الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : أدب الاختلاف في الاسلام
    المؤلف : طه جابر فياض العلواني
    المصدر : كتاب الأمة

تقديم
بقلم : عمر عبيد حسنة
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور انفسنا وسيئات اعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، واشهد ان لا اله الا الله وان محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، وبعد:
فهذا الكتاب التاسع في سلسلة «كتاب الامة» التي تصدرها رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية بدولة قطر «ادب الاختلاف في الاسلام» للدكتور جابر فياض العلواني، يأتي مساهمة جديدة في تحقيق الوعي الثقافي ومحاولة لراب الصدوع في البناء الاسلامي، ومعالجة جذور الازمة الفكرية التي اورثتنا الخلاف والتآكل الداخلي، وايقاظ البعد الايماني في نفوس المسلمين بعد ان كاد يغيب عن حكم علاقاتنا وتوجيهها الوجهة الصحيحة بسبب من الفهم المعوج والممارسات المخطئة ومن ضغوط المجتمعات غير الاسلامية، ذلك ان حضور البعد الايماني وتحقق الفهم السليم هو الضمانة الحقيقية لشرعية علاقاتنا، والملاذ الاخير لتصفية خلافاتنا ونزع اغلال قلوبنا. فقد يكون نصيبنا من العلم والمعرفة ليس بالقليل. لكن المشكلة التي نعاني منها اليوم اننا افتقدنا الموجه الصحيح والمؤشر الضروري الذي يمنحنا السلامة ويكسبنا الصواب لهذا العلم وتلك المعرفة، اننا اكتسبنا المعرفة وافتقدنا خلقها، وامتلكنا الوسيلة وضيعنا الهدف والغاية، وما اكثر ما فوتت علينا خلافاتنا حول مندوب او مباح امر مفروضا او واجبا، لقد اتقنا فن الاختلاف وافتقدنا آدابه والالتزام باخلاقياته، فكان ان سقطنا فريسة التآكل الداخل والتنازع الذي اورثنا هذه الحياة الفاشلة وادى الى ذهاب الريح، قال تعالى:
«ولاتنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم» « الانفال: 26»
ولقد حذرنا الله تعالى من السقوط في علل اهل الاديان السابقة، وقص علينا تاريخهم للعبرة والحذر، فقال:
«ولاتكونوا من المشركين، من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا. كل حزب بما لديهم فرحون»«الروم:31ـ32».
واعتبر الاختلاف الذي يسبب الافتراق والتمزق ابتعادا عن أي هدي للنبوة او انتساب لرسولها صلى الله عليه وسلم حين قال تعالى:
«ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء….»«الانعام:159».
ذلك ان اهل الكتاب لم يؤتوا من قلة علم وضآلة معرفة، وانما كان هلاكهم لانهم وظفوا ما عندهم من علوم ومعارف للبغي بينهم، قال تعالى:«وما اختلف الذين اوتوا الكتاب الا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم…»«آل عمران:19».
فهل ورثنا علل اهل الكتاب بدل ان نرث الكتاب؟ وهل ورثنا البغي بدل ان نرث العلم والمعرفة ونلتزم باخلاقهما؟ان الاختلاف والبغي وتفريق الدين من علل اهل الكتاب التي كانت سببا في هلاكهم ونسخ اديانهم وبقاء قصصهم وسائل ايضاح للدرس والعبرة لمن ورثوا الكتاب والنبوة، ذلك انه لاسبيل للاستبدال والنسخ في عالم المسلمين، وهم اصحاب الرسالة الخاتمة، وانما هي الامراض التي لاتقضي على الجسم نهائيا، فاما ان تستمر فتعيش الامة حالة الوهن الذائب، واما ان تعالج فيكون التصويب، وتكون المعافاة، ويكون النهوض وايقاف التآكل الداخلي،وهذا من خصائص الرسالة الخاتمة. ان ما يعانيه عالم المسلمين اليوم لايخرج عن ان يكون اعراضا للمشكلة الثقافية وخللا في البنية الفكرية التي يعيشها العقل المسلم، وآثارا للازمة الاخلاقية التي يعاني منها السلوك المسلم،وما من سبيل الى خروج الا بمعالجة جذور الازمة الفكرية وتصويب الفهم واعادة صياغة السلوك الخلقي، كضمانة ضرورية، والا كنا كالذي يضرب في حديد بارد. ولاشك ان الاختلاف في وجهات النظر وتقدير الاشياء والحكم عليها امر فطري طبيعي، له علاقة بالفروق الفردية الى حد بعيد،اذ يستحيل بناء الحياة وقيام شبكة العلاقات الاجتماعية بين الناس اصحاب القدرات الواحدة والنمطية الواحدة، ذلك ان الاعمال الذهنية والعملية تتطلب مهارات متفاوتة، وكأن حكمة الله تعالى اقتضت ان يكون بين الناس بفروقهم الفردية سواء أكانت خلقية ام مكتسبة بين الاعمال في الحياة تواعد والتقاء، وكل ميسر لما خلق له، وعلى ذلك فالناس مختلفون، والمؤمنون درجات، فمنهم الظالم لنفسه، ومنهم المقتصد، ومنهم السابق بالخيرات الخ…«ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة ولا يزالون مختلفين»«هود:118».

(1/2)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية