الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : معالم تجديد المنهج الفقهي نموذج الشوكاني
    موقع الشبكة الاسلامية

معالم تجديد المنهج الفقهي نموذج الشوكاني
موقع الشبكة الاسلامية
أعد الملف كنسخة للشاملة ونسخة html ... دارة أهل الظاهر
http://www.aldahereyah.net/forums

مقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛
لقد عرف تاريخ الفقه الإسلامي مراحل نمو وازدهار كان فيها الفقه الإسلامي فقهاً اجتهادياً واقعياً حياً يقوم على استنباط الأحكام من أصولها (القرآن والسنة) وصياغتها بما يعالج مجريات الواقع ونوازله، ولكن ظهرت في تاريخ التشريع الإسلامي عوامل كثيرة أثّرت على العقل الفقهي وسلبته في بعض مراحل تاريخه القدرة على تقديم نظام تشريعي يستجيب للمتغيّرات.
فقد أحاطت بالفقه الإسلامي في بعض أدواره التاريخية عوامل سياسية واجتماعية وعلمية تضخّم على إثرها فقه العبادات والمعاملات على حساب فقه السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية، كما تغيّرت بفعل تلك العوامل تركيبة المنظومة الفقهية، فأصبح التقليد قاعدة والاجتهاد استثناء، الأمر الذي ترك آثاراً سلبية على العقل الفقهي على مستوى المنهج والإنتاج.
أما المنهج فقد استُبدلت بنصوص الشريعة -الكتاب والسنة- نصوص الأئمة المجتهدين في الاستنباط والاستدلال الفقهيين، كما اعتنى الفقهاء بتقرير الأحكام المجردة أكثر من عنايتهم بقواعد تنزيلها على الواقع، فضمرت إلى حدّ ما صلة الفقه بالحياة العامة.
أما على مستوى الإنتاج، فقد اشتغل العقل الفقهي بعد توقف حركة الاجتهاد -في الغالب الأعم- بإنتاج تعليمي يتعامل مع المتون، ولا يلتفت إلى قضايا الأمة، وحاجات أبنائها، ومتطلبات وجودها الحضاري.
لكن على الرغم من امتداد عصر الجمود والتقليد -من منتصف القرن الرابع إلى عصر النهضة الفقهية الحديثة- فإن تاريخ الفقه في هذه المدة الطويلة لم يعدم نماذج مستثناة من الخط العام من أبرزها الإمام محمد بن علي الشوكاني، الذي انخرط في الواقع السياسي والاجتماعي، كما عاين عن كثب الواقع الثقافي والعقدي، وتعمق في درسه، وأثمر ذلك كله اجتهاداً فقهياً ثرياً ظهر جلياً في كتبه المختلفة.
ولقد جلبت شخصية الشوكاني الكثير من الباحثين الذين حاولوا التعرف على رصيده العلمي، ومدى تجاوزه للمنظومة المعرفية والفقهية التي كانت سائدة في عصره.
والمتأمل في هذه الدراسات يجدها تمحورت في مجالات عديدة من فكره، لكن جانب الفقه والأصول لم يلق الاهتمام اللازم من قبل الباحثين، إذ يلاحظ غياب الدراسة الاستجلائية الهادفة إلى استخراج منظومة الشوكاني الفقهية ومنهجه التجديدي في الفقه الإسلامي، على الرغم من أن تجديد المنهج الفقهي كان منطلق الحركة الإصلاحية التي قادها والثورة الفقهية التي سعى لإحداثها.
وما دامت أزمة المنهج في الدراسات الفقهية حاضرة، والدعوة إلى تجاوزها قائمة، فإن هذا البحث سيحدد مدى نجاح الشوكاني في تجديد المنهج الفقهي، وسيناقش إمكانية استفادة العقل الفقهي الحديث من هذا النموذج التجديدي، لإحداث نقلة نوعية في الدراسات الفقهية الحديثة، من حيث المنهج والموضوع أو على الأقل من أبعاد التجربة الشوكانية.
وعليه، يقترح البحث المحدّدات المنهجية للتجديد الفقهي المعاصر، التي تهدف في عمومها إلى ما يلي:
- إعادة بعث وإحياء الفقه الإسلامي ليكون أحد ركائز البناء الحضاري الإسلامي المنشود.
- إبراز منهج تجديد الفقه الإسلامي عند أحد علماء القرن الثالث عشر الهجري، الإمام محمد بن علي الشوكاني، باعتباره يمثل حلقة مهمة تجمع بين عصر المتقدمين والمعاصرين.
- تقويم منهج الإمام الشوكاني التجديدي من خلال إطاره التاريخي وواقع الفقه الإسلامي المعاصر.
- دراسة إشكالية تجديد الفقه الإسلامي دراسة تحاول تقصّي أهم عناصر المنظومة الفقهية التجديدية.
- دراسة وتحليل بعض الإشكاليات العلمية والمنهجية التي تثيرها الدعوة إلى تجديد الفقه الإسلامي مثل: منهج التعامل مع التراث الفقهي، تجديد المنهج الأصولي.
وللوصول إلى هذه الأهداف فإنه سيتم اعتماد: المنهج التاريخي لتحديد الإطار الذي حكم منهج الشوكاني ولبيان الخلفية التاريخية لواقع الفقه الإسلامي المعاصر؛ والمنهج الاستقرائي لجمع وتقصي المادة المتعلقة بإشكالية البحث؛ والمنهج التحليلي لشرح أهم معالم المنهج الفقهي عند الشوكاني وتفصيل مكوّنات المنظومة الفقهية التجديدية المعاصرة؛ والمنهج المقارن لمقارنة الإطار التاريخي والمعرفي الذي ظهرت فيه منظومة الشوكاني الفقهية بالإطار التاريخي والمعرفي المعاصر، مما يثير تصوراً موضوعياً وواقعياً لمنهج فقهي معاصر.
وقد حظيت إشكالية البحث الرئيسة بدراسات عدة يمكن حصرها إجمالاً في نوعين رئيسين:
النوع الأول: يتعلق بتجديد الفقه الإسلامي عموماً، وقد عد الإمام الشوكاني في بعضها أحد أمثلة هذا التجديد؛
النوع الثاني: يتعلق بشخص الإمام الشوكاني.
أولاً: دراسات حول تجديد الفقه الإسلامي:
أما الدراسات التي تناولت تجديد الفقه الإسلامي، فقد اتسمت إجمالاً بالعموم والجزئية، فمعظمها يتعرض لتجديد الفقه الإسلامي بصورة عرضية عند الحديث عن تجديد الفكر الإسلامي عموماً، أو عن تجديد أصول الفقه، وضرورة تطوير العلوم الشرعية على وجه الخصوص، والقليل الذي قدّم دراسة مستقلة في الموضوع ركّز في الغالب على الدراسة الوصفية التحليلية لواقع الفقه الإسلامي أكثر من تركيزه على معالم تجديده. ومن هذه الدراسات:
- بحث: "أزمة المنهج في الدراسات الفقهية المعاصرة"([1]) للدكتور محمد كمال إمام، قدم فيه عرضاً تاريخياً تحليلياً لأزمة المنهج في الفقه الإسلامي المعاصر التي من مظاهرها:
أ- استبعاد التشريع الإسلامي عن التطبيق.
ب- ابتعاد الفقه الإسلامي عن الحياة.
وقد حاول بعد عرض هذه المظاهر بيان سبل اجتياز هذه الأزمة مقترحاً مخرجين: أولاً: فتح باب الاجتهاد؛ ثانياً: تقنين أحكام الشريعة.
- بحث الدكتور حسن الترابي حول موضوع "التجديد الفقهي" في كتابه: "قضايا التجديد: نحو منهج أصولي"([2])، تناول فيه إشكالية تجديد أصول الفقه، ولما كان علم الأصول هو المنهج المعتمد في الاستنباط الفقهي، فقد استخلص الدكتور المبررات التاريخية والعلمية والواقعية لتجديد المنهج الأصولي من خلال قراءة تحليلية نقدية في التراث الفقهي.
- كتاب الدكتور يوسف القرضاوي "شريعة الإسلام، خلودها وصلاحها للتطبيق في كل زمان ومكان"([3]) الذي تناول فيه موضوعات ذات صلة مباشرة بالفقه الإسلامي، لاسيما في فصل "الشريعة الخالدة وأوضاعها المتجددة"، حيث أكد على ضرورة الاجتهاد، وبيّن أن المقصود بالاجتهاد هو:
أولاً: النظر في تراثنا الفقهي لاختيار أرجح الأقوال فيها وأليقها بتحقيق مقاصد الشريعة.. وهنا حدّد الدكتور بعض القواعد التي توظّف في النظر إلى التراث الفقهي.
ثانياً: العودة إلى النصوص الثابتة، والتفقه فيها، في ضوء المقاصد العامة للشريعة الإسلامية.. وهنا أيضاً بيَّن بعض قواعد النظر في النصوص، وتحريرها من التفسيرات الزمنية والموضعية.
ثالثاً: ضرورة الاجتهاد في القضايا المستجدة.
- كتاب الدكتور عباس حسني محمد: "الفقه الإسلامي آفاقه وتطوره"([4])، وقد بسط فيه آفاق الفقه الإسلامي من حيث المصدر والموضوع، مبيّناً أن امتلاك الشريعة الإسلامية لمبادئ عامة في شتى جوانب الحياة يمكّن الفقه الإسلامي من صياغة أشكال متطورة لنظم الحياة المختلفة: الاجتماعية، السياسية، الاقتصادية…الخ.
كما أكد الكاتب في موضوع تطور الفقه الإسلامي وجوب تنظيم وتقنين أحكام الفقه، واستخراج النظريات الفقهية.
- ومن الكتب التي تناولت بعض أجزاء إشكالية التجديد الفقهي كتاب: "منهج البحث في الفقه الإسلامي" للدكتور عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان([5]) وقد استهدف في خطوط عريضة وبصفة موجزة إبراز خصائص البحث الفقهي و نقائصه الناشئة عن الأساليب التقليدية الموروثة في الدرس، والعرض، والتأليف، كالاعتماد على المختصرات، والنقل من غير المصادر الأصلية.
كما تناول الكتاب بإيجاز منهجية كتابة البحث الفقهي من خلال بيان طريقة إعداد خطة البحث وجمع المادة العلمية والعرض المنهجي لها.
وهذه الكتب والدراسات ستعين على فهم عمق إشكالية التجديد الفقهي ومن ثم بيان معالمه ومحدداته المنهجية.
ثانياً: دراسات حول الإمام الشوكاني:
لقد نالت شخصية الإمام الشوكاني العلمية الكثير من الدراسات القيّمة تمحورت حول خمسة موضوعات رئيسة هي:
التفسير؛ الحديث؛ التربية؛ الفلسفة وعلم الكلام ؛ الفكر والفقه.
ففي التفسير قدم الأستاذ محمد بن حسن أحمد الغماري عام 1980م رسالة دكتوراه بعنوان: "الإمام الشوكاني مفسراً"([6]). وهي دراسة تحليلية لكتاب الشوكاني "فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير"، وتعتبر الرسالة محاولة جادة للكشف عن منهج الشوكاني في التفسير، وتجلية مدى التزامه بأصوله.
وفي الحديث، قدّم الأستاذ عبد السلام مصطفى أبو المعاطي رسالة دكتوراه بعنوان: "الشوكاني وجهوده في الحديث"([7])، أبرز فيها جهود الشوكاني في علم الحديث من خلال الدراسة والتحليل لكتبه: "نيل الأوطار"، "إتحاف الأكابر"، "الفوائد المجموعة"، وعدداً من رسائله.
وفي التربية، قدّم الأستاذ عبد الغني قاسم الشرجي رسالة دكتوراه بعنوان: "الآراء التربوية عند الإمام الشوكاني" سنة 1985م، نشرت بعنوان: الإمام الشوكاني، حياته وفكره([8])، وقد أكد في هذه الرسالة أهمية النظرية التربوية عند الشوكاني ، وبيّن الأصول الدينية التي استمدت منها، ووسائلها، وأساليبها.
أما في الفلسفة وعلم الكلام، فقد ألف الدكتور عادل محمد علي كتابه: "الإمام الشوكاني.. سيرته وفكره"([9]) تناول فيه مصادر المعرفة عند الشوكاني، وموضوعاتها، ومناهج البحث فيها، وأهدافها، رام من خلاله اكتشاف نظرية المعرفة عند الشوكاني، كما تناولت هذه الدراسة آراءه الكلامية والفلسفية.
كما ألف الدكتور حسن عبد الله العمري كتاب: "الإمام الشوكاني رائد عصره: دراسة في فقهه وفكره"([10]).وهو يتكون من مقدمة وستة أقسام: تناول في القسم الأول سيرة الشوكاني، وفي القسم الثاني الشوكاني مجتهداً وفقيهاً، عرّف فيه بكتابه "إرشاد الفحول" في علم أصول الفقه، وكتابه "السيل الجرار" في الفقه، كما ناقش بعض القضايا التي احتواها هذان الكتابان. أما القسم الثالث فقد تناول فيه الشوكاني محدثاً، من خلال التعريف بأهم كتبه في الحديث مثل: "نيل الأوطار"، "در السحابة في مناقب القرابة والصحابة"، ورسائل أخرى. وخصّص القسم الرابع للكلام عن الشوكاني مفسراً، حيث سلّط الضوء على منهجه في التفسير من خلال كتابه "فتح القدير". وفي القسم الخامس تناول الشوكاني مؤرخاً، حيث اهتم ببيان منهجه في كتابة التاريخ من خلال كتابه "البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع". أما القسم السادس والأخير فقد تناول فيه الشوكاني شاعراً وأديباً من خلال قراءة في ديوانه: "أسلاك الجوهر".
لقد تناولت هذه الكتب والرسائل مجالات عدة من فكر الإمام الشوكاني، لكن جانب الفقه والأصول لم يلق منها الاهتمام اللازم؛ لذا يحاول هذا البحث سد هذه الثغرة بتسليط الضوء على منظومة الشوكاني الفقهية، ومنهجه التجديدي في الفقه الإسلامي.
وستساعد الكتب والرسائل سالفة الذكر في الكشف عن شخصية الشوكاني العلمية المتكاملة، وفي اكتشاف دور معرفته الموسوعية في تجديد المنهج الفقهي. لكن الاعتماد سيكون بالدرجة الأولى على مؤلفات الإمام الشوكاني في الفقه والأصول والتفسير والحديث والتربية والتعليم.
.......................................................................
------
([1]) محمد كمال إمام، "أزمة المنهج في الدراسات الفقهية المعاصرة"، بحث مقدم إلى ندوة قضايا المنهجية في الفكر الإسلامي قسنطينة، الجزائر، 9-12 سبتمبر 1989م (فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1989م).
([2]) حسن الترابي، قضايا التجديد: نحو منهج أصولي (السودان: معهد البحوث والدراسات الاجتماعية، 1990م).
([3]) يوسف القرضاوي، شريعة الإسلام: خلودها وصلاحها للتطبيق في كل زمان ومكان ، ط2 (القاهرة: المكتب الإسلامي ، 1983م).
([4]) عباس حسني، الفقه الإسلامي آفاقه وتطوره، ط2 (السعودية: مطبوعات رابطة العالم الإسلامي، 1414هـ).
([5]) عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان، منهج البحث في الفقه الإسلامي، ط1 (السعودية: المكتبة المكية، لبنان: دار ابن حزم ، 1416هـ - 1996م).
([6]) محمد بن حسن أحمد الغماري، الإمام الشوكاني مفسراً (جدة: دار الشروق،1981م).
([7]) عبد السلام مصطفى أبو المعاطي، الإمام الشوكاني وجهوده في الحديث، رسالة دكتوراه مقدمة سنة 1979م، بكلية أصول الدين، جامعة الأزهر.
([8]) عبد الغني قاسم الشرجي، الإمام الشوكاني حياته وفكره (بيروت:دار الفكر،1988م).
([9]) عادل محمد علي، الإمام الشوكاني سيرته وفكره(القاهرة:مكتبة رياض الصالحين، 1994م).
([10])حسن عبد الله العمري،الإمام الشوكاني:رائد عصره (بيروت:دار الفكر المعاصر،1990م).

(1/1)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية