الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : أرشيف ملتقى أهل الحديث

وفي هذا من الحكمة استقرار الأحكام ووثوق الناس بها وإنهاء الخصومات وقطع الطريق على حكام السوء الذين قد يتذرعون بالاجتهاد لنقض أحكامهم أو أحكام غيرهم وهم في الحقيقة إنما يريدون محاباة من يكون النقض لمصلحتهم .
ثم إننا إذا جوَّزنا نقض الحكم الأول باجتهاد الثاني ، فيجب كذلك أن نجوز نقض الثاني باجتهاد ثالث ... وهكذا .
القاعدة الثالثة /
يُنقَض الحكم المخالف للنص أو الإجماع . وأضاف القرافي ما كان من الأحكام معارضاً للقياس الجلي السالم عن المعارضة . أو لقاعدة شرعية عامة سالمة عن المعارضة .
القاعدة السادسة /
تُدقَّق أحكام قليل الفقه من القضاة ؛ ومَنْ لايُشاور .
فيُبرَم منها الصحيح ويُنقَض منها ما كان خطأً بيِّناً .
ويُعرَف قلة علم ذلك القاضي أو عدم مشاورته عن طريق الرقابة على القضاة ( وقد سبق أن تكلم المؤلف عن ذلك صـ 65 ) .
وأما كتاب ( نظرية الحكم القضائي ) للدكتور عبدالناصر ، فقد ذكر أن لإصدار الحكم القضائي آثاراً عامة وخاصة . وذكر من الآثار العامة :
فَصْلُ الخصومة وإنهاء النزاع ، وعدم جواز طرح النزاع من جديد مستقبَلاً .
ومن الآثار أيضاً :
لزوم الحكم بعنى ثباته ودوامه ، فلايجوز الرجوع فيه من قبل القاضي نفسه ولانقضه من قبل غيره .
وفكرة اللزوم في الحكم تشابه الفكرة ذاتها في آثار العقود .
ثم تعرض الباحث لبعض المسائل المتعلقة بهذا الأثر ( أثر لزوم الحكم ) فذكر منها :
المسألة الأولى /
لزوم الحكم للمحكمة ؛ وعدم جواز رجوع القاضي عن حكمه .
فإذا صدر الحكم بعد اسيفاء الشروط المطلوبة فيه ؛ فلايجوز للقاضي الرجوع عنه . ويُلزِم الخصومَ به ، ويصبح جاهزاً لتنفيذ مضمونه ، وذلك لتكتسب أحكام القضاء صفة الاستقرار والثبات .
واستثنى الفقهاء من هذه القاعدة حالات يجوز فيها للقاضي الرجوع عن حكمه ، وهو بمثابة النقض لحكمه السابق ؛ ومنها :
الحال الأولى : أن يتبين للقاضي أنه أخطأ في حكمه ، وهذه على نوعين :
1 / أن يتبين له أن حكمه السابق مخالفٌ للنص أو الإجماع أو القياس .
فهذا النوع ينقض القاضي بنفسه ويرجع عنه بلاخلاف بين الفقهاء .
2 / أن يكون الخطأ في المسائل الاجتهادية التي اختلف الفقهاء في حكمها ، فيكون القاضي على أحد الآراء في المسألة ، ثم بعد ذلك يتبين له قولٌ آخر ، ويترجح له خلاف رأيه السابق ، فهل يجوز هنا له الرجوع في حكمه السابق ؟
في ذلك قولان :
الأول : قول الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة وبعض المالكية
حيث ذهبوا إلى عدم جواز ذلك . لأن الحكم قد وقع صحيحاً وقتَ صدوره .
واستدلوا بأثر عمر رضي الله عنه لما قضى في المسألة المشرَّكة في المواريث بإسقاط الإخوة الأشقاء ، ثم شرَّك بينهم في قضية أخرى ، فلما سئل عن ذلك ، قال :
( تلك على ما قضينا يومئذ ، وهذه على ما قضينا اليوم ) رواه البيهقي .
الثاني : قول الظاهرية وأبي ثور وابن القاسم من المالكية ؛ وهو أن على القاضي أن ينقض حكمه في هذه الحال .
واستدلوا بأثر عمر أيضاً في رسالته إلى أبي موسى رضي الله عنهما :
( ولايمنعنك قضاءٌ قضيته بالأمس ثم راجعتَ نفسك فيه اليوم ، فهديتَ لرشدك أن ترجع فيه إلى الحق ، فإن الرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل ) رواه أحمد والبيهقي وغيرهما .
الحال الثانية / أن يكون القاضي قد استند في حكمه على علمه الشخصي ، فيرجع في هذه الحال .
ثم ذكر الحال الثالثة .
الحال الرابعة / أن يحكم القاضي في مسألة معينة معتمداً على بينة معينة فيتبين له عدم صلاحيتها . كشهود عبيد أو محدودين في قذف أو نحو ذلك .
الحال الخامسة / أن يحكم بالظن والتخمين فيجب عليه الرجوع في حكمه . والحكم بالتخمين لايجوز .
المسألة الثانية /
لزوم الحكم للقضاة كافة ، ويتمثل ذلك في قيدين :
القيد الأول :
عدم جواز تعقب أحكام القاضي السابق ، وهذا يكون في حال انتهاء ولاية القاضي المُصدِر للحكم وإتيان قاضٍ آخر مكانه .
وللفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أقوال :
1 / قول الجمهور ، وهو أن أحكام القاضي العدل لاتُتعقب ، وكلها نافذة ولازمة ؛ إذا كانت مستكملة لشروط اللزوم والصحة .
وفي ذلك استقرارٌ للأحكام ولمعاملات الناس .
2 / ذهب الحنابلة في الراجح عندهم وهو قولٌ للشافعية إلى جواز تعقُّب أحكام القاضي ، فما كان منها موافقاً لأحكام الشريعة نفذ وما خالفها نُقض .
3 / وللحنابلة قولٌ بوجوب تعقب أحكام القاضي السابق وتتبعها . وضعفه المحققون من الحنابلة .
القيد الثاني :
عدم جواز نقض الحكم القضائي الصحيح .
فإذا رُفع الحكم لقاضٍ آخر على سبيل الطعن في القضاء الأول ، كما لو رأى المحكوم عليه أن الحكم غير صحيح ، وأنه قد ظُلم ، فرفع الحكم لقاضٍ آخر لينظر مدى موافقة الأول للحق .
أو أن القاضي الذي تولى حديثاً قام بتتبع أحكام القاضي السابق .
ففي هذين الحالين يمتنع نقض أي حكم ليس مستوجباً للبطلان .
فالأحكام الصحيحة لاتبطل بإبطال أحد لها .

(1/13992)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية