الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)
    المؤلف : محمد رشيد بن علي رضا (المتوفى : 1354هـ) و غيره من كتاب المجلة
    [رقم الجزء ، هو رقم المجلد . ورقم الصفحة ، هي الصفحة التي يبدأ عندها المقال في المجلد المطبوع]

الكاتب : أحمد أفندي الألفي
__________
الصديق وميراث النبي صلى الله عليه وسلم [*]

سيدى الدكتور مرجليوث :
إليك ما وعدتك في جواب عن تذكرتك من الملاحظة على بعض ما جاء في
انتقادك لكتاب بلاغات النساء الذي شرحته وطبعته .
( 1 ) جاء في انتقادك أن الكتاب لم يذكره ياقوت في مؤلفات ابن أبي طاهر
وأنه قد يكون هو كتاب المستظرفات .
وأفيدك : أنَّ بلاغات النساء هو الجزء الحادي عشر من كتاب المنظوم
والمنثور لابن أبي طاهر ، أسماه باسم خاص به هو اسم بلاغات النساء .. إلخ ،
وقد اخترت نشره بهذا الاسم ؛ لأنه خير عنوان لمشتملاته ، وأدعى لإلفات النظر
إليه ، فإن غرضي من نشره هو مساعدة الحركة العاملة عندنا لترقية المرأة ، وترى
عقب المقدمة التي وضعناها للكتاب إشارة إلى ذلك فلتراجع هذا ، وإن كتاب
المنظوم والمنثور ذكره ياقوت في مؤلفات ابن أبي طاهر ( راجع معجم الأدباء ) .
( 2 ) ثم جاء في الانتقاد : أنَّ إخراج أبي بكر لفاطمة من ميراث أبيها ، كان
يقينا بتحريض عائشة التى لم تسامح عليًّا قط ؛ فيما كان له من اليد في
حديث الإفك ! !
أقول : إن أنباء الحوادث لا تثبت إلا من طريق النقل ، وهذه كتب التاريخ
كلها خلو من ذكر ما حسبته يقينًا ، ولم يشر إليه في واحد منها لا تصريحًا ولا
تلميماً ، فتفردك بقول في حادثة مضى عليه 13 قرنًا موضع نظر !
إن الفكر لا يلجأ إلى الاستنتاج العقلي لمعرفة السبب في حادثة تاريخية ، إلا
إذا خلت روايتها من ذكره على وجه صريح معقول ، وليس ذلك في حادثتنا فإن أبا
بكر لم يخرج فاطمة من الميراث إلا أخذًا بقول أبيها صاحب الشريعة الإسلامية :
( لا نورث ما تركناه فهو صدقة ) وقد اقتنعت فاطمة وَآلُهَا وأشراف الأمة حينئذ
بصحة هذا القول ، وأقروا العمل به وقبلوه .
إن مثلك لا يند عنه معرفة قوة سلطة الدين على منتحلين في إِبَّان نشأته ، كما
كان ذلك في عهد تلك الحادثة حينئذ ، والعرب على فطرتهم البدوية وسذاجتهم
الطبيعية ، فلا يمكن أن يلتئم مع ذلك أن يجنح أبو بكر إلى هضم إنسان حقه
بتحريض محرض ، وأنْ يقره على ذلك الباطل أعيان الأمة ، وأن يخفي كل ذلك
على رواة التاريخ فيغفلوه .
إن العيان يكذب أنَّ الموجدة الشخصية تكون سببًا في أن يمنع الإنسان غيره
من حقه ، فإن كثيرًا من المتعاملين ، يجني بعضهم على بعض ، ومع ذلك فقل أن
يكون ذلك سببًا للجسارة على أن يهضم إنسان حق آخر خصوصًا ، إذا كان صريحًا
كما في مسألة الميراث في تلك الظروف .
إن عليًّا لم تكن له يد في حديث الإفك ، وإنما صدر عنه رأي في تخفيف وقعه
على محمد ، وإليك ما نسبته عائشة نفسها إلى علي في هذا الشأن ، وقد نقلته عن
كتاب البخاري أصح كتب الرواة الإسلاميين بالإجماع ، قالت :
( ثم أصبحت فدعا رسول الله علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد
يستشيرهما في فراقي ؛ فأما علي فقال : يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء
سواها كثير ، وسل الجارية تصدقك ، فدعاها رسول الله فقال لها : يا بريرة ، هل
رأيت فيها شيئًا يريبك ؟ فقالت بريرة : لا والذي بعثك بالحق ، ما رأيت منها أمرًا
أغمصه عليها قط
وقد طُوي حديث الإفك بأسبابه ونتائجه ؛ لما تحققت براءة عائشة حتى إن أبا
بكر أعاد صدقته على مسطح أحد القائلين فيه ، وكان قطعها عنه أثناءه .
إن عائشة لم يكن لها في حياة أبي بكر وعمر إلى أواخر زمن عثمان دخل في
شئون الأمة العامة ، وبعيد أن يحصل منها تحريض في مسألة الميراث يخفى خبره
على رواة الأخبار ، حتى لا يذكره منهم ذاكر ؛ ويجوز باطله على أعيان الأمة في
ذلك الحين ، لا يجهر بالحق منهم جاهر .
إن الميراث لم يكن راجعًا إلى علي ، حتى تندفع عائشة بدافع موجدتها منه ،
فتحرض أباها عليه فيه ، بل الميراث ميراث فاطمة والعباس عم النبي وأزواج
الرسول ومنهن عائشة .
جاء في تاريخ الطبري رواية عن عائشة نفسها :
أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يطلبان ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر ، فقال لهما أبو بكر :
أما إني سمعت رسول الله يقول : لا نورث ما تركناه فهو صدقة ، إنما يأكل آل
محمد من هذا المال ، وإني والله لا أدع أمرًا رأيت رسول الله يصنعه إلا صنعته .
لو لم تقتنع فاطمة والعباس بحجة أبي بكر ، أو لو أحسا بأن الدافع إليه حقد
يضم جوانحه عليه ، لأبت لهما أنفتهما العربية وهما هما صفوة بني هاشم ،
وعزتهما الإسلامية وهما هما آل الرسول وبجانبهما علي وشيعته ؛ أن يستخذيا
للباطل ، ولأثارا على أبي بكر غارة شعواء لا قبل له بها .
قد كان علي ينفس على أبي بكر منصب الخلافة ، ولكن منعه دينه أن
يتعرض لخليفة سلك مسلك الحق ، ولو وجد علي في عمل أبي بكر منفذًا يدخل
عليه منه لما ونى ، وقد أراده أبو سفيان رأس بني أمية ( راجع الطبري ) على
مناوأة أبي بكر ، فاستعصم علي لعدم المسوغ ، وأي مسوغ كان أدعى من أن يجبر
أبو بكر على منع فاطمة بنت رسول الله والعباس عم رسول الله ميراثهما بتحريض
عائشة ؟
إن أبا بكر في حسن سياسته وقوة إيمانه أجل قدرًا ، وأرجح رأيًا ، من أن
يندفع بالباطل لمنع آل الرسول حقهم الصريح ، وسيرته تترفع بقارئها عن أن يظن
به ذلك ؛ خصوصًا أن أبا بكر لما ولي الخلافة تخلف عن بيعته من تخلف ، وارتد
عن الإسلام من ارتد ، فكان إزاء نارين فارتأى بحكمته مداراة المتخلفين ، حتى
سكتوا عنه وراجعوه ، وعزم بحزمه حرب المرتدين حتى انصاعوا إليه ، فكيف مع
هذه الظروف يجسر على منع رؤوس بني هاشم وآل الرسول حقهم بالباطل ؟ وبعيد
جدًّا أن يغلبوا على حقهم الصريح بغالب الباطل والغرض ، مع قدرتهم على
المقاومة لو أرادوا ، وبعيد جدًّا أنْ يقر العرب أجمع أبا بكر على باطل ارتكبه بدافع
التحريض ، وهم الذين أنكروا على عثمان توليته بعض مناصب الدولة لأحداث
قومه حتى قتلوه .
لو أن حادثة الميراث غير معلومة السبب ، وكان لابد من تلمس العلة فيها ،
لكان خير رأي يتفق مع طبيعة ذلك العصر وظروف هؤلاء الناس ? أن يقال : إن
أبا بكر أراد بتقرير أن النبي لا يورث ؛ توهين اعتماد علي في أحقيته بالخلافة
على قرابته من النبى ؛ لأنه إذا كان النبي لا ترثه قرابته في عقار وهو ملك
خصوصي ، فبالحري ، أو بالأولى أن لا تتخذ قرابته وصلة للأحقية في أمر
عمومي .
( 3 ) أما إسناد خطبة فاطمة فإن ملاحظتك عليه صحيحة ، والصواب أن
زيدًا الذى سأله ابن أبي طاهر ليس هو زيد بن علي المتوفى سنة 122 ، بل هو
زيد حفيده كان معاصرًا لابن أبي طاهر المتوفى سنة ( 280 ) . وقد روى ابن أبي
طاهر عنه غير هذه الخطبة كما ورد في صفحة 162 من الكتاب ذاته ؛ إذ قال :
حدثني زيد بن علي بن حسين بن زيد العلوي , فزيد العلوي هذا هو المتوفى سنة
122 ، وهو من أجداد زيد المعاصر لابن أبي طاهر .
وعليه فيكون قد سقط من إسناد خطبة فاطمة ثلاثة رجال خطأ من الناسخ
للنسخة الخطية التى طبعت عنها هذا الكتاب .
هذه ملاحظاتي أقدمها مع الثناء الجميل لك ، وإعجابي الزائد بفضلك ، وأود
أن تنشرها في المجلة التى نشرت فيها تقريظ الكتاب ، حتى يطلع عليها قارئو
التقريظ ، فلا يفوتهم ما جاء فيها من التصحيحات والملاحظات ، أرجو أن ترسل
لي نسخة من العدد الذى تنشر فيه ، وعلى كل حال أحب أن تتفضل بإفادتي عن
رأيك فيها ، فإن الحقيقة بنت البحث ، وهى ضالتنا المنشودة جميعًا .
__________
(*) كتاب لأحمد أفندي الألفي بعث به إلى الدكتور مرجليوث المدرس بجامعة أكسفورد ؛ ردًّا على ما تعرض له بتقريظه كتاب بلاغات النساء من اتهام الصديق - رضي الله عنه - بحرمان فاطمة عليها السلام من ميراث أبيها صلى الله عليه وسلم ؛ إجابة لتحريض عائشة رضي الله عنها ، وقد بعث به لننشره بمناسبة ما أثبتناه في التفسير من الإفاضة في الموضوع ، راجع (ص727- 734) من هذا المجلد .

(12/868)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية