الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : معالم تجديد المنهج الفقهي نموذج الشوكاني
    موقع الشبكة الاسلامية

الفصل الأول
الإطار المعرفي والمقدمات المنهجية
مقدمات منهجية لإشكالية التجديد الفقهي
إن الدراسة الموضوعية لإشكالية التجديد الفقهي تقتضي التقديم لها بمقدمات منهجية تعتبر الإطار الكلي الذي يحكم البحث. وقد حصرت هذه المقدمات في ثلاث:
1- الخلفية التاريخية لواقع الفقه الإسلامي.
2- مدى إمكانية تجدد الفقه الإسلامي.
3- تحديد دلالة مصطلحات عنوان البحث.
المقدمة الأولى: الخلفية التاريخية لواقع الفقه الإسلامي:
إن التتبع التاريخي للحركة الفقهية يرسم لنا خطاً بيانياً كثير المنحنيات الشاهدة على أدوار البعث والانحسار المتعاقبة على هذه الحركة، وعلى الوعي الشامل لدورها في الحياة. فلقد مرّ الفقه الإسلامي بأدوار مختلفة كان في ذلك أشبه بغيره من العلوم فيما يعرض لها من النهوض والانتعاش حيناً، والانكماش والانحسار حيناً آخر، وذلك تحت تأثير العوامل التي تحيط برجاله في كل عصر من عصوره. فإذا ما استثنينا عصر البعثة الذي كان عصر بناء وتأسيس للتشريع الإسلامي، نجد أن الفقه الإسلامي قد تطور في عصر الصحابة بفعل ظهور مشكلات ونوازل جديدة في واقع المسلمين، خاصة بعد انتشار الإسلام في بلاد مختلفة الثقافات والعادات، فاتسع بذلك نطاق الاجتهاد الفقهي ليشمل كثيراً من القضايا السياسية والإدارية والمالية، الأمر الذي وسمه بالواقعية، وأبعده عن الافتراض النظري للمسائل والأحكام([11]).
أما عصر التابعين، فقد شهد حركة حضارية وعلمية ودعوية أثّرت تأثيراً بالغاً في تطور الحياة الفقهية. فقد ساعد الاحتكاك الحضاري بين المسلمين والشعوب التي دخلت الإسلام، وتفرق الصحابة في الأمصار، وشيوع رواية الحديث، على اتساع دائرة البحث الفقهي، وعلى ظهور اتجاهات فقهية عديدة شكلت مدارس فقهية في مختلف العواصم الإسلامية، كمدرسة الكوفة والمدينة ومكة والشام ومصر واليمن([12]).
غير أن الملاحظ هو بروز عامل جديد أثّر في طبيعة الإنتاج الفقهي في هذا العصر، وفي العصور التي تلته، تمثل في الصراع بين الفقهاء وحكام بني أمية([13]). ومرجع هذا الصراع هو تحوّل نظام الحكم في العالم الإسلامي من الخلافة إلى الملك، فتقلّص دور الفقيه المباشر في إدارة شؤون الدولة والمجتمع، الأمر الذي أدى إلى توسع الدراسات الفقهية في جانب العبادات والمعاملات أكثر منه في الجانب السياسي والاقتصادي والإداري.. وهذا لا يعني أن التشريع الإسلامي قد أقصي عن إدارة الحياة العامة، فكل المجالات السالفة ذكراً كان يحكمها الإسلام، ولكن البحث الفقهي النظري قد تطور أكثر في المساحات أو الموضوعات التي لم تكن محل صراع بين الفقهاء والحكام([14]).
والخلاصة أن عصر التابعين شهد تشكّل بذور إحدى أزمات الفقه الإسلامي وهي: انكماش الفقه من الناحية الموضوعية.
ثم تلى عصر التابعين عصر نشأة المذاهب الإسلامية الكبرى في أوائل القرن الهجري الثاني، وانتهى في منتصف القرن الرابع، وكان هذا العصر أزهى عصور الاجتهاد الفقهي بفعل ثلاثة عوامل أساسية([15]).
- العامل السياسي: فقد كانت بداية هذا العصر بداية قيام الدولة العباسية، هذه الدولة التي قرّب خلفاؤها الفقهاء، وأحضروهم مجالسهم العلمية، وطلب بعضهم من بعضهم، وضع قوانين مستمدة من الكتاب والسنة لتسيير بعض القطاعات العامة، كما فعل هارون الرشيد، إذ طلب من أبي يوسف وضع كتاب ينظم من خلاله الحياة الاقتصادية، فألف رحمه الله كتاب "الخراج" تعرّض فيه لكل ما يتعلق بجباية الأموال.
وهذا الاتصال بين مؤسستي الحكام والعلماء، ساهم في نمو الفقه ومشاركة الفقيه في وضع اللبنات الأساسية في بعض الدوائر الفقهية التي استأثرت بها السلطة الحاكمة، كالاقتصاد أو النظام المالي.
- العامل الاجتماعي: امتاز عصر نشأة المذاهب من الناحية الاجتماعية باحتكاك أناس من مختلف الثقافات والحضارات، وكان لهذا التبادل المعرفي والثقافي أثر في إنضاج العقل الفقهي، وتمكينه من استخراج المسائل، ووضع الضوابط العامة للفروع الفقهية المتباينة. كما نتج عن هذا الاحتكاك الحضاري والتفاعل الاجتماعي كثرة الوقائع وتنوعها، ومن ثمّ اتساع دائرة الاجتهاد في كلّ أبواب الفقه.
- العامل العلمي: شهد هذا العصر تدوين العلوم الشرعية المختلفة، ولعل أهم العلوم التي دفع تدوينها حركة الاجتهاد الفقهي هي علوم الحديث، وعلم أصول الفقه. فقد دوّنت السنة النبوية في هذا العصر تدويناً علمياً منهجياً يقوم على قواعد دقيقة، وكان من أثر ذلك أن أصبحت أدلة الأحكام من السنة ميسورة للفقهاء. كما دُوِّن علم أصول الفقه ليكون قانوناً يحكم العملية الاجتهادية.
بتلاحم هذه العوامل الثلاثة، خلّف الاجتهاد الفقهي في هذا العصر تراثاً ضخماً في شتى مجالات الحياة الإنسانية، كما جعلت من فقه الأئمة المجتهدين فقهاً اجتهادياً واقعياً يقوم على ركيزتين:
الأولى: تقرير الأحكام باستخلاصها من أصول معرفة الوحي.
الثانية: صياغة هذه الأحكام بما يعالج مجريات الواقع في البيئات التي كانوا يعيشون فيها عن طريق فقه التنزيل(­)، إذ اعتمدوا في سبيله بعض الأصول الاجتهادية ذات الصلة الوثيقة بالواقع مثل: المصالح المرسلة، الاستحسان، العرف وغيرها([16])، فكان منهج الاستنباط عندهم يقوم على الثنائية التالية:
النص الشرعي (محل استنباط الحكم)، والواقع العملي (محل تنزيل الحكم)، ومن هنا لم يعرف منهجهم الاجتهادي التقرير المجرد للأحكام.
إلاّ أن إشكالية انكماش الفقه من الناحية الموضوعية التي ظهرت بذورها في عصر التابعين، قد تبلورت بشكل أكثر وضوحاً في هذا العصر، إذ فضّل فقهاء هذا العصر - الذين قادوا الأمة علمياً - عدم الاصطدام المباشر والعنيف بالنظام القائم([17]) ما دام الإسلام حاضراً في المجتمع، تشريعاً وقضاءً. من هنا عالج العقل الفقهي في هذه المرحلة جميع القضايا الفردية والجماعية، وترك ثروة ضخمة في كل أبواب الفقه، لكن إنتاجه في الفقه السياسي والاقتصادي والدولي كان أقل توسعاً، بالنسبة إلى فقه العبادات والمعاملات، كماً ونوعاً.
ولقد لاحظ هذا الأمر كثير من الباحثين، منهم الدكتور عبد الرزاق السنهوري في كتابه: "فقه الخلافة" إذ أشار إلى أن القانون العام - الدستوري، المالي، الدولي - في الفقه الإسلامي أقل تطوراً من القانون الخاص - المعاملات، شؤون الأسرة، القضاء - وأنه لا يزال في مراحله الأولى. وأرجع ذلك إلى قيام أنظمة متعاقبة في التاريخ الإسلامي تقمع أي حركة فقهية تريد إقامة أصول الحكم على أسس من الحرية السياسية. أما القانون الخاص فقد تقدم تقدماً كبيراً؛ لأن هذه الأنظمة لم يكن يضيرها تقدمه([18]).
ثم تلى عصر نشأة المذاهب الإسلامية عصر التقليد، فقد جدّت في العالم الإسلامي بعد منتصف القرن الرابع الهجري عوامل سياسية وعلمية واجتماعية جعلت مبدأ التقليد يحلّ محل الاجتهاد في المنظومة الفقهية، إذ ابتعد الفقهاء عن الاستقلال الفكري- على تفاوت بينهم - وانتظموا في المذاهب الفقهية الموروثة، وعكفوا على نشر آرائها والدفاع عنها.
وكان في مقدمة تلك العوامل: انقسام العالم الإسلامي إلى دول متناحرة، والجهود العملاقة التي بذلها تلامذة الأئمة في دراسة وإذاعة آراء أئمتهم، ومن ثمّ تأصيل الثقة بهم والتقليد لهم، ودخول ميدان الاجتهاد الفقهي من لم يكتسبوا المؤهلات العلمية لذلك، الأمر الذي دفع ببعض أهل العلم في أواخر القرن الرابع بالحكم بغلق باب الاجتهاد([19]).
ولقد ميّز كتّاب تاريخ التشريع الإسلامي بين فترتين في عصر التقليد:
الفترة الأولى: وهي الفترة التي سبقت سقوط بغداد على يد المغول سنة 656هـ. وقد انحصر نشاط الفقهاء في هذه الفترة في خدمة الفقه المذهبي عن طريق تعليل الأحكام التي قال بها الأئمة لتوظيفها في عملية التخريج،التي اعتبرت أهم عناصر المنهج الفقهي في هذا الدور.
والتخريج:تطبيق العلل المستنبطة من الأحكام التي قرّرها الأئمة المجتهدون على الأفعال الجزئية الحادثة دون حاجة إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة. كما اعتنى الفقهاء في هذه الفترة بالترجيح بين الآراء في المذهب الواحد، وبدراسة علم الخلاف بين الفقهاء، وبوضع القواعد الكلية التي تندرج تحتها الأحكام الفقهية، كل هذا في إطار التعصب لأئمة المذاهب والدفاع عن آرائهم([20]).
إن الدراسة الموضوعية لهذه الفترة تكشف أن السبب في العزوف عن الاجتهاد المستقل، والتزام المذاهب المعروفة، هو أن التطورات التي حدثت في واقع الناس وأفكارهم في هذه الحقبة الزمنية، كانت تطورات جزئية وبسيطة بسبب توقف المد الحضاري، ومن ثمَّ مكّن تعدد آراء الفقهاء واجتهاداتهم في إطار كل مذهب من تغطية الحوادث المستجدة([21]). كما تلزمنا النظرة الموضوعية لإنجازات الفقهاء في هذه الفترة أن نؤكد أن الفقهاء قدموا، رغم غياب الاجتهاد المستقل وشيوع التقليد، خدمة جليلة للفقه المذهبي عن طريق تعليله وتنظيمه وترتيب أبوابه وفصوله، الأمر الذي حفظ لنا تراث الأئمة المجتهدين، ونمَّاه.
لكن، وفي المقابل، تكشف لنا الدراسة النقدية للفترة ذاتها عن ظهور خلل جديد في المنظومة الفقهية، إضافة إلى الخلل السابق - انكماش الفقه من الناحية الموضوعية - تمثّل في: اختلال منهج الاستنباط والاستدلال، وقد تجلى هذا الخلل في مظهرين:
المظهر الأول: الاستنباط من نصوص أئمة المذاهب:
إن اعتماد فقهاء هذه الفترة مبدأ التخريج جعل مصدرهم الأول في استنباط الأحكام هي نصوص إمام المذهب المتبع، يقيسون عليها ما يجدّ من حوادث، وكأن هذه النصوص هي الأصول، إذ صار لفظ الإمام، كما قال القاضي عياض في ترتيب المدارك: "ينزل عند مُقَلِّده منزلة ألفاظ الشارع"([22])، وأصبحت مصادر الأحكام، هي نصوص الفقهاء، وأقيم بذلك سد بين الأمة وبين نصوص الكتاب والسنة.
ولا شك أن مقارنة بسيطة بين قول أبي الحسن الكرخي الحنفي: "كل آية أو حديث يخالف ما عليه أصحابنا فهو مؤول أو منسوخ"([23])، وبين قول أبي حنيفة إمام المذهب في من سبقه من الفقهاء: "هم رجال ونحن رجال"، يظهر الانقلاب الجذري الذي مسّ المنظومة الاجتهادية في هذا الدور.
هذا ولقد أثّر هذا الخلل الذي مسّ منهج الاستنباط في منهج التلقي أو التعليم، يقول محمد علي السايس: "فبعد أن كان طالب الفقه يشتغل أولاً بدراسة الكتاب ورواية السنة، صار في هذا الدور يتلقى كتب إمام معيّن، ويدرس طريقته التي استنبط بها ما دوّنه من الأحكام، فإذا تمّ ذلك صار من الفقهاء"([24]). كما أثر ذات الخلل في منهج التأليف الفقهي، إذ انحصرت حركة التأليف في اختصار كتب الأئمة المجتهدين،أو شرحها، أو جمع ما تفرّق في كتب شتى([25]).
المظهر الثاني: التقرير المجرد للأحكام:
كانت عناية التراث الفقهي في هذا الدور بتقرير الأحكام المجردة أكثر من عنايته بمنهج تنزيلها على الواقع، فطغى بذلك فقه الفهم على فقه التنزيل، سواء بالنسبة إلى الشق التطبيقي في هذا التراث وهو الفقه، أو الشق التنظيري فيه، وهو أصول الفقه. أما الفقه فقد تضخم فيه الجانب التقريري للأحكام المجردة، وضمرت فيه إلى حد بعيد الصلة بالواقع المعيش وملابساته العينية، وهكذا أصبح التقرير المجرد للأحكام منهجاً للفقه طيلة القرون اللاحقة.
وأما أصول الفقه فقد توجهت العناية فيه إلى قواعد استنباط الأحكام من أدلتها، وأهمل بحث قواعد تنزيل هذه الأحكام على الواقع، حيث نجد الأبواب التي أشبعت بحثاً هي تلك التي تخص الاستنباط، وأما ما يمكن أن يدفع إلى إنضاج فقه التنزيل فقد كان البحث فيه خفيفاً مثل الاستحسان والمصلحة والعرف([26])، فلم يعتن فقهاء هذا الدور بتطوير هذه الآليات ولا بإعمال آليات جديدة. كما أن مبحث المقاصد ذا الصلة الوثيقة بفقه تنزيل الأحكام لم يخدم الخدمة الكافية قبل الشاطبي، كما أنه آل إلى ضمور شديد بعده.
الفترة الثانية: امتدت من سقوط بغداد إلى ظهور مجلة الأحكام العدلية في أواخر القرن (13هـ) سنة 1293هـ- 1876م([27]). وكانت مرحلة ذات طابع تقليدي خالص، انقطعت فيها صلة الفقهاء بأمهات الكتب التي خلّفها المتقدمون، التي تتعامل مع نصوص الوحي مباشرة في عملية الاستنباط. وتجلى التقليد أكثر ما تجلى في التأليف الفقهي، والتحصيل العلمي، والتقييم الدراسي.
أما التأليف، فقد اتجه الفقهاء نحو كتابة المتون، وتصنيف المختصرات التي تحتاج إلى شروح وحواشي([28]) افتقدت عنصر الإبداع والتجديد لأنها عاشت في دائرة المذهبية الضيقة، واهتمت بالمباحث الشكلية والمسائل الافتراضية.
ولقد أثّر هذا الأسلوب في التأليف على مستوى التحصيل العلمي، إذ انحصرت جهود طلاب الفقه في فهم الأسلوب، وحلّ العبارات والتراكيب([29])، فاشتغلوا بالألفاظ عن لب العلم ومضمونه، الأمر الذي أعدم فيهم مواهب الاجتهاد، وأسرهم في الحفظ الخالي عن الفهم الصحيح.
ومما عاق طالب الفقه عن اكتساب ملكة الاجتهاد، انقطاع الصلة بعلماء الأمصار([30])، إذ حلّت المطالعة المجردة محلّ التلقي المباشر كمنهج في التعليم.
أما التقييم الدراسي، فقد أصبح بفعل كثرة التصانيف في العلوم وأدواتها يركز على مدى حفظ الطالب للمسائل ولطرق تحصيلها. قال ابن خلدون:
«اعلم أنه مما أضر بالناس في تحصيل العلم، والوقوف على غاياته كثرة التآليف، واختلاف الاصطلاحات في التعاليم، وتعدد طرقها، ثم مطالبة المتعلم والتلميذ باستحضار ذلك، وحينئذ يسلم له منصب التحصيل، فيحتاج المتعلم إلى حفظها كلها أو أكثرها ومراعاة طرقها، ولا يفي عمره بما كتب في صناعة واحدة إذا تجرّد لها، فيقع القصور ولابد، دون رتبة التحصيل»([31]).
وضرب ابن خلدون لذلك مثلاً بالمدونة في مذهب مالك، وما كتب عليها من الشروح التي اختلفت فيها طرق الكاتبين من علماء قرطبة، وبغداد، والقيروان، ومصر، فإن المتعلم كما قال: «لا يصل إلى بغيته من التحصيل ولا يسلم له منصب الفتيا إلاّ إذا أحاط بهذه الطرق علماً وميّز بينها، مع أن أحكام طريقة واحدة منها يستنفد العمر»([32]).
أما في العصر الحديث فقد واجه العقل الفقهي أصعب تحدٍ له في تاريخه الطويل، وهو استبعاد التشريع الإسلامي عن التطبيق، إذ تبنت المحاكم والهيئات التشريعية في الدولة العثمانية عام 1926م القانون المدني السويسري، فعطلت أحكام الشريعة الإسلامية كلها([33])، وكان هذا الإقصاء الذي مثّل وجهاً ثالثاً للأزمة الفقهية، نتيجة لاستيلاء الحضارة الأوربية الغازية على أغلب أنحاء العالم الإسلامي في فترة ضعف الدولة العثمانية، فكان البديل التشريعي الأوربي ضرورة استعمارية مكّنت للنفوذ الأجنبي في المجال السياسي والاجتماعي والاقتصادي، إذ حكم التشريع المستورد كل الواقع، إلا مساحات محدودة تتعلق بأحكام الأسرة وما يرتبط بها([34]).
ومما أنجح عملية إقصاء التشريع الإسلامي، اختيار المؤسسة السياسية في البلاد الإسلامية أن تكون أداة المستعمر في فرض التبعية القانونية التي تلتها تبعية فقهية في النقل عن موسوعات الفقة الفرنسي في شرح قانون نابليون، وتبعية قضائية في الفهم والتفسير من خلال موسوعات الأحكام الفرنسية ([35]).
وهذا الواقع الجديد المفروض أقصى الفقه الإسلامي عن الحياة إقصاء شبه تام، كما ترك آثاراً جد سلبية على العقل الفقهي على مستوى المنهج والإنتاج.. فعلى مستوى المنهج أقصِي عنصر الواقع من المنظومة الفقهية التي اختزلت مصادرها في المتون والمختصرات.
أما على مستوى الإنتاج فقد استمر العقل الفقهي في الاحتفاء المجرد غير الواعي بأقوال المتقدمين، بعد أن أصبح الواقع محكوماً بغير التشريع الإسلامي.
والخلاصة هي أن إقصاء الشريعة عن كثير من جوانب الحياة كان السبب الرئيس في توقف الفقه الإسلامي، في هذه المرحلة، عن التجديد ذاتياً وموضوعياً، حيث عجز عن تجديد مناهجه وأبنيته الداخلية ليستعيد فاعليته في الحياة الفكرية والتشريعية، كما عجز عن تجديد الواقع بإصلاحه وتطويره.
لكن؛ وبما أن تاريخ الفقه الإسلامي في عصر التقليد لم يعدم نماذج مستثناة من الخط العام أمثال: ابن تيمية، وابن القيم، والشاطبي، والشوكاني وغيرهم، إذ نبذوا التقليد، ودعوا إلى الاجتهاد، وقادوا حركات تجديدية هدفها بعث وإحياء الفقه الإسلامي ليحافظ على المكتسبات، ويواكب المستجدات، فقد خلّفت دعوتهم هذه صدى بالغاً في العصر الحديث، وذلك بفعل التحول الجذري والتطور السريع الذي مسّ الواقع البشري، والمعارف الإنسانية، والاحتكاك الحضاري بين الأمم، فظهرت في هذا العصر نهضة فقهية هدفها التأكيد على قدرة الفقه الإسلامي على مواجهة الواقع، وامتلاكه نظريات في التشريع تزاحم النظريات الحديثة وتفوقها.
وقد تجلت هذه النهضة الفقهية المعاصرة في مظاهر ثلاثة:
1- الدعوة إلى الاجتهاد، بسبب تغيّر أوضاع الحياة تغيّراً جذرياً، ونبذ التعصب المذهبي لبناء عقلية فقهية تتساوى في نظرها المذاهب حرمة وتقديراً. فاستحدث في المؤسسات العلمية، مثل مؤسسة الأزهر، علم مقارنة المذاهب الأربعة، بهدف الموازنة بينها في الأدلة ومناهج الاستنباط والترجيح. كما استحدث علم تاريخ التشريع الإسلامي، ليقف الدارس على أطوار الفقه الإسلامي بجملته وما طرأ عليه من أسباب القوة والضعف([36]).
2 - تقنين أحكام الشريعة الإسلامية، الذي عدّ أول مظهر من مظاهر التجديد. وقد كانت عملية التقنين في هذا العصر جهداً رسمياً لبعض الدول، وجهداً فردياً من بعض الفقهاء أو المؤسسات الإسلامية. وأولى محاولات التقنين جاءت من الدولة العثمانية بإصدراها لمجلة الأحكام العدلية سنة 1293هـ على المذهب الحنفي، ثم استتبعتها مشاريع أخرى في التقنين اعتمدت على المذاهب الفقهية المختلفة([37]).
ولقد كانت حركة التقنين هذه ذات أثر إيجابي في النهضة الفقهية المعاصرة، إذ ساعدت على تطوير منهجية جديدة استعان بها المشرّع من ناحية، كما وسّعت آفاق التعاون العلمي بين المذاهب المختلفة، وأبقت التفكير في تشريع إسلامي كامل أمراً قائماً في ذهن الفقهاء([38]).
3 - انتعاش حركة التأليف، التي من أسبابها اقتحام الاتجاه العقلي المتطرف الساحة الفقهية متخذاً من نقد النص الديني (الشرعي)، أو تأويله تأويلاً منحرفاً سبيلاً إلى الحداثة والتنوير.
وقد أثار الإنتاج الفكري لهذا الاتجاه مثل مؤلف: "الشعر الجاهلي" لطه حسين، أو للمتأثرين بهذا الاتجاه مثل مؤلف: "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق حميّة دينية تجسدت في نشاط فقهي مكثّف في مواجهة تلك الدراسات. فظهرت مؤلفات جادة في رسم منهج التعامل مع نصوص الشريعة، وفي فقه القانون العام عند المسلمين.
كما اتجه التأليف الفقهي نحو دراسة موضوعات الفقه المختلفة باعتماد منهج الموازنة بين المذاهب الفقهية، أو بين هذه الأخيرة وبين النظريات القانونية الوضعية، كما اتجه نحو تجلية النظريات القانونية في الفقه الإسلامي مثل نظرية البطلان والضمان والتعسف، وإخراج الموسوعات الفقهية التي تقدم الفقه الإسلامي وفق خطة منهجية دقيقة([39]).
إن الاعتراف بهذه الجهود التجديدية لا يمنع من تسجيل ملاحظة هامة على النهج العام للنهضة الفقهية المعاصرة.. فالمتتبع للإنتاج الفقهي في هذه المرحلة يلحظ أن هذه النهضة قد استدرجت إلى معارك جانبية ساخنة، اختيرت فيها موضوعات فقهية شائكة كان الجمود فيها واضحاً، كمعركة حرية المرأة، فمثل هذه المعارك على أهميتها شغلت العقل الفقهي عن معركته الأساسية "التنظير الفقهي".
ذلك أن الرد على الشبهات التي أثارها الاتجاه العلماني، والحركة الاستشراقية الهادفة إلى الطعن في صلاحية التشريع الإسلامي للحياة عمل مهم، لكن إذا أخضعناه لفقه أولويات المرحلة، نجد أن الأولى كان صياغة منهج دقيق لتجديد بنية الفقه الإسلامي ومناهجه المختلفة بالتوازي مع خوض معركة الرد على الشبهات.. والدليل على ذلك أن الطاقات العلمية التي نشطت على أيديها حركة التأليف الفقهي لم تشكل في الحياة الفقهية تياراً له منهجه وقواعده ورجاله وأنصاره، بل إن الأجيال التالية اهتمت بالإنتاج الكمي على حساب الإنتاج النوعي، فكثرت المؤلفات، وبقيت الدراسات الفقهية تعاني أزمة المنهج.
وفي ختام هذه المقدمة المنهجية الأولى لموضوع البحث، لابد من التأكيد على أن العرض التاريخي والتحليلي لتاريخ الفقه الإسلامي يمكّننا من تشخيص أزمة الفقه الإسلامي، التي تتكون من فروع ثلاثة:
1- انكماش الفقه من الناحية الموضوعية.
2- اختلال منهج الاستنباط والاستدلال في عصور التقليد.
3- إقصاء التشريع الإسلامي من الحياة في القرن الأخير.
كما لابد من التأكيد أن المنظومة الفقهية عبارة عن حلقات مترابطة، فأي خلل في أيّ حلقة يتعدى أثره إلى الحلقات الأخرى. وهذا يستدعي أن يكون مشروع تجديد الفقه الإسلامي مشروعاً يتصف بالشمول، ويبتعد عن الجزئية، لأن الحل الجزئي قد يعطي نَفَساً لأي مشروع لكي يتعامل بمرونة مع بعض أجزاء الواقع، لكن لا يمكنه من تجاوز هذا الواقع إلى واقع آخر يتحقق من خلاله الاستقلال الحضاري، فالتجاوز الحضاري، فالشهود الحضاري.
المقدمة الثانية: مدى إمكانية تجدد الفقه الإسلامي:
لا شك أن التجديد عموماً مطلب ترتضيه الفطر السليمة؛ لأنه سنة الحياة وفلسفة الإنسان والتاريخ؛ غير أنه إذا أضيف إلى الدين أو علومه أثار إشكاليات كثيرة أهمها: معنى التجديد وإمكانيته.
وقد انبثقت هاتان الإشكاليتان في موضوع البحث - تجديد المنهج الفقهي- من سؤال مركزي هو: هل يتجدد الفقه الإسلامي؟ والإجابة عن هذا التساؤل اتسعت لآراء متنوعة تتقارب وتتباعد فيما بينها بقدر اشتراكها أو اختلافها في مسألتين اثنتين:
الأولى: المقدمات النظرية التي يُنطلق منها في بحث الموضوع.
الثانية: دلالة المصطلحات المركزية في الموضوع.
المقدمة النظرية الأولى: علاقة الفقه بالشريعة:
إن الدارس لفرضية إمكانية تجدد الفقه الإسلامي، وفرضية عدم إمكانية تجدده، يلحظ أن كلتا الفرضيتين قائمتان على أساس طبيعة العلاقة المتصوّرة بين الفقه والشريعة، فالافتراض النافي لإمكانية التجديد الفقهي منطلقه أن الفقه مأخوذ ومستنبط من الشريعة، وهي واجبة الاتباع فهو واجب الاتباع أيضاً، ولا فرق بين اتباع نص قرآني أو حديثي، وبين اتباع اجتهاد أو استنباط منهما([40]).
أما الافتراض المثبت لإمكانية التجديد الفقهي فمنطلقه عدم صحة الافتراض الأول؛ لأنه بني على خلل منهجي وهو اعتبار الفقه والشريعة أمراً واحداً، في حين أن الشريعة هي مجموع أحكام الله تعالى الثابتة في القرآن والسنة النبوية التي تنظم أفعال الناس، أما الفقه فهو الفهم للشريعة ولما تريده الشريعة، وبناء الأحكام في ضوئها وعلى نهجها([41]).
والحقيقة أن إثبات صحة التداخل بين مصطلح الفقه ومصطلح الشريعة أو عدمه، يقتضي الرجوع إلى أصل الكلمتين، وطبيعة كل منهما، والنتائج المترتبة على التفريق بينهما أو عدمه.
- أصل كلمتي الفقه والشريعة:
الشريعة لغة: المواضع التي يُنحدر إلى الماء منها ([42]).
أما اصطلاحاً: فقد عرفها التهانوي بأنها: «ما شرع الله تعالى لعباده من الأحكام التي جاء بها الأنبياء صلى الله عليهم وعلى نبيّنا وسلّم، سواء كانت متعلقة بكيفية عمل، وتسمى فرعية عملية، ودوّن لها الفقه، أو بكيفية الاعتقاد وتسمى أصلية واعتقادية، ودوّن لها علم الكلام»([43]).
والفقه لغة: العلم بالشيء، والفهم له ([44]).
أما اصطلاحاً: فقد عرفه الجرجاني بأنه: «العلم بالأحكام الشرعية العلمية المكتسبة من أدلتها التفصيلية»([45]). وعرفه الآمدي بأنه: «العلم الحاصل بجملة من الأحكام الشرعية الفروعية بالنظر والاستدلال» ([46]).
- طبيعة الفقه والشريعة:
تنكشف طبيعة الفقه والشريعة من خلال معناهما اللغوي والاصطلاحي. فالشريعة باعتبارها ما شرعه الله للناس من دين، فهي الكتاب والسنة، أي المصادر الثابتة التي لا تتغير بمرور الزمان ولا باجتهاد العلماء. أما الفقه فهو ما يفهم عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ولقد تضمن التعريف الاصطلاحي هذا المعنى في استعماله للفظة "علم"، "العلم بالأحكام الشرعية.." فالفقه إذن هو علم يستنبط بالرأي والاجتهاد، ويحتاج إلى نظر واستدلال، أي هو عمل الفقهاء في الشريعة، تفسيراً لها، واستخلاصاً للأحكام منها، وقياساً عليها فيما لم يرد فيه نص، وطلباً للمصلحة فيما يعرض من أمور.
- نتيجة التفريق بين الفقه والشريعة وعدمه:
إن النتيجة المترتبة عن عدم التفريق بين الفقه والشريعة هي تبني ثبات كليهما، وعدم تغيرهما بتغير الزمان والمكان. أما النتيجة المترتبة عن التفريق بينهما فهي التأكيد أن الثابت الذي لا يتغيّر هو الشريعة، أما الفقه فقابل للتغيّر بحسب ظروف الزمان والمكان.
مما تقدم يتضح أن اختلاف أصل الكلمتين وطبيعتهما وعدم معقولية وشرعية النتائج المترتبة على الدمج بينهما يفرض التفريق بينهما لتتجلى العلاقة بينهما. وقد أوضح الدكتور عبد الكريم زيدان أن الفرق بينهما يتجلى في أمرين أساسين هما:
1- أن الشريعة أعم من الفقه؛ لأنها تشمل الأحكام الاعتقادية والعملية، بينما يقتصر الفقه على الأحكام العملية فقط.
2- أن الشريعة الإسلامية تعني الأحكام المنزلة من عند الله في كتابه الكريم، أو على لسان نبيّه صلى الله عليه وسلم، ومن ثمّ لا يجوز مخالفتها.
أما الأحكام الفقهية فنوعان:
أ- ما ينعدم أو يضعف فيه الجانب الاجتهادي، وذلك مثل الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة، أو التي تستفاد من النص الشرعي بلا بحث.
ب- ما يغلب عليه الجانب الاجتهادي، وهذا النوع من الأحكام لا يعتبر جزءاً من الشريعة الإسلامية بمعناها الاصطلاحي، أي لا يعتبر من قبيل التشريع الإلهي الذي لا تجوز مخالفته، بل تسوغ هذه المخالفة ما دامت مستندة إلى دليل أقوى من دليل الرأي الفقهي المتروك([47]).
والنتيجة المستوحاة من هذه المقدمة الأولى هي: أنه لو جاز أن تكون الشريعة هي الفقه، مع ما نرى من اختلاف الفقهاء وتفنيد بعضهم آراء بعض، وإبطالها أحياناً ، لصدقت فينا كلمة الله تعالى: ((إِنَّ ?لَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْء)) (الأنعام:159).
المقدمة النظرية الثانية:
تجديد الفقه الإسلامي مبني على مسلّمة سابقة في التصور والحكم:
هي أن الفقه الإسلامي قد يتقادم ويجمد، وهو خلاف لما يعتقده كثير من الفقهاء من أنه فقه حي يحوي ثروة ضخمة في شتى مجالات الحياة([48]). والحقيقة أنه إذا ما انطلقنا من النتيجة التي توصلنا إليها في تحديد العلاقة بين الفقه والشريعة، وهي أن الفقه هو فهم الفقهاء لنصوص الشريعة، فإننا نستطيع تأكيد صحة المسلمة التي بنيت عليها إشكالية تجديد الفقه الإسلامي للاعتبارات الآتية:
1- أن بصيرة الفقيه مهما امتدت في المستقبل فإنها محكومة بقدرات الإنسان المحدودة في رؤية البعد الزمني.
2- أن الفقه الإسلامي مطالب بقضايا زمانه، ومن المعلوم أن لكل زمان قضاياه ومشكلاته، والمطلوب من الفقيه المجتهد أن ينجح في التعامل مع قضايا عصره، لكن نجاحه في ذلك لا يعني نجاحه في التعامل مع قضايا العصور اللاحقة.
3- أن استعراض تاريخ التشريع الإسلامي يدل على مرور الفقه الإسلامي بمراحل استرخاء وجمود ضعف فيها الاجتهاد، وضمر في حياة المسلمين.
بعد توضيح المقدمات النظرية لإشكالية التجديد الفقهي ننتقل إلى المسألة الثانية التي تسببت في اختلاف الرؤى حول الإشكالية ذاتها ألا وهي:
- دلالة المصطلحات المركزية في الموضوع:
لقد تقدم ضبط مصطلح الفقه والشريعة، لهذا سيقتصر الكلام في هذا الموضوع على مصطلح "التجديد" باعتباره أحد المصطلحات المركزية في البحث، ذلك أن تحديد مفهوم التجديد الفقهي مرتبط أساساً بدلالة مصطلح التجديد.
التجديد لغة: تجدّد الشيء يعني صار جديداً، وجدّده أي صيّره جديداً. والجديد نقيض البالي. فيقال "بلى بيت فلان ثم أجدّ بيتاً من شعر" أي أعاد بناءه. ويقال"جدّد الوضوء" أي أعاده، "وجدّد العهد" أي كرّره وأكده ([49]).
ولقد استعمل مصطلح التجديد في الفكر الإسلامي أخذاً من الحديث الصحيح الذي أخرجه أبو داود في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدّد لها دينها»([50]).والمراد بتجديد الدين: إحياء معالمه العلمية والعملية التي أبانتها نصوص الكتاب والسنة وفهم السلف([51]).
ومما سبق يتبيّن أن التجديد في أصل معناه اللغوي وفي استعماله النبوي يدل على الإحياء والبعث والإعادة، وأن هذا المعنى يكوّن في الذهن، كما بين بسطامي محمد سعيد، تصوراً تجتمع فيه معان ثلاثة يستلزم كل واحد منها الآخر:
الأول: أن الشيء المجدّد قد كان في أول الأمر موجوداً وقائماً، للناس به عهد.
الثاني: أن هذا الشيء أتت عليه الأيام فأصابه البلى وصار قديماً.
الثالث: أن ذلك الشيء قد أعيد إلى مثل الحالة التي كان عليها قبل أن يبلى([52]).
وعلى هذا التحديد اللغوي بنى بعض الباحثين تعريفهم لمفهوم التجديد. يقول الدكتور يوسف القرضاوي: "إن التجديد لشيء ما، هو محاولة العودة به إلى ما كان عليه يوم نشأ وظهر بحيث يبدو مع قدمه كأنه جديد. وذلك بتقوية ما وهِيَ منه، وترميم ما بلى، ورتق ما انفتق، حتى يعود أقرب ما يكون إلى صورته الأولى" ([53]). ويقول جمال سلطان: «إن التجديد في مجال الفكر، أو مجال الأشياء على السواء، هو أن تعيد الفكرة أو الشيء الذي بلى أو قدم إلى حاله الأولى»([54]).
لكن الجدير بالملاحظة أن مصطلح التجديد في الساحة الفكرية الإسلامية قد شابه بعض الغموض، وعدم الضبط، لاكتسابه من خلال التداول العام معنى الإلغاء والتجاوز. وإذا بحثنا عن الأسباب التي حمّلت مصطلح التجديد هذا المعنى، بل وجعلته المعنى المتبادر إلى الذهن عند إطلاقه عند بعض الباحثين، نجدها تنحصر في عنصرين:
1- عدم اشتهار مصطلح التجديد في تراثنا الإسلامي.
2- بروز مصطلح التجديد في الفكر الإسلامي الحديث في مرحلة بدأت تتسرّب فيها المنهجية العلمانية إلى حياتنا الفكرية والمعرفية والقيمية والفنية، فشاع استعماله الحديث عند بعض مفكري الإسلام الذين يقتربون في نسقهم الفكري من القيم والمناهج الغربية([55]) فأصبح بعضهم يتوجس من هذا المصطلح خيفة، لأن التيار العلماني استطاع تأميمه وتعبئته بمضامين جعلته رمزاً لتجاوز الشريعة.
هذان السببان جعلا عبارة تجديد الفكر الإسلامي عامة، والجانب التشريعي منه على وجه الخصوص، محلّ تحفظ وحذر.
والحقيقة أن عدم اشتهار مصطلح التجديد في تراثنا الإسلامي، وشيوعه في مرحلة تنامي الظاهرة العلمانية ثقافياً، وتعبئته بمضامين منحرفة، ليست أسباباً منطقية لرفض مصطلح التجديد لجملة اعتبارات منها:
1- أن المصطلح له أصل في اللغة العربية وفي الشرع (الحديث النبوي).
2- أن توظيف التيار العلماني للمصطلح ضمن مفاهيم لا تتفق ودلالته اللغوية والشرعية ليس مبرراً لإقصائه من المنظومة الفكرية الإسلامية، بل المطلوب ضبط معناه في إطار التصور الإسلامي من خلال قواعد اللغة، وهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأصول التشريع الإسلامي.
فهذا العمل يمثل خطوة منهجية ضرورية لاستكمال المقدمات النظرية الضرورية لبحث موضوع التجديد عامة، وتجديد الفقه الإسلامي خاصة.
ومما تقدم يظهر أن التحليل العلمي للمقدمات النظرية التي يُنطلق منها في بحث موضوع تجديد الفقه الإسلامي، والضبط الدقيق لدلالة المصطلحات المركزية فيه، كمصطلح الفقه والشريعة والتجديد، يفضيان إلى إمكانية تجديد الفقه الإسلامي، لأنه يمثّل في معظمه - عدا الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة، أو الثابتة بنص واضح الدلالة على المطلوب- فَهْم الفقهاء لأحكام الشريعة، هذا الفهم الذي يتكيّف مع الظروف والحاجات التي يفرزها واقع الناس، ويتفاعل مع المعارف والتجارب والوسائل التي تتيحها طبيعة الحياة في كل زمان ومكان.
المقدمة الثالثة: تحديد دلالة مصطلحات عنوان البحث:
قد يتبادر إلى الذهن في عنوان البحث: "معالم تجديد المنهج الفقهي" أن المقصود بالمنهج الفقهي علم أصول الفقه، باعتباره المنهج المتبع في استنباط الأحكام، والاستدلال عليها، لكن هذا ليس إلا فرعاً من فروع البحث، لأن مصطلح "المنهج الفقهي" يشمل المنهج في جميع مكوّنات العملية الفقهية: الاجتهاد، التنظير والتنزيل، البحث والصياغة، التصنيف والتدريس.
ولقد تضمن هذا البحث نموذجاً للتجديد الفقهي هدفه إبراز أحد الجهود التجديدية الجادة، وتقييمها ضمن إطارها التاريخي، وتحديد منهجية الاستفادة منها وتطويرها، ذلك أن العلم بناء تراكمي، ينمو ويتكامل بإضافة اللاحقين إلى ما بناه السابقون، لا بهدمه أو تركه جملة.
وهذه الإضافة قد تتخذ صورة التجديد والتكميل، أو التصحيح والتعديل.
ثم إن دراسة هذا النموذج يساعدنا إلى حدّ كبير على تبيّن منهج التعامل مع التراث الفقهي عامة، والتراث الفقهي التجديدي على وجه الخصوص.
أما اختيار الإمام الشوكاني نموذجاً للتجديد الفقهي، فلأن الرجل قاد ثورة فقهية شعارها الدعوة إلى الاجتهاد ونبذ التقليد، في فترة تاريخية حرجة (1173هـ - 1255هـ) استحكمت فيها عوامل الضعف والتخلف والاضطراب في جميع مجالات الحياة الإسلامية: السياسية، الفكرية، الدينية، وفي دور من أدوار تاريخ التشريع الإسلامي استحكمت فيه قبضة التقليد، واستجمع فيه الفقه الإسلامي جلّ عناصر الجمود والخمول التي أثرت تأثيراً سلبياً في أهم حلقات المنظومة الفقهية، الموضوع والمنهج.
------------------------------------------------
([11]) انظر: محمد الدسوقي، الاجتهاد والتقليد في الشريعة الإسلامية، ط1(الدوحة: دار الثقافة، 1987م) ص151-153.
([12]) انظر: محمد الخضري بك، تاريخ التشريع الإسلامي (بيروت: دار القلم، د.ت) ص97-101؛ محمد الدسوقي، مرجع سابق، ص157-161.
([13]) محمد الخضري بك، تاريخ التشريع الإسلامي، ص197.
([14]) انظر: محمد الغزالي، كيف نتعامل مع القرآن، ط1 (فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1991م) ص75؛ عبد المجيد النجار، فقه التدين فهماً وتنزيلاً، سلسلة كتاب الأمة (قطر: رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية، 1410هـ) 1/131-132.
([15]) محمد علي السايس، تاريخ الفقه الإسلامي(مطبعة محمد علي صبيح وأولاده،د.ت)ص83؛ محمد هشام الأيوبي،الاجتهاد ومقتضيات العصر(عمان:دارالفكر،د.ت) ص93ـ96.
(­) المقصود بفقه التنزيل" صيرورة الحقيقة الدينية التي وقع تمثلها في مرحلة الفهم إلى نمط عملي تجري عليه حياة الناس في الواقع". انظر: عبد المجيد النجار، فقه التدين فهماً وتنزيلاً، 2/15،16.
([16]) عبد المجيد النجار، المرجع السابق، ص65 (بتصرف).
([17]) انظر: محمد الغزالي، كيف نتعامل مع القرآن، ص76.
([18]) انظر: عبد الرزاق السنهوري، فقه الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية، ط2 (مصر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1993) ص47ـ50.
([19]) محمد الدسوقي، الاجتهاد والتقليد في الشريعة الإسلامية، ص182 (بتصرف).
([20]) محمد مصطفى أمبابي، الجديد في تاريخ الفقه الإسلامي (القاهرة: دارالمنار، 1986م) ص252-255؛ محمد هشام الأيوبي، الاجتهاد ومقتضيات العصر، ص133ـ139.
([21]) انظر: يوسف القرضاوي، شريعة الإسلام خلودها وصلاحها للتطبيق في كل زمان ومكان، ط3 (القاهرة: المكتب الإسلامي، 1983م) ص78 (بتصرف).
([22]) محمد علي السايس، تاريخ الفقه الإسلامي، ص112، نقلاً عن القاضي عياض، ترتيب المدارك.
([23]) رسالة الإمام أبي الحسن الكرخي في الأصول، طبعت ضمن كتاب: تأسيس النظر، للإمام أبي زيد الدبوسي الحنفي (بيروت: دار ابن زيدون، القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية) ص169ـ171.
([24]) محمد علي السايس، تاريخ الفقه الإسلامي، ص112.
([25]) محمد الخضري بك، تاريخ التشريع الإسلامي، ص275 (بتصرف).
([26]) عبد المجيد النجار، في فقه التدين فهماً وتنزيلاً، ص68 (بتصرف).
([27]) اعتمد هذا التحديد الزمني من اعتبر صدور مجلة الأحكام العدلية بداية عصر النهضة الفقهية الحديثة، مثل: محمد الدسوقي.
([28]) انظر: محمد علي السايس، تاريخ الفقه الإسلامي، ص117.
([29]) أحمد فراج حسني، عبد الودود السريني، النظريات العامة في الفقه الإسلامي وتاريخه (بيروت: دار النهضة العربية، 1992م) ص360.
([30]) انظر: محمد علي السايس، تاريخ الفقه الإسلامي، ص117.
([31]) ابن خلدون، المقدمة (بيروت: دار الفكر، د ت) ص531.
([32]) المرجع نفسه، الصفحة نفسها .
([33]) محمد هشام الأيوبي، الاجتهاد ومقتضيات العصر، ص204.
([34]) محمد كمال إمام، أزمة المنهج في الدراسات الفقهية المعاصرة، ص3 (بتصرف).
([35]) المرجع نفسه، ص5 (بتصرف).
([36]) انظر:محمد علي السايس، تاريخ الفقه الإسلامي، ص130.
([37]) وهبة الزحيلي، جهود وتقنين الفقه الإسلامي،ط1(بيروت:مؤسسة الرسالة،1987) ص53.
([38]) انظر: محمد كمال إمام، أزمة المنهج في الدراسات الفقهية المعاصرة، ص19.
([39]) انظر: محمد الدسوقي، الاجتهاد والتقليد في الشريعة الإسلامية، ص186.
([40]) محمد هشام الأيوبي، الاجتهاد ومقتضيات العصر، ص188.
([41]) المرجع نفسه، الصفحة نفسها.
([42]) ابن منظور، لسان العرب (بيروت: دار صادر، 1956م) 8/175.
([43]) محمد بن علي التهانوي، كشاف مصطلحات الفنون والعلوم (بيروت: دار صادر، د.ت)2/759.
([44]) ابن منظور، لسان العرب، 3/522.
([45]) علي بن محمد الشريف الجرجاني، التعريفات (بيروت: مكتبة لبنان،1990م) ص175.
([46]) سيف الدين الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق د. سيد الجميلي، ط2 (بيروت: دار الكتاب العربي ، 1986م) 1/8.
([47]) عبد الكريم زيدان، المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، ط11 (مؤسسة الرسالة، مكتبة القدس، 1989م)، ص56ـ57.
([48]) تبنى هذا الموقف الرافض لدعوى تجديد الفقه الإسلامي الدكتور عبد العظيم إبراهمي الماطعي في كتابه الفقه الاجتهادي الإسلامي بين عبقرية السلف ومآخذ ناقديه (مصر: مكتبة وهبة، د ت).
([49]) ابن منظور، لسان العرب، 3/111؛ اسماعيل بن حماد الجوهري، الصحاح (مصر: دار الكتاب العربي، 1990م) 1/451.
([50]) أبو داود، السنن، كتاب الملاحم، باب ما يذكر في قرن المائة، برقم 4270 ورمز له الشيخ ناصر الدين الألباني بالصحة، انظر صحيح سنن أبي داود، ط1 (الرياض: مكتب التربية العربي لدول الخليج، 1989م) 3/809، حديث رقم3606، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة، حديث رقم599، وصحيح الجامع الصغير (بيروت: المكتب الإسلامي، 1986م) حديث رقم 1874.
([51]) بسطامي محمد سعيد، مفهوم تجديد الدين، ط1 (الكويت:دار الدعوة، 1984م) ص3.
([52]) المرجع نفسه، ص14-15.
([53]) يوسف القرضاوي، "تجديد الدين في ضوء السنة"، مجلة مركز بحوث السنة والسيرة (جامعة قطر: العدد2، 1987م) ص29.
([54]) جمال سلطان، تجديد الفكر الإسلامي، ط1 (الرياض:دار الوطن، 1412هـ) ص13.
([55]) يظهر هذا السبب في كتاب الغارة على التراث الإسلامي لجمال سلطان في فصل "دعوى التجديد وخطرها على التراث"، ص76-86.

(1/2)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية