، ثم إنّه نكص على عقبيه فتنصّرَ، ولحق بأهل الكتابِ، فكان يهزأ بالنبيّ {، ويدّعي أنه أدخل في الوحي ما ليس منه، ويقولُ: والله ما يدري محمدٌ إلا ما كتبتُ له!!
فَمَا لَبِثَ أَنْ قَصَمَ اللهُ عُنُقَهُ فِيهِمْ، فدفنوه، فأصبح وقد لفظتْه الأرضُ!! فَقَالُوا: هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا فَأَلْقَوْهُ، فَحَفَرُوا لَهُ فَأَعْمَقُوا، فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ فَقَالُوا: هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ فَأَلْقَوْهُ، فَحَفَرُوا لَهُ الثالثةَ وَأَعْمَقُوا لَهُ فِي الأَرْضِ مَا اسْتَطَاعُوا فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ، فَتَرَكُوهُ مَنْبُوذاً. (البخاري 3617)، و(مسلمٌ 2781) . فسبحان الذي كفى نبيّه من استهزأ به وسخر به!
===============

كيف انتقم الله من الذين سبوا الرسول صلى الله عليه وسلم عبر التاريخ؟ د.عادل باناعمة قصةُ كسرى وقيصر المشهورةِ مع النبي صلى الله عليه وسلم جديرة بالتأمل، فقد كتب إليهما النبيّ صلى الله عليه وسلم، فامتنع كلاهما من الإسلام، لكن قيصر أكرم كتاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأكرم رسوله، فثبّت الله ملكه، وكسرى مزّق كتابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتله الله بعد قليل، ومزّق ملكه كل ممزّق، ولم يبق للأكاسرة ملكٌ. (الصارم المسلول: 144)
وكان من أثر ذلك ما ذكره السهيليُ أنّه بلغه أنّ هرقل وضع الكتاب في قصبة من ذهب تعظيماً له، وأنهم لم يزالوا يتوارثونه حتى كان عند ملك الفرنج الذي تغلب على طليطلة، ثم كان عند سِبطه، فحدثني بعضُ أصحابنا أن عبد الملك بن سعد أحد قواد المسلمين اجتمع بذلك الملك فأخرج له الكتاب، فلما رآه استعبر، وسأل أن يمكِّنه من تقبيله فامتنع. ثم ذكر ابن حجر عن سيف الدين فليح المنصوري أن ملك الفرنج أطلعه على صندوق مُصفَّح بذهب، فأخرج منه مقلمة ذهب، فأخرج منها كتاباً قد زالت أكثر حروفه، وقد التصقت عليه خِرقَة حرير، فقال: هذا كتاب نبيكم إلى جدي قيصر، ما زلنا نتوارثه إلى الآن، وأوصانا آباؤُنا أنه ما دام هذا الكتاب عندنا لا يزال الملك فينا، فنحن نحفظه غاية الحفظ، ونعظمه ونكتمه عن النصارى ليدوم الملك فينا.
وإليكم هذا الخبر العجيبَ!
كان أبو لهب وابنه عتبة قد تجهزا إلى الشام، فقال ابنه عتبة: والله لأنطلقنّ إلى محمد ولأوذينّه في ربه سبحانه وتعالى، فانطلق حتى أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد (هو يكفر) بالذي دنى فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "اللهم سلط عليه كلباً من كلابك".
ثم انصرف عنه، فرجع إلى أبيه فقال: يا بني ما قلت له؟ فذكر له ما قاله، فقال: فما قال لك؟ قال: قال: "اللهم سلط عليه كلباً من كلابك". قال: يا بني، والله ما آمن عليك دعاءه!
فساروا حتى نزلوا بالشراةِ وهي أرضٌ كثيرةُ الأسدِ، فقال: أبو لهب إنكم قد عرفتم كبر سني وحقي، وإنّ هذا الرجل قد دعا على ابني دعوة والله ما آمنها عليه، فاجمعوا متاعكم إلى هذه الصومعة وافرشوا لابني عليها ثم افرشوا حولها، ففعلنا، فجاء الأسد فشمَّ وجوهنا فلما لم يجد ما يريد تقبض فوثب وثبة، فإذا هو فوق المتاع فشمَّ وجهه ثم هزمه هزمة ففسخ رأسه!! فقال أبو لهب: قد عرفت أنه لا يتفلت عن دعوة محمد!! (تفسير ابن كثير) .
وذكر الكتانيّ في ذيل مولد العلماء (1-139) أنّه ظهر في زمن الحاكم رجلٌ سمّى نفسه هادي المستجيبين، وكانوا يدعون إلى عبادة الحاكمِ، وحُكيَ عنه أنّه سبّ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وبصق على المصحفِ، فلما ورد مكةَ شكاهُ أهلها إلى أميرها، فدافع عنه، واعتذر بتوبتِهِ، فقالوا: مثل هذا لا توبة له! فأبى، فاجتمع الناس عند الكعبةِ وضجّوا إلى الله، فأرسل الله ريحاً سوداء حتى أظلمت الدنيا، ثم تجلت الظلمةُ وصار على الكعبة فوق أستارها كهيئة الترس الأبيض له نور كنور الشمسِ، فلم يزل كذلك ترى ليلاً ونهاراً، فلما رأى أميرُ مكةَ ذلك أمر ب"هادي المستجيبينَ" فضربَ عنقَهُ وصلبَهُ.
وذكر القاضي عياض في الشفا (2-218) قصةً عجيبةً لساخرٍ بالنبي صلى الله عليه وسلم! وذلك أن فقهاءَ القيروانِ وأصحابَ سُحنُون أفتوا بقتلِ إبراهيم الفزاري، وكان شاعراً متفنناً في كثير من العلومِ، وكان يستهزئ باللهِ وأنبيائهِ ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فأمر القاضي يحيى بن عمرَ بقتله وصلبه، فطُعن بالسكينِ وصُلب مُنكساً، وحكى بعضُ المؤرخين أنه لما رُفعت خشبته، وزالت عنها الأيدي استدارت وحوَّلته عن القبلةِ فكان آيةً للجميعِ، وكبر الناسُ، وجاءَ كلبٌ فولغ في دمهِ!!
وحكى الشيخ العلامةُ أحمد شاكر أنّ خطيباً فصيحاً مفوهاً أرادَ أن يثنيَ على أحد كبار المسؤولين لأنه احتفى بطه حسين فلم يجد إلا التعريضَ برسول الله صلى الله عليه وسلم.. فقال في خطبتِهِ: جاءه الأعمى فما عبس وما تولى!! قال الشيخ أحمدُ: ولكن الله لم يدعْ لهذا المجرم جرمه في الدنيا، قبل أن يجزيه جزاءه في الأخرى، فأقسمُ بالله لقد رأيته بعيني رأسي بعد بضع سنين، وبعد أن كان عالياً منتفخاً، مستعزّاً بمَن لاذ بهم من العظماء والكبراء رأيته مهيناً ذليلاً، خادماً على باب مسجد من مساجد القاهرة، يتلقى نعال المصلين يحفظها في ذلة وصغار!!
وذكروا أن رجلاً ذهب لنيل الشهادة العليا من جامعة غربيةٍ، وكانت رسالتُهُ متعلقةً بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، وكان مشرفُهُ شانئاً حانقاً، فأبى أن يمنحه الدرجةَ حتى يضمّن رسالتَه انتقاصاً للمصطفى صلى الله عليه وسلم، فضعفت نفسه، وآثر الأولى على الآخرة. فلما حاز شهادته ورجع إلى دياره فوجئ بهلاك جميع أولاده وأهله في حادث مفاجئ.
لا إله إلا الله..
صدق الله.. إنا كفيناك المستهزئين 95 .
وليُعلمْ أن كفايةَ الله لنبيه ممن استهزأ به أو آذاهُ ليستْ مقصورةً على إهلاكِ هذا المعتدي بقارعةٍ أو نازلةٍ.
بل صورُ هذه الكفايةِ والحمايةِ متنوعةٌ متعددةٌ..
فقد يكفيهِ الله عز وجلَّ بأن يسلطَ على هذا المستهزئِ المعتدي رجلاً من المؤمنين يثأرُ لنبيّهِ صلى الله عليه وسلم، كما حصل في قصةِ كعبِ بن الأشرفِ اليهوديّ الذي كان يهجو النبيّ صلى الله عليه وسلم، واليهوديةِ التي كانت تشتمُ النبيّ صلى الله عليه وسلم فخنقها رجلٌ حتى ماتت (أبو داود)، وأمّ الولدِ التي قتلها سيدها الأعمى لما شتمتِ النبيّ صلى الله عليه وسلم (أبو داود)، وأبي جهلٍ إذ قتله معاذٌ ومعوّذٌ لأنه كان يسبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، والخُطْميةِ التي هجت النبي صلى الله عليه وسلم فانتدب لها رجلٌ من قومها (الصارم المسلول 95)، وأبي عَفَكٍ اليهوديّ الذي هجا النبيّ صلى الله عليه وسلم فاقتصّه سالمُ ابن عميرٍ (الصارم المسلول 102)، وأنسِ بن زُنَيم الذي هجا النبيّ صلى الله عليه وسلم فشجّه غلامٌ من خزاعة (الصارم المسلول 103)، وسلامِ ابن أبي الحُقَيق إذ ثأر للنبيّ صلى الله عليه وسلم منه عبد الله بن عتيكٍ وصحبه (الصارم المسلول 135).
ولعل أغربَ وأعجبَ وأطرفَ ما وقفتُ عليه في هذا البابِ ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في مؤلفه المشهور (الصارم المسلول على شاتم الرسول) (ص: 134)، قال رحمه الله: وقد ذكروا أن الجنّ الذين آمنوا به، كانت تقصد من سبّه من الجنّ الكفار فتقتله، فيقرها على ذلك، ويشكر لها ذلك!
ونقل عن أصحاب المغازي أن هاتفاً هتف على جبل أبي قبيسٍ بشعرٍ فيه تعريضٌ بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، فما مرتْ ثلاثة أيامٍ حتى هتف هاتف على الجبل يقولُ:
نحن قتلنا في ثلاثٍ مِسعرا
إذ سفّه الحقّ وسنَّ المنكرا
قنّعتُهُ سيفاً حساماً مبترا
بشتمه نبيّنا المطهّرا
ومسعرٌ كما في الخبر اسمُ الجنيّ الذي هجا النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ومن صور كلاءة الله لنبيه ممن تعرض له بالأذى أن يحولَ بين المعتدي وبين ما أرادَ بخوفٍ يقذفُهُ في قلبِهِ، أو ملكٍ يمنعُهُ مما أراد.. وقد رُوِيَ أن غورثَ بن الحرثِ قال لأقتلنَّ محمداً، فقال له أصحابه: كيف تقتله؟ قال: أقول له أعطني سيفك، فاذا أعطانيه قتلته به. فأتاه فقال: يامحمد أعطني سيفك أشمّه، فأعطاه إياه فرُعِدَت يدُهُ، فسقط السيفُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حال الله بينك وبين ما تريد" (الدر المنثور 3-119) .
ومثلُ ذلك ما ذكره ابن كثيرٍ في تفسيره (4-530) من أن أبا جهل قال لقومه: واللات والعزى لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على رقبته ولأعفرنّ وجهه في الترابِ، فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأ على رقبته، فما فجأهم منه إلا وهو ينكصُ على عقبيه ويتقي بيديه! فقيل: مالك؟ فقال: إن بيني وبينه خندقاً من نارٍ وهولاً وأجنحةً! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً".
وعن ابن عباس رضي الله عنه أنّ رجالاً من قريش اجتمعوا في الحجر، ثم تعاقدوا باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ونائلةَ وإِسافَ أن لو قد رأوا محمدا لقد قمنا إليه مقام رجل واحدٍ فقتلناه قبل أن نفارقه، فأقبلت ابنته فاطمة تبكي حتى دخلت على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالت: هؤلاء الملأ من قومك لقد تعاهدوا لو قد رأوك قاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل واحدٌ إلا قد عرف نصيبه من دمك. فقال: "يا بنية اتيني بوضوء"، فتوضأ، ثم دخل عليهم المسجد، فلما رأوه قالوا: هاهو ذا، وخفضوا أبصارهم، وسقطت أذقانهم في صدورهم، فلم يرفعوا إليه بصراً، ولم يقم منهم إليه رجل، فأقبل النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى قام على رؤوسهم، وأخذ قبضة من التراب ثم قال: "شاهت الوجوه"، ثم حصبهم بها فما أصاب رجلاً منهم من ذلك الحصا حصاةٌ إلا قتل يوم بدر كافراً. (دلائل النبوة 1-65).
لا إله إلا الله..
صدق الله.. إنا كفيناك المستهزئين 95 .
ومن صورِ حمايةِ الله لنبيه، وكفايتِهِ إياه استهزاءَ المستهزئين أن يصرفَ الشتيمةَ والذّمّ والاستهزاءَ إلى غيره.. فإذا بالشاتمِ يريدُ أن يشتمَهُ فيشتمَ غيره من حيث لا يشعر!!
قال صلى الله عليه وسلم: "ألا ترون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، يشتمون مذمّماً، ويلعنون مذمّماً، وأنا محمدٌ"! (البخاري)، قال ابن حجر (الفتح 6-558): كان الكفار من قريشٍ من شدة كراهتهم في النبي صلى الله عليه وسلم لا يسمونه باسمه الدال على المدح، فيعدلون إلى ضده فيقولون: مذمّم، وإذا ذكروه بسوء قالوا: فعل الله بمذمم. ومذمم ليس اسمه، ولا يعرف به، فكان الذي يقع منهم مصروفاً إلى غيره!
لا إله إلا الله..
وصدق الله.. إنا كفيناك المستهزئين 95 .
ومن صور هذه الحماية الربانيةِ أنْ يغيّر الله السنن الكونيةَ صيانةً لنبيّه صلى الله عليه وسلم ورعايةً له.
وشاهدُ ذلك قصةُ الشاةِ المسمومةِ، فإنّ زينب بنت الحارثِ جاءت للنبي صلى الله عليه وسلم بشاةٍ مشويةٍ دست فيها سماً كثيراً، فلما لاك النبيّ صلى الله عليه وسلم منها مضغةً لم يسغها، وقال: "إن هذا العظمَ يخبرني أنّه مسمومٌ"! ثم دعا باليهودية فاعترفت.
فانظر كيف خرم الله السنن الكونية من جهتين:
أولاهما: أنّه لم يتأثّر صلى الله عليه وسلم بالسمّ الذي لاكه.
وثانيتهما: أن الله أنطقَ العظمَ فأخبره عليه الصلاة والسلام بما فيه.
ومن صور الكفاية الربانية لنبي الهدى صلى الله عليه وسلم ممن آذاه أن يقذف الله في قلب هذا المؤذي المعتدي الإسلام، فيؤوبَ ويتوبَ، حتى يكونَ الرسول صلى الله عليه وسلم أحبّ إليه من ماله وولده ووالده والناس أجمعين!!
ومن أعجبِ الأمثلةِ في ذلك قصة أبي سفيان بن الحارثِ أخي النبيّ صلى الله عليه وسلم من الرضاع، وكان يألف النبيّ صلى الله عليه وسلم أيام الصبا وكان له تِرْباً، فلما بُعث النبيّ صلى الله عليه وسلم عاداه أبوسفيان عداوةً لم يعادها أحداً قطّ، وهجا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهجا أصحابَهُ.. ثم شاء الله أن يكفيَ رسولَه صلى الله عليه وسلم لسان أبي سفيان وهجاءه، لا بإهلاكه وإنما بهدايتِهِ!! قال أبو سفيان عن نفسِهِ: ثم إن الله ألقى في قلبي الإسلام، فسرت وزوجي وولدي حتى نزلنا بالأبواء، فتنكرتُ وخرجتُ حتى صرت تلقاء وجه النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلما ملأ عينيه مني أعرض عنّي بوجهه إلى الناحية الأخرى، فتحولت إلى ناحية وجهه الأخرى.
قالوا: فما زال أبو سفيانَ يتبعُهُ، لا ينزلُ منزلاً إلا وهو على بابه ومعه ابني جعفر وهو لا يكلمه، حتى قال أبو سفيان: والله ليأذنن لي رسول الله أو لآخذن بيد ابني هذا حتى نموت عطشاً أو جوعاً، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رقّ لهما فدخلا عليه. (انظر سيرة ابن هشام 4-41) . فسبحان من حوّل العداوة الماحقةَ إلى حبّ وتذلل، وملازمة للباب طلباً للرضا!!
لا إله إلا الله..
وصدق الله.. إنا كفيناك المستهزئين 95 .
---------------
أساليب محاربة الدعوة إلى الله
الحرب على الإسلام بدأت منذ بدأ النبي صلى الله عليه وسلم دعوته، وهي حرب تتجدد كلما تجددت أسبابها، بمعنى أنه كلما نشطت الدعوة الإسلامية في مجتمع من المجتمعات، ولم تكن السيادة والقيادة للإسلام فيه؛ اشتعلت الحرب على الإسلام كدين، وعلى المسلمين كأتباع.
لقد عقد الدكتور "مهدي رزق الله" الأستاذ المشارك بكلية التربية جامعة الملك سعود، من خلال كتابه القيم "السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية دراسة تحليلية" مبحثاً خاصاً بعنوان: أساليب المشركين في محاربة الدعوة الإسلامية، أعرضه هنا لهدفين:
الهدف الأول: أن ما يلاقيه الدعاة وأنصار الإسلام ليس علامة فشل أو خيبة.
الهدف الثاني: اشتداد وطأة العنت والاضطهاد على الدعاة وأنصار الإسلام في جميع البلدان الآن، وبشكل نسبي، قد يهدأ هنا ويشتعل هناك، وقد يأخذ هنا شكل حرب معلنة، وقد يأخذ شكل التفاف ومحاصرة، وقد يأخذ هنالك أشكالاً لا تخفى على أحد.
الجميع في النهاية متفقون على محاربة الإسلام ومحاصرة الدعوة والتربص بأتباعها.
عرض الدكتور مهدي رزق الله في المبحث الثالث والعشرين خمسة عشر أسلوباً لمحاربة الدعوة الإسلامية الأولى في مكة، حيث بدأ النبي ص دعوته، أُجملها ثم أتناولها بشيء من التفصيل:
1 محاولة التأثير على عمه ص.
2 التهديد بمنازلة الرسول ص وعمه.
3 الاتهامات الباطلة لصد الناس عنه.
4 السخرية والاستهزاء والضحك والغمز واللمز والتعالي على المؤمنين.
5 التشويش.
6 طلبهم أن تكون للرسول ص معجزات أو مزايا ليست عند البشر العاديين.
7 المساومات.
8 سب القرآن ومنزله ومن جاء به.
9 الاتصال باليهود للإتيان منهم بأسئلة تعجيزية للرسول ص.
10 الترغيب.
11 الترهيب.
12 الاعتداء الجسدي.
13 ملاحقة المسلمين خارج مكة والتحريض عليهم.
14 المقاطعة العامة.
15 محاولة قتل النبي ص ثم شن الحرب عليه.
لعل القارئ بعد مطالعته لعناوين الأساليب قد بدأ يدرك أن الحرب الحديثة على الدعوة والدعاة والأتباع ما هي إلا حلقات متصلة بتلك الحلقة الأولى.
ومن العناوين إلى شيء من التفصيل:
الأسلوبان الأول والثاني: محاولة التأثير على النبي ص وعمه والتهديد بمنازلتهما:
أسلوب شائع خاصة في بلاد العرب، وقد نشط مستخدموه في الآونة الأخيرة لمحاصرة الصحوة الإسلامية، والحيلولة دون ممارسة الشباب المسلم للفاعليات الإسلامية من ارتياد المساجد، والمشاركة في النشاطات الاجتماعية والسياسية.
فتجد اتصال الجهات المعادية للإسلام بالأب أو العم والخال أو الجد وغيرهم من الأقارب للتأثير على الشباب الراغب في العمل الإسلامي لصرفه عن ذلك، وتهديد هؤلاء الأقارب والتلويح لهم بالويل والثبور وعظائم الأمور.
وقد حدثت اتصالات ومساومات وتهديدات لأبي طالب من قريش، ثم حدث أبو طالب ابن أخيه النبي ص، وبعد المحاورة قال أبو طالب له: "اذهب يابن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبداً".
وحدث مرة أن أرسل أبو طالب إلى النبي ص ابنه "عقيل" فلما حضر قال له عمه: "إن بني عمك هؤلاء قد زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانته عن أذاهم، فحلق رسول الله ببصره إلى السماء فقال: أترون هذه الشمس؟ قالوا: نعم، قال: "فما أنا بأقدر على أن أدع ذلك منكم، على أن تستشعلوا منها شعلة"، فقال أبو طالب: والله ما كذَبنا ابن أخي فارجعوا. (رواه أبو يعلى، والطبراني في الأوسط والكبير، والذهبي والبيهقي والبخاري في التاريخ وابن إسحاق بإسناد حسن).
وعلينا أن نستفيد من هذا النوع من التحريش والتضييق بواسطة الأقارب، فنقدِّر مثل هذه الضغوط من الأقارب ولا نحتد عليهم، ولا نفاصلهم مفاصلة الكفار المحاربين، فنكسبهم إلى صفنا مؤيدين أو محايدين، وفي جميع الأحوال نتفاعل معهم، مقتدين برسول الله ص مع عمه أبي طالب.
وفي النهاية خسر المشركون باستخدام هذين الأسلوبين، وربحت الحكمة النبوية.
الأسلوب الثالث: الاتهامات الباطلة لصد الناس عنه:
يبحث الباطل عن اتهامات شديدة الوقع على نفوس الناس، لكنه أي الباطل يقع في شر أعماله حين ينسب للحق الأضداد التي لا تتفق معه! فمن الاتهامات التي روجها المشركون عن النبي ص :
أ الجنون: وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون (6) (الحجر).
إنها فكرة طائشة يبتكرها الباطل في نوبة هذيان الخوف من الحق القادم. وتنطلق التهمة في مجتمعات الناس، ولكن سرعان ما يفندونها، لأن صاحب الدعوة لا يهيم على وجهه كالمجانين، وليس متبذلاً في هيئته كالمجانين! وسرعان ما نفي المشركون عن النبي ص صفة الجنون، لذا يتحول الإعلام الجاهلي إلى تهمة أخرى!
ب السحر: وقال الكافرون هذا ساحر كذاب (4) (ص)، أو بأنه مسحور: وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا (8) (الفرقان:8).
ولكن الساحر له أفعال معروفة، وتنتشر في مجلسه التمائم والتعاويذ والأبخرة والأدخنة المتصاعدة من جمر النار، أما المسحور فتحدث له أحوال مرضية، رأوا أنها لا تحدث للنبي ص فتناقش المشركون في ذلك، ثم أملى عليهم الشيطان ما يقنعون به أنفسهم وغيرهم فتعللوا لسحره بأنه يفرق بين الأقارب بنوع من التمويه في الكلام، وفي إيراد المعاني.!
ج الكذب: وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون (الفرقان:4).إنها تهمة قصيرة العمر جداً، لأنهم هم الذين نعتوه بالصادق الأمين، ولا تزال أماناتهم عنده!
د التآمر مع قوى خارجية: وأعانه عليه قوم آخرون (الفرقان:4). إنها التهمة العصرية الرائجة في أسواق الشراذم ضد الإسلاميين، وليست جديدة، إنها بالية، وقد سقطت بنفسها قديماً وحديثاً.
ه رواية الأساطير: وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى" عليه بكرة وأصيلا (5) (الفرقان:).
الأسطورة: الأكذوبة، وتطلق الأساطير على الخرافات والأحداث المفتعلة، والحكايات الغريبة، والفعل المبني للمجهول "تُملى" يشير إلى القوى الخارجية المزعومة في فهمهم، أو ضمن دعواهم!
و القول إن القرآن ليس من عند الله: كان في مكة حداد نصراني، وكان يردد على مسامع المشركين شيئاً من الإنجيل، فقفزت إلى أوهامهم فكرة الربط بين صاحب الرسالة والحداد النصراني! قال تعالى:
ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين 103 (النحل).
وفي عصرنا يحلو لأعداء الشريعة من بني جلدتنا أن يزعموا مثل هذا الزعم أو قريباً منه، فيقولون بالفصل بين القرآن والفقه المستنبط منه، أو الفصل بين القرآن والسنة، والتشكيك في السنة، ويهدفون من وراء ذلك إلى تدمير الإسلام والطعن في الدعاة.
لقد اقتحمت الأنظمة المعادية للإسلام حديثاً حقل الألغام القديم، فلم تخرج منه إلا بمثل ما خرج به المشركون القدماء، ولا يزال المسلسل جارياً!
الأسلوب الرابع: السخرية والاستهزاء والضحك والغمز واللمز والتعالي على المؤمنين: 1قالت امرأة من المشركين للنبي ص إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثاً. إنها تسخر منه، وتستهزئ به، فأنزل الله تعالى: والضحى" (1) والليل إذا سجى" (2) ما ودعك ربك وما قلى" (3) (الضحى). رواه البخاري، وقد وردت أسباب أخرى لنزول هذه الآيات.
وكان أبوجهل يقول مستهزئاً: اللهم إن كان هذا من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فأورد الله كلامه ثم أنزل: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون 33 وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام (الأنفال).
ولا يخفى على المتابعين للإعلام الحكومي المحارب للإسلام هنا أو هناك ما يطفح به من الغمز واللمز والسخرية والاستهزاء بالدعوة والدعاة. لقد استهزأ الشيوعيون بالإسلام والمسلمين أيما استهزاء، فسقطت امبراطوريتهم وتهشمت، ولم تعمر سوى سبعين عاماً! والعلمانية في الطريق، وصدق الرب العزيز: ولقد \ستهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون 10 .(الأنعام).
والحركة الإسلامية تمضي في طريقها، لا عليها من هؤلاء المستهزئين الذين خاطب الله نبيه بشأنهم بقوله: إنا كفيناك المستهزئين 95 (الحجر).
ولقد أوردت كتب السيرة جانباً من أخبار ونهايات هؤلاء المستهزئين، أسجل هنا بعضاً مما أورده الدكتور مهدي رزق الله للاعتبار:
الأسود بن عبد المطلب بن أسد: رمى جبريل عليه السلام في وجهه ورقة خضراء فعمي.
مر بالنبي ص الأسود بن عبد يغوث، فأشار إلى بطنه فاستسقى فمات.
ومر به الوليد بن المغيرة، فأشار إلى جرح بأسفل كعب رجله فقتله!
ومر به العاص بن وائل فخرج على حمار له يريد الطائف، فربض به حماره على نبات، فدخلت في أخمص رجله شوكة فقتلته!
ومر به الحارث بن الطلاطلة فأشار ص إلى رأسه فتحرك القيح فيه فقتله!
وفي عصرنا شهد "الإخوان المسلمون" على حمزة البسيوني جلادهم وهو يقول: لو نزل ربكم لوضعته في زنزانة تعالى الله عما يقول الظالمون ثم شهد الناس كيف كان مصرع حمزة البسيوني في سيارته، حيث اخترقت أسياخ الحديد زجاج سيارته ومزقته.
وهذا منصر حضر اجتماعاً تنصيرياً في نيجيريا، وبعد أن استهزأ بالإسلام انصرف ليسقط من فوق أحد الجسور بسيارته ويموت شر ميتة.
وفي قاعدة عسكرية تركية قام أحد الضباط بتمزيق المصحف ورميه تحت أقدام راقصة، فحدث زلزال دمر القاعدة، وقد أوردت الصحف هذا النبأ.
وقال أحد الحكام عن أحد العلماء في سجنه إنه "مرمي في السجن مثل الكلب"، وبعد أيام قليلة لقي مصرعه مثلما يُصرع الكلب المسعور.
الأسلوب الخامس: التشويش
يقول الدكتور مهدي رزق الله:
"كان المشركون يتواصون بينهم بافتعال ضجة عالية، وصياح منكر عندما يُقرأ القرآن، حتى لا يُسمع فيُفهم فيترك أثراً في عقل نقي وقلب طيب".
وفي عصرنا يوجد نشاط اسمه فن إفساد الاجتماعات، والتشويش أهم عمل تمارسه مجموعة الإفساد. قال تعالى: وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون 26 (فصلت).
وفي التنظيمات السياسية الشيوعية وتفريعاتها، والعلمانية وتنظيراتها والقومية وشعاراتها تتعلم "الكوادر" الحزبية فنون التشويش على الغير، حتى لا يبقى في الساحة سوى تلك التنظيمات الفاسدة، ولكن دارت الأيام، وحاق بالمفسدين ما كانوا يعملون، وانقلب التشويش على المشوشين، وتهاووا كالذباب المتساقط.
=============
وقوله {إن شانئك }
هجوم أدبي كاسح ، وتهديد رباني ماحق ساحق لأعداء محمد صلى الله عيه وسلم وخصومه ومبغضيه ، وهذا ذب عن شخصية الكريم ، ودفاع عن مقامه العظيم ، فإذا كان المدافع والحامي والناصر هو الله فيا لقرة عينه صلى الله عليه وسلم بهذا النصر والدفاع والولاية ، وشانئه صلى الله عليه وسلم لا يكون إلا كافراً مارداً حقيراً خسيساً ، لأنه ما أبغضه إلا بعد ما أصابه الله بخذلان ، وكتب عليه الخسران ، وأراد له الهوان ، وإلا فإنسانٌ مثل الرسول صلى الله عليه وسلم يوجب النقل والعقل حبه ، إذ لو كان الطهر جسداً كان جسده صلى الله عليه وسلم ، ولو كان النبل والسمو صورة لكان صورته بأبي هو وأمي ، فهو منتهى الفضيلة ، وغاية الخصال الجميلة ، والمستحق للوسيلة ، وصاحب الدرجة العالية الرفيعة الجليلة ، فكان الواجب على من عنده ذرة رأي ، وبصيص من نور ، إذا كان يحترم عقله أن يحب هذا الإمام العظيم لما جمع الله فيه من الفضائل ، ولما حازه من مناقب ، ولكن واحسرتاه على تلك العقول العفنة ، والنفوس المندثرة بجلباب الخزي ، القابعة في سراديب البغي ، الراتعة في مراتع الرذيلة ، كيف عادته مع كماله البشري ، ومقامه السامي فكأنه المقصود بقول الشاعر:
أعادي على ما يوجب الحب للفتى وأهدأ والأفكار في تجول
وقول الآخر :
إذا محاسني اللاتي أدل بها كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر
وقوله :{هو الأبتر } أي مقطوع البركة والنفع والأثر ، فكل من عاداك لا خير فيه ولا منفعة من وراءه ، أما أنت فأنت المبارك أينما كنت ، اليمن معك ، السعادة موكبك ، الرضا راحتك ، البركة تحفك ، السكينة تغشاك ، الرحمة تتنزل عليك ، الهدى حيثما كنت ، النور يممت ، وأعداؤه صلى الله عليه وسلم قالوا أنه أبتر لا نسل له ولا ولد ، فجاء الجواب مرغماً لتلك الأنوف ، دافعاً لتلك الرؤوس ، محبطاً لتلك النفوس ، فكأنه يقول لهم : كيف يكون أبتر وقد أصلح الله على يديه الأمم ، وهدى بنوره الشعوب ، وأخرج برسالته الناس من الظلمات إلى النور ؟ كيف يكون أبتر والعالم أشرق على أنواره ، والكون استيقظ على دعوته ، والدنيا استبشرت بقدومه ؟ كيف يكون أبتر والمساجد تردد بالوحي الذي جاء به ، والحديث الذي تكلم به ، والمآذن تعلن مبادئه ، والمنابر تذيع تعاليمه ، والجامعات تدرس وثيقته الربانية ؟ كيف يكون أبتر والخلفاء الراشسدون نهلوا من علمه والشهداء اقتبسوا من شجاعته والعلماء شربوا من معين نبوته ، والأولياء استضاؤا بنور ولايته ؟ كيف يكون أبتر وقد طبق ميراثه المعمور ة ، وهزت دعوته الأرض ، ودخلت كلمته كل بيت ، فذكره مرفوع ، وفضله غير مدفوع ، ووزره موضوع . كيف يكون أبتر وكلما قرأ قارئ كتاب الله فلمحمد صلى الله عليه وسلم مثل أجره ، لأنه هو الذي دل على الخير ، وكلما صلى مصلي فله مثل أجر صلاته ، لأنه هو الذي علمنا الصلاة "صلوا كما رأيتموني أصلي " وكلما حج حاج فله صلى الله عليه وسلم مثل حجته لأنه عرفنا تلك المناسك " خذوا عني مناسككم " .
بل الأبتر الذي عاداه وحاربه وهجر سنته وأعرض عن هداه . فهذا الذي قطع الله من الأرض بركته ، وعطل نفعه وأطفأ نوره ، وطبع على قلبه وشتت شمله ، وهتك ستره ، فكلامه لغو من القول وزور من الحديث ، وعلمه رجس مردود عليه ، وأثره فاسد وسعيه في تباب .
وانظر لكل من ناصب هذا الرسول الأكرم العداء ، أو أعرض عن شرعه أو شيء مما بعث به كيف يصيبه من الخذلان والمقت والسخط والهوان بقدر إعراضه ومحاربته وعدائه . فالملحد مقلوب الإرادة مطموس البصيرة مخذول تائه منبوذ ، والمبتدع زائغ ضال منحرف ، والفاسق مظلم القلب في حجب المعصية ، وفي أقبية الانحراف .
ولك أن ترى سموه صلىالله عليه وسلم وعلو قدره ، ومن تبعه يوم ترى الناس وحملة حديثه وآثاره ، وهم في مجد خالد من الأثر الطيب ، والذكر الحسن ، والثناء العاطر من حسن المصير ، وجميل المنقلب ، وطيب الإقامة في مقعد صدق عند مليك مقتدر . ثم انظر للفلاسفة المعرضين عن السنة مع ما هم في من الشبه والقلق والحيرة والاضطراب والندم والأسف على تصرم العمر في الضياع وذهاب الزمن في اللغو وشتات القلب في أودية الأوهام .
فهذا الإمام المعصوم صلى الله عليه وسلم معه النجاة وسنته سفينة نوح من ركب فيها نجا ، ومن تخلف عنها هلك ، وهوالذي يدور معه الحق حيثما دار وكلامه حجة على كل متكلم من البشر من بعده ، وليس لأحد من الناس حجة على كلامه ، وكلنا راد ومردود عليه إلا هو صلى الله عليه وسلم ، لأنه لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، زكى الله سمعه وبصره وقلبه ، ونفى عنه الضلال وحصنه من الغي ، وسلمه من الهوى ، وحماه الزيغ ، وصانه من الانحراف ، وعصمه من الفتنة ، فكل قلب لم يبصر نوره فهو قلب مغضوب عليه ، وكل قلب لم تشرق عليها شمسه فهي أرض مشؤومة ، فهوالمعصوم من الخطأ المبرأ من العيب ، السليم من الحيف ، النقي من الدنس ، المنزه عن موارد التهم على قوله توزن الأقوال ، وعلى فعله تقاس الأفعال ، وعلى حاله تعرض الأحوال .
وقد قصد الكفار بقولهم : أنه أبتر عليه الصلاة والسلام أنه لا ولد له فإذا مات انقطع عقبه الأبتر عند العرب هو من لا نسل له ولا عقب ، فرد الله عليهم وأخبر أن من عاداه هو الأبتر حقيقة .
وفي هذه السورة ثلاث آيات ؛ فالأولى عن الله عز وجل وعطاؤه لرسوله صلى الله عليه وسلم ، والثانية للرسول صلى الله عليه وسلم والواجب عليه في مقابلة هذا العطاء وهي الصلاة والنحر ، والثالثة لأعدائه صلى الله عليه وسلم وهو البتر والقطع من الخير والبركة والنفع . فالأولى عطية له ، والثانية واجب عليه ، والثالثة دفاع عنه . وفي السورة تكريم الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وإثبات الكوثر له كما صحت به الأحاديث أيضاً والدفاع عنه وجواز سب الكافر وشتمه وزجره ليرتدع .
=============
نحري دون نحرك يا رسول الله
إبراهيم بن صالح الدحيم
نشرت صحيفة ( جلاندز بوستن ) الدنمركية يوم الثلاثاء 26/8/1426هـ (12) رسماً كاريكاتيرياً ساخر .. بمن يا ترى ؟! هل كان ذلك بمسؤول كبير .. بجنرال .. برئيس دولة ... بل كان ذلك بأعظم رجل وطأت قدماه الثرى , بإمام النبيين وقائد الغر المحجلين صلى الله عليه وسلم . صور آثمةٌ وقحةٌ وقاحة الكفر وأهلة , أظهروا النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى هذه الرسومات عليه عمامة تشبه قنبلة ملفوفة حول رأسه !! وكأنهم يريدون أن يقولوا إنه - مجرم حرب - ( ألا ساء ما يزرون )
ثم في هذه الأيام وفي يوم عيد الأضحى بالتحديد - إمعاناً في العداء - تأتي جريدة ( ما جزينت ) النرويجية لتنكأ الجراج وتشن الغارة من جديد , فتعيد نشر الرسوم ألوقحة التي نُشرت في المجلة الدنمركية قبل! ( أتواصوا به بل هم قوم طاغون )[ الذاريات53]
بالله ماذا يبقى في الحياة من لذة يوم ينال من مقام محمد صلى الله عليه وسلم ثم لا ينتصر له ولا يذاد عن حياضه . ماذا نقول تجاه هذا العداء السافر , والتهكم المكشوف .. هل نغمض أعيننا , ونصم آذاننا , ونطبق أفواهنا .. لا وربي .. لا يكون ذلك ما دام في القلب عرق ينبض . والذي كرم محمداً وأعلى مكانته لبطن الأرض أحب إلينا من ظاهرها إن عجزنا أن ننطق بالحق وندافع عن رسول الحق . ألا جفت أقلام وشُلت سواعد امتنعت عن تسطير أحرفٍ تذود بها عن حوضه صلى الله عليه وسلم وتدافع عن حرمته .
فإن أبي ووالده وعرضي *** لعرض محمد منكم فداء
ونحن إذ ندافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحمي بذلك ديننا وعقيدتنا , ونؤكد شيئاً من حبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ..
إن مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم رفيع برفعة الله له , لن ينال الشانئ منه شيئاً ( ورفعنا لك ذكرك )[ الشرح 4] قال مجاهد: لا أذكر إلا ذكرت معي , أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله . نعم لقد رفع الله ذكر نبينا صلى الله عليه وسلم رغم أنوف الحاقدين والجاحدين , فهاهم المسلمون يصوتون باسمه على مآذنهم في كل مكان .
والله تعالى قد تولى الدفاع عن نبيه صلى الله عليه وسلم ( إن الله يدافع عن الذين آمنوا ), وأعلن عصمته له من الناس ( والله يعصمك من الناس ) وأخبر أنه سيكفيه المستهزئين ( إنا كفيناك المستهزئين ) سواء كانوا من قريش أو من غيرهم .
قال الشنقيطي رحمه الله: وذكر - الله - في مواضع أخرى أنه كفاه غيرهم كقوله في أهل الكتاب ( فسيكفيكهم الله ..) وقال ( أليس الله بكافٍ عبده ) . وقال ابن سعدي رحمه الله: " وقد فعل تعالى , فما تظاهر أحد بالاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به إلا أهلكه الله وقتله شر قتلة .أهـ أخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي وأبو نعيم كلاهما في الدلائل وابن مردويه بسند حسن والضياء في المختارة , عن ابن عباس في قوله ( إنا كفيناك المستهزئين ) قال: المستهزئون , الوليد بن المغيرة والأسود بن عبد يغوث والأسود بن المطلب والحارث بن عبطل السهمي والعاص بن وائل , فأتاه جبريل فشكاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرني إياهم , فأراه كل واحد منهم , وجبريل يشير إلى كل واحد منهم في موضع من جسده ويقول : كَفَيْتُكَهُ , والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : ما صنعت شيئا ! . فأما الوليد , فمر برجل من خزاعة وهو يريش نبلاً فأصاب أكحله فقطعها . وأما الأسود بن المطلب , فنزل تحت سمرة فجعل يقول: يابنيّ , ألا تدفعون عني؟ قد هلكت وطُعنت بالشوك في عينيّ فجعلوا يقولون: ما نرى شيئاً فلم يزل كذلك حتى عتمت عيناه . وأما الأسود بن عبد يغوث , فخرج في رأسه قروح فمات منها . وأما الحارث فأخذه الماء الأصفر في بطنه حتى خرج خرؤه من فيه فمات منه . وأما العاص فركب إلى الطائف فربض على شبرقة فدخل من أخمص قدمه شوكة فقتلته .( الدر المنثور 5/101)
لقد أعظمت قريش الفرية على رسول الله صلى الله عليه وسلم , فرمته بالسحر تارة وبالكذب تارة وبالجنون أخرى , والله يتولى صرف ذلك كله عنه لفظاً ومعنىً , ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ألا ترون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم , يشتمون مذمماً ويلعنون مذمماً , وأنا محمد " , وهكذا هذه الرسومات التي نشرت على هذه الصفحات السوداء , هي قطعاً لا تمثل شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هي صور أملاها عليهم خيالهم الفاسد واعتمدها الشيطان ورسمها لهم السامري ! . أما محمد صلى الله عليه وسلم فوجهه يشع بالضياء والنور والبسمة والسرور ,لم يستطع أصحابه رضي الله عنهم أن يملئوا أعينهم منه إجلالاً له - وقد عاصروه - فكيف بمن لم يجمعه به زمان ولم يربطه به خلق ولا إيمان ؟!
لقد جاء خبر الصدق من الملك الحق المبين ( إن شانئك هو الأبتر ) ليبقى كل شانئٍ للنبي صلى الله عليه وسلم وكل معارض لدينه هو الأبتر المقطوع المنبوذ . أين أبوجهل هل بقي ذكره أم التصق به وصف الجهل في حياته وبعد مماته ؟! وأين أبولهب لقد مات ومات ذكره فليس يعرف إلا بالهب ؟! و( سيصلى ناراً ذات لهب ) وأين ملوك الأكاسرة والقياصرة .. أين ماركس ولينين وهتلر وكمال أتاتورك ... لقد طمرتهم الأرض ونُسيت رسومهم , ولحقتهم اللعنات , وبائوا بثقل التبعات . لقد مزق كسرى كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسخر من رسوله,فدعاء عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يمزق الله ملكه,فمزق وقتل على يد أقرب الناس إليه- ابنه - ! وروى البخاري في صحيحه من حديث أنس قال : " كان رجل نصراني , فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران , وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم , فعاد نصرانياً , فكان يقول : لا يدري محمد إلا ما كتبت له , فأماته الله , فدفنوه , فأصبح وقد لفظته الأرض , فقالوا : هذا فِعْل محمدٍ وأصحابه , نبشوا عن صاحبنا فألقوه , فحفروا في الأرض ما استطاعوا , فأصبح قد لفظته , فعلموا أنه ليس من الناس , فألقوه " . علَّق شيخ الإسلام ابن تيمية على الحديث فقال: فهذا الملعون الذي قد افترى على النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يدري إلا ما كتب له , قصمه الله وفضحه بأن أخرجه من القبر بعد أن دفن مراراً , وهذا أمر خارج عن العادة ' يدل كل أحد على أن هذا كان عقوبة لما قاله , وأنه كان كاذباً ..الخ ويقول أيضا رحمه الله : " وإنَّ الله منتقمٌ لرسوله ممن طعن عليه وسَبَّه ، ومُظْهِرٌ لِدِينِهِ ولِكَذِبِ الكاذب إذا لم يمكن الناس أن يقيموا عليه الحد ، ونظير هذا ما حَدَّثَنَاه أعدادٌ من المسلمين العُدُول ، أهل الفقه والخبرة، عمَّا جربوه مراتٍ متعددةٍ في حَصْرِ الحصون والمدائن التي بالسواحل الشامية، لما حصر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا، قالوا: كنا نحن نَحْصُرُ الحِصْنَ أو المدينة الشهر أو أكثر من الشهر وهو ممتنعٌ علينا حتى نكاد نيأس منه، حتى إذا تعرض أهلُهُ لِسَبِّ رسولِ الله والوقيعةِ في عرضِه تَعَجَّلنا فتحه وتيَسَّر، ولم يكد يتأخر إلا يوماً أو يومين أو نحو ذلك،ثم يفتح المكان عنوة ، ويكون فيهم ملحمة عظيمة ، قالوا : حتى إن كنا لَنَتَبَاشَرُ بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه ، مع امتلاء القلوب غيظاً عليهم بما قالوا فيه . وهكذا حدثني بعض أصحابنا الثقات أن المسلمين من أهل الغرب - يعني المغرب - حالهم مع النصارى كذلك.أهـ ( الصارم المسلول ص 116-117)
وبالمقابل فقد علم بعض ملوك النصارى أن إكرام كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بقي فيه الملك ما شاء الله . ذكر السهيليُ أنه بلغه أن هرقل وضع الكتاب في قصبة من ذهب تعظيماً له ، وأنهم لم يزالوا يتوارثونه حتى كان عند ملك الفرنج الذي تغلب على طليطلة ، ثم كان عند سِبطه ، فحدثني بعضُ أصحابنا أن عبد الملك بن سعد أحد قواد المسلمين اجتمع بذلك الملك فأخرج له الكتاب ، فلما رآه استعبر ، وسأل أن يمكِّنه من تقبيله فامتنع .
ثم ذكر ابن حجر عن سيف الدين فليح المنصوري أن ملك الفرنج أطلعه على صندوق مُصفَّح بذهب ، فأخرج منه مقلمة ذهب ، فأخرج منها كتاباً قد زالت أكثر حروفه ، وقد التصقت عليه خِرقَة حرير ، فقال : هذا كتاب نبيكم إلى جدي قيصر ، ما زلنا نتوارثه إلى الآن ، وأوصانا آباؤُنا أنه ما دام هذا الكتاب عندنا لا يزال الملك فينا ، فنحن نحفظه غاية الحفظ ، ونعظمه ونكتمه عن النصارى ليدوم الملك فينا " أهـ .
إن فضائل النبي صلى الله عليه وسلم لا تكاد تحصى كثرةً فهو منّة الله على هذه الأمة ( لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً منهم ..) امتدحه ربه ورفع منزلته فهو أول من تنشق عنه الأرض ,وأول من يدخل الجنة , وله المقام المحمود الذي يحمده عليه الأولون والآخرون , والحوض المورود .. إلى غير ذلك من الفضائل والخصائص التي اختص بها عن غيره , وهي مدونة في كتب الدلائل والشمائل والخصائص والفضائل , لقد شهد بفضل نبين صلى الله عليه وسلم القاصي والداني والصديق والعدو , وأنَّا لأحد أن يكتم فضائله صلى الله عليه وسلم وهي كالقمر في ضيائها , وكالشمس في إشراقها , ولعي أورد شيئاًً مما نطق به عقلاء القوم في مكانة النبي صلى الله عليه وسلم وعلو منزلته وسطرته أيديهم راغبين غير راهبين , مختارين غير مكرهين - ونحن إذ نورد شيئاً من كلامهم لا نورده حاجةً منا إليهم لتزكية المقام المحمدي فقد زكاه ربه وطهره ونقَّاه , وإنما نورد ذلك من باب ( وشهد شاهد من أهلها ) , ونورده - تنزلاً - مع مفتونٍ لا يقرأ إلا بالعجمية ولا يفهم إلا لغة أهلها؟! نخاطبه بلغته التي أعجب بها وهام في حبها - ..
يقول البروفيسور ( راما كريشنا راو ) في كتابه " محمد النبيّ " : " لا يمكن معرفة شخصية محمد بكل جوانبها. ولكن كل ما في استطاعتي أن أقدمه هو نبذة عن حياته من صور متتابعة جميلة. فهناك محمد النبيّ، ومحمد المحارب، ومحمد رجل الأعمال، ومحمد رجل السياسة، ومحمد الخطيب، ومحمد المصلح، ومحمد ملاذ اليتامى، وحامي العبيد، ومحمد محرر النساء، ومحمد القاضي، كل هذه الأدوار الرائعة في كل دروب الحياة الإنسانية تؤهله لأن يكون بطلا ".
ويقول (مايكل هارت) في كتابه "مائة رجل في التاريخ" : إن اختياري محمداً، ليكون الأول في أهم وأعظم رجال التاريخ، قد يدهش القراء، ولكنه الرجل الوحيد في التاريخ كله الذي نجح أعلى نجاح على المستويين: الديني والدنيوي.
وأخيراً : ما هو دورنا ؟
إن على كل مؤمن يحب الله ورسول صلى الله عليه وسلم ويغار لدينه أن ينتصر لرسوله وأن يقدم كل ما في وسعه لرد هذه الهجمة الشرسة . على الدول الإسلامية أن تهب لنصرة نبيها وأن تستنكر ذلك أشد الاستنكار وأن ترفع عقيرتها بالاستنكار والتنديد والمطالبة الجادة وذلك في المؤتمرات والمحافل العامة رعاية لحق من أهم حقوقها. وعلى المؤسسات أن تقوم بدورها من خلال كتابة بينات تستنكر فيه هذا الفعل المشين وتطالب بمحاكمة هذه المجلات , رداً لاعتبار أكثر من مليار وأربعمئة مليون مسلم ! , ثم على المؤسسات والصحف والمجلات والمواقع الإسلامية أن تكتب رداً على هذه الافتراءات,وأن تسطر على صفحاتها- بقلم يسيل عطراً- شمائل النبي صلى الله عليه وسلم وأن تبين الدور العظيم الذي قام به صلى الله عليه وسلم لإنقاذ البشرية وأنه أُرسل( رحمة للعالمين ) وهداية للناس أجمعين .
لقد أحزنني كثير يوم دخلت على عدد من المواقع الإسلامية وكنت أتصور أن أجد فيها تفاعلاً يناسب ضخامة الحدث وعظم الهجمة , فرأيت أقل مما كنت أرجوه , بل إن قلت أن عدداً من المواقع لم تعرض للخبر أصلا ؟! وهذا أمر يحزن ويزيد من جرأة المعتدين ...
ولعي أختم الحديث بذكر قصيدة للشيخ جمال الدين الصرصري والذي قال عنه ابن كثير : الصرصري المادح , الماهر , ذو المحبة الصادقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم , يشبه في عصره بحسان بن ثابت رضي الله عنه . يقول:
محمد المبعوث للناس رحمةً *** يشيِّد ما أوهى الضلال ويصلح
لئن سبَّحت صُمُّ الجبال مجيبةً *** لداود أو لان الحديد المصفح
فإن الصخور الصمَّ لانت بكفه *** وإن الحصا في كفه ليُسَبِّح
وإن كان موسى أنبع الماء بالعصا *** فمن كفه قد أصبح الماء يَطفح
وإن كانت الريح الرُّخاءُ مطيعةً *** سليمان لا تألو تروح وتسرح
فإن الصبا كانت لنصر نبينا *** ورعبُ على شهر به الخصم يكلح
وإن أوتي الملكَ العظيم وسخِّرت *** له الجن تسعى في رضاه وتكدح
فإن مفاتيح الكنوز بأسرها *** أتته فرَدَّ الزاهد المترجِّح
وإن كان إبراهيم أُعطي خُلةً *** وموسى بتكليم على الطور يُمنح
فهذا حبيب بل خليل مكلَّم *** وخصِّص بالرؤيا وبالحق أشرح
وخصص بالحوض الرَّواء وباللِّوا *** ويشفع للعاصين والنار تَلْفح
وبالمقعد الأعلى المقرَّب ناله *** عطاءً لعينيه أَقرُّ وأفرح
وبالرتبة العليا الوسيلة دونها *** مراتب أرباب المواهب تَلمح
ولَهْوَ إلى الجنات أولُ داخلٍ *** له بابها قبل الخلائق يُفْتَح
هذا وأسأل الله أن يعلي دينه وينصر كتابه
والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وأله وصحبه أجمعين .
eedd@gawab.com
===================
إنا كفيناك المستهزئين
لقد تكفل الله بحفظ نبيه {، وحماية جنابه من أذى المشركين ومكرالمنافقين، وعصمه من كل شر وسوء، وحفظَ شريعته، قال تعالى: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين ( 67 ) {المائدة: 67} وقال : أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد 36 {الزمر: 36}. ومن آذى رسول الله { فقد لعنه الله في الدنيا والآخرة، وتوعده بالعذاب المهين، قال تعالى: إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا 57 {الأحزاب: 57}. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (ومن سنة الله أن من لم يتمكن المؤمنون أن يعذبوه من الذين يؤذون الله ورسوله، فإن الله سبحانه ينتقم منه لرسوله ويكفيه إياه ... وكل من شنأه وأبغضه وعاداه فإن الله يقطع دابره، ويمحق عينه وأثره). وقال: (وقد ذكرنا ما جرّبه المسلمون من تعجيل الانتقام من الكفار إذا تعرّضوا لسب رسول الله {، وبلغنا مثل ذلك في وقائع متعددة، وهذا باب واسعٌ لا يُحاطُ بِهِ) ( الصارم المسلول ص 144 ) .وعندما أمره بالصدع بالدعوة كفاه كل المستهزئين فقال فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين 94 إنا كفيناك المستهزئين 95 {الحجر: 94، 95}.
وقد مر المسلمون في هذه الأيام بابتلاء يتمثل في تلك الهجمة القبيحة من صحافة أعداء الدين، للنيل من خير سيد المرسلين، وقد بانت في هذه الحادثة ثلاث طوائف :
الأولى: أهل الحق والإتباع من المؤمنين، فقد وقفوا وقفة حق وإيمان ومحبة، ونصروا رسولهم {.
والثانية: المخَذِّلون من المنافقين، الذين أخذوا في إيجاد المعاذير لفعل الكافرين، بل وتهكموا من ردة فعل الغيورين، وأنه يجب الرضا بحرية الرأي كذا زعموا !؟
الثالثة : النصارى وما أظهروه من كراهية لهذا الدين، من تعمد السخرية والاستهزاء، غير عابئين بمشاعر المسلمين، وهذا غيض مما يخفونه، ولو تنقص أحد اليهود مثلاً لقامت ثائرتهم أجمعين واتهموه بمعادات السامية !! وهذا يدفع لضرورة تأصيل عقيدة الولاء والبراء ونشرها في صفوف المسلمين .
نسأل الله أن يجعلنا من أنصار الهادي الأمين، وممن ينال
شفاعته يوم الدين.
---------------
1. كيف انتقم الله من الذين سبوا الرسول صلى الله عليه وسلم عبر التاريخ؟!
بقلم: د. عادل باناعمة.
قصة كسرى وقيصر المشهورة مع النبي صلى الله عليه وسلم جديرة بالتأمل، فقد كتب إليهما النبي صلى الله عليه وسلم، فامتنع كلاهما من الإسلام، لكن قيصر أكرم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأكرم رسوله، فثبت الله ملكه، وكسرى مزق كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتله الله بعد قليل، ومزق ملكه كل ممزق، ولم يبق للأكاسرة ملك. (الصارم المسلول: 144)
وكان من أثر ذلك ما ذكره السهيليُ أنه بلغه أن هرقل وضع الكتاب في قصبة من ذهب تعظيمًا له، وهم لم يزالوا يتوارثونه حتى كان عند ملك الفرنج الذي تغلب على طليطلة، ثم كان عند سبطه، فحدثني بعض أصحابنا أن عبد الملك بن سعد أحد قواد المسلمين اجتمع بذلك الملك بن سعد أحد قواد المسلمين اجتمع بذلك الملك فأخرج له الكتاب، فلما رآه استعبر، وسال أن يمكنه من تقبيله فامتنع، ثم ذكر ابن حجر عن سيف الدين فليح المنصوري أن ملك الفرنج أطلعه على صندوق مُصفَّح بذهب، فأخرج منه مقلمة ذهب، فأخرج منها كتابًا قد زالت أكثر حروفه، وقد التصقت عليه خِرقَة حرير، فقال: هذا كتاب نبيكم إلى جدي قيصر، ما زلنا نتوارثه إلى الآن، وأوصانا آباؤنا أنه ما دام هذا الكتاب عندنا لا يزال الملك فينا، فنحن نحفظه غاية الحفظ، ونعظمه ونكتمه عن النصارى ليدوم الملك فينا.
وإليكم هذا الخبر العجيب!
كان أبو لهب وابنه عتبة قد تجهزا إلى الشام، فقال ابنه عتبة: والله لأنطلقن إلى محمد ولأوذينّه في ربه سبحانه وتعالى، فانطلق حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد (هو يكفر) بالذي دنى فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك".
ثم انصرف عنه، فرجع إلى أبيه فقال: يا بني ما قلت له؟ فذكر له ما قاله، فقال: فما قال لك؟ قال: قال: "اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك". قال: يا بني، والله ما آمن عليك دعاءه!
فساروا حتى نزلوا بالشراة وهي أرضٌ كثيرة الأسد، فقال: أبو لهب إنكم قد عرفتم كبر سني وحقي، وإن هذا الرجل قد دعا على ابني دعوة والله ما آمنها عليه، فاجمعوا متاعكم إلى هذه الصومعة وافرشوا لابني عليها ثم افرشوا حولها، ففعلنا، فجاء الأسد فشمَّ وجوهنا فلما لم يجد ما يريد تقبض فوثب وثبة، فإذا هو فوق المتاع فشمَّ وجهه ثم هزمه هزمة ففسخ رأسه!! فقال أبو لهب: قد عرفت أنه لا يتفلت من دعوة محمد!! (تفسير ابن كثير).

(8/51)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية