الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : موسوعة البحوث والمقالات العلمية
    جمع وإعداد الباحث في القرآن والسنة
    حوالي خمسة آلاف وتسعمائة مقال وبحث
    علي بن نايف الشحود

و من جُملة الروايات التي تناولت هجرة الصقالبة إلى البلقان ، يظهر أنَّ كثيراً من البوشناق وصلوا إلى المنطقة ، و هُم يحملون معهم عقيدة الإسلام ، حيث اعتنقه بعضهم قبل الهجرة إلى المنطقة التي تُشكِّل البوسنة و الهرسك اليوم ، و إن لم تكُن تعاليمه قد رسخت تماماً في نفوسهم (1) .
و بغضِّ النظر عن كيفيَّة وصول المسلمين ، فإنَّ المهم أنَّهم كانوا موجودين فعلاً في المنطقة ، و خاصة على سواحل البحر الأدرياتيكي (( فقد حدث أن طلب لويس الثاني في المغرب المعونة من باسل المقدوني ضد المسلمين ، فأرسل الإمبراطور البيزنطي سنة 254هـ / 868م أسطوله الذي عمل على تطهير الأدرياتي من
المسلمين )) (2) ، ممَّا يؤكِّد وُجودهم في البوسنة و ما حولها قبل ذلك ، و أنَّه كان لهم كيانٌ لا يُستهان به .
أمَّا المراجع التاريخيَّة العربية فنادراً ما تشير إلى الصقالبة أو البلقان ، أو أحوال المسلمين في تلك الديار النائية ، و من هذا النادر أقتطف الأحداث الثلاثة التالية :
أولاً : رحلة ابن فضلان (3) إلى بلاد الصقالبة :
يذكر أصحاب التاريخ أن الخليفة العباسي المقتدر (4) أرسل بعثةً تضم عدداً من علماء المسلمين في الشؤون الدينية و الدنيوية إلى بلاد الصقالبة لنشر الإسلام و الدعوة إليه في أرجائها ، و تحصينها من هجمات يهود الخزر (5) الغادرين . و خير من يروي أخبار هذه البعثة أحمد بن فضلان العباسي الذي أوفده المقتدر معها فكتب عنها رسالة مستفيضة ، ذكر في مطلعها أنَّ ملك الصقالبة ألمش بن يلطوار (6) طلب إلى أمير المؤمنين المقتدر بالله أن يرسل إليه من يفقهه في الدين و يعرفه الشرائع ، و يبني له مسجداً و ينصب له منبراً يقيم عليه الدعوة للخليفة في أنحاء مملكته ، و سأله أن يبني له حصناً يتحصن به من ملوك الخزر اليهود فأجاب الخليفة المقتدر طلبه ، و انتدب ثلاثة آلاف من المسلمين ما بين فقيه و عامل و طبيب و صانع ، ليفدوا عليه في بلاده بما أراد ، و أمَّر عليهم سوسن الرسِّي (7) ، و أردفه مترجماً من الترك ، و فقيهاً من العرب هو أحمد بن فضلان مؤرخ الرحلة .
انطلقت الرحلة من بغداد لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر الخير سنة 309هـ/ 21 حزيران عام 921م و سارت شهراً و بضعة أيام .
يقول ابن فضلان : (( فلما كنَّا من ملك الصقالبة - و هو الذي قصدنا - على مسيرة يوم و ليلة وجَّه لاستقبالنا الملوك الأربعة الذين تحت يده ، و إخوته و أولاده ، فاستقبلونا و معهم الخبز و اللحم و الجاورس (8) ، و ساروا معنا ، فلما صرنا منه على فرسخين تلقانا هو بنفسه ، فلما رآنا نزل فخرّ ساجداً شكراً لله جل و عزّ ، و كان في كمه دراهم فنثرها علينا ، و نصب لنا قباباً فنزلناها .
__________
(1) ... انظر : الدكتور علي حسُّون : محنة المسلمين في البلقان ، ص : 175 .
(2) ... الدكتور سعيد عبد الفتَّاح عاشور : أوروبا في العصور الوسطى ، ص : 127 .
(3) ... ابن فضلان , هو : أحمد بن فضلان بن العباس بن راشد بن حماد مولى محمد بن سليمان , البغدادي , فقيه . ذكره ياقوت الحموي في مواضع من معجم البلدان : 1 / 87 و 322 و 486 , 2 / 367 و 397 , 3/79. ناقلا أخبارا عن رحلته معتمدا إياها .
(4) ... المُقتدر بالله , هو : جعفر بن المعتضد بالله , أبو الفضل ، الهاشمي ، البغدادي ، ولي الخلافة سنة 259 هـ / 873 م و هو ابن ثلاث عشرة سنة , وما ولي أحد قبله أصغر منه , وخلعه الجند في أوائل دولته , ثم لم يتم ذلك . =
= ... قال التنوخي : كان جيد العقل , صحيح الرأي , و لكنه كان مؤثرا للشهوات . قتل سنة 320 هـ / 932 م ، و عمره ثمان و ثلاثون سنة .
انظر ترجمته في : تاريخ بغداد 7 / 213 ـ 219 , المنتظم 6 / 243, الكامل 8 / 8 ، سير أعلام النبلاء 15 / 43 ـ 57 .
(5) ... الخزر : مملكة لليهود بمدينة تسمى : إتل ، يقطعها نهر ، تجاور بلاد الترك و بلغار ، و أهلها صنف من الترك و هم طوائف ، منهم : المسلمون و النصارى .
انظر : معجم البلدان 2 / 367 ، البدء و التاريخ 4 / 66 ، مراصد الاطلاع ص 465 .
(6) ... اختُلِف في اسم الملك المذكور اختلافاً شديداً فقيل : هو الحسن بن يلطوار ، و قيل : هو ألمش بن شلكي ، و قيل : هو ألمس بن شلكي يلطوار إلى غير ذلك من الأقوال التي لا مرجِّحَ مقبول لأيٍ منها 0
للاستزادة انظر : دائرة المعارف الإسلاميَّة ، مادة بلغار .
و انظر: تعليق الدكتور سامي الدهَّان على رسالة ابن فضلان ، ص : 67 .
(7) ... زاد في معجم البلدان : مولى نذير الحزمي . ولم أقف له على ترجمة مفردة .
(8) ... الجاورس أصلُه كاوَرس و هو : حبٌ معروف ٌ يُشبه الأرز ، يؤكل مثل الدهن ، من فوائده إمساك الطبيعة و إدرار البول . انظر : تاج العروس مادة : جرس .

(/34)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية