الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : موسوعة البحوث والمقالات العلمية
    جمع وإعداد الباحث في القرآن والسنة
    حوالي خمسة آلاف وتسعمائة مقال وبحث
    علي بن نايف الشحود

كما مر معنا في تعريف الحسبة من أنه قد تعددت تعاريفها فإن تعريف المحتسب أيضاً قد تعددت تعاريفه وسأختار أحدها ثم أناقشه .
( فالمحتسب مسلم يسعى لتغيير المنكر وإقامة المعروف وفقاً لمنهج الشريعة إمتثالاً لأمر الله وطلباً لثوابه متولياً ومتطوعاً ) (64) ، ففي قولي ( مسلماً ) أعني أن غير المسلم لا يعتبر عمله وإن كان تغييراً للمنكر حسبة ، لأن من أول شروط المحتسب كما سيأتي أن يكون مسلماً ، ولأن دافع المسلم في تغيير المنكر وإقامة المعروف غير دافع الكافر ، فالأول دافعه تعبدي بخلاف الثاني . وقولي ( وفقاً لمنهج الله ) قيد لئلا يتجاوز المحتسب وهو يؤدي واجبه ، ما أمر به الشرع ونهى عنه ، وأما قولي ( إمتثالاً لأمر الله ) فلأننا عرفنا فيما تقدم أن القيام بالحسبة واجب على المسلم يؤديه مع غيره ، وأما قولي ( وطلباً لثوابه فإنه مر معنا في تعريف الحسبة لغوياً أن المسلم يقوم بذلك ويرجو عليه الثواب من الله ، وأما قولي ( متولياً أو متطوعاً ) فحتى لا يفهم أن الحسبة لا تكون إلا من المكلف من قبل ولي الأمر كما فهمه بعض من عَّرف الحسبة ، مما لم نستعرض تعريفه ، فإذا كان الذي يُعِّرف الفاعل للعمل هو العمل نفسه فالمكلف والمتطوع في ذلك سواء.
رابعاً : شروط المحتسب :
حتى ينهض المحتسب بعمله على الوجه الذي يرضي فلابد من توفر مستلزمات في نفسه أولها وأهمها توفر شروطاً معينة بذل الفقهاء جهوداً مشكورة في تحديدها .
والشروط التي حددها الفقهاء للمحتسب على ضربين ؛ شروط متفق عليها وأخرى مختلف فيها .
أ . الشروط المتفق عليها .
(1) الإسلام : وهذا شرط بدهي في كل الواجبات الدينية إذ أن ما يقوم به المحتسب هو من الواجبات الدينية التي يراد بها نصرة الدين وإعلاء كلمته . وغير المسلم جاحد لأصل الدين فكيف يكون من أهل الوجوب فيه ، ثم إنه لا ولاية لكافر على مسلم . ثم إن تكليف غير المسلم للقيام بعمل المحتسب هو إكراه له على القيام بعمل لا يعتقده ، ولا إكراه في الدين كما جاء في القرآن .
(2) التكليف : الاحتساب واجب شرعي ولا وجوب على غير المكلف وحد التكليف البلوغ من المكلف ، وهذا يدخل في شروط الوجوب ، فأما إمكان الفعل فلا يستدعي إلا العقل إذ بإمكان الصغير المميِّز أن يقوم بعمل المحتسب وليس لأحد منعه من ذلك .
(3) العلم . واشتراط العلم أمر يتطلبه حُسن الأداء حتى يكون أمر المحتسب ونهيه تبعاً لأمر الله وأمر رسوله فإن المراجع في تحديد القبح والحسن هو كتاب الله وسنة رسوله ، فلربما استحسن بعض الناس بعقله ما قبحه الشرع أو استقبح ما حسن الشرع ، وعلى هذا نجد قولاً لابن تيمية رحمه الله يقوله فيه ( ولا يكون عمله ( أي المحتسب ) صالحاً إن لم يكن بعلم وفقه في الدين كما قال عمر بن عبدالعزيز يرحمه الله : من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح ) . وكما قال معاذ رضي الله عنه:( العلم إمام العمل والعمل تابعه ) (65).
(4) القدرة : يقول الله تعالى ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ) وأي واجب في أحكام الشريعة الإسلامية لا يكون إلا في حدود القدرة ووسع المكلف . فيشترط في المحتسب القدرة وإلا سقط عنه الوجوب عند الجمهور وعدم القدرة قد يكون حسياً لضعف ، أو مرض ، أو غي ، أو ضرس في اللسان وغيرها ، وقد يكون معنوياً كأن يتوقع المحتسب أن يصيبه شر في نفسه أو ماله أو عرضه ، وليس من عدم القدرة مجرد الهيبة فقط ، ولذلك روى الترمذي وغيره ( أن لا يمنعن رجلاً هيبة الناس أن يقول الحق إذا علمه ) (66) . وعدم القدرة إذا ثبت يرفع الوجوب عن المكلف في المرتبتين الأولى والثانية ( أي مرتبة تغيير المنكر باليد واللسان ) ، أما المرتبة الثالثة وهي مرتبة التغيير بالقلب فلا يرتفع الوجوب في حقه وستأتي ضوابط الإنكار بالقلب بعد قليل .
(5) أن يكون ذا رأي وصرامة وقوة في الدين .
(6) أن يكون عفيفاً متورعاً عن أموال الناس ؛ لأن ذلك يُؤثِّر بشكل مباشر على عمله ويهز شخصيته في نظر المحتسب عليهم ومن ذلك الهدية في كثير من الأحيان .
ب . الشروط المختلف فيها :
1. العدالة .
2. الاجتهاد .
3. إذن الإمام .
4. الذكورة .
5. الحرية .
هذه الشروط الخمسة هي التي حصل بين الفقهاء اختلاف فيها إذ أن بعضهم يرى أن في إشتراطها تضييق لدائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا تتوافق مع منطوق عموم الآيات والأحاديث الواردة في ذلك ، أما البعض فيشترطها أو بعضها احتياطاً للقيام بهذه المهمة الجليلة متأولين في ذلك نصوصاً من الكتاب والسنة . والكلام يطول في إثبات أدلة كل فريق ورد الفريق الثاني وأنا أرى أن هذا ليس مكان بسطها ويمكن لمن أراد التقصي أن يعود لذلك في مظانها في كتب الفقه ( أبواب الحسبة ) .

(/11)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية