الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : زهر الأكم في الأمثال و الحكم
    المؤلف : اليوسي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

و هذا الشعر ينسبه الناس لامرئ القيس، وهو في ديوانه وقبله:
ألا إلاّ تكن ابل فمعزى ... كأن قرون جلتها العصي
وجاد لها الربيع بواقصاتٍ ... فآرام وجاد لها الولي
إذا مشت حوالبها أرنت ... كأن القوم صبحهم نعي
فتوسع أهلها أقطا وسمنا ... وحسبك من غنى وشبع وري
و سبب قوله ذلك أنَّ بني النبهان، لمّا لم يقدروا أنَّ يفتكوا له إبله التي أخذتها جذيلة وأخذت منهم رواحله التي ركبوها في رد الإبل، استحيوا من ذلك فوهبوا له المعزى التي وصفها. وكان الأصمعي ينكر نسبة هذا الشعر لامرئ القيس ويقول: امرؤ القيس لا يقول مثل هذا، واحسبه للحطيئة. وسبب إنكاره قوله: وحسبك من غنى شبع وري، فإن هذا مناف لحال امرئ القيس ولمّا كان يقول في شعره من أنَّ مطلوبه الملك، لا ما دونه، كقوله:
ولو إنّما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال
ولكنما أسعى لمجد مؤثلٍ ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
قلت: وأنت خبير بأنه، مع حالته هذه، لا بعد في أنَّ يقول لوجهين: أحدهما أنَّ يقوله استهزاء ببني نبهان، حيث أغير عليه في جوارهم، ثم ركبوا رواحله في رد إبله، فانتزعت منهم زيادة على ما ذهب من الإبل ، فوقعوا في هوان عظيم وذله وصغار. ثم لم ينتصروا وجعلوا يعطونه معزى عن الإبل العكر والرواحل النجب، فعظم أمر المعزى ضحكا منهم، وذلك هجاهم حيث يقول:
فدع عنك نهبا صيح في حجراته ... ولكن حديثا ما حديث الرواحل!
كأن دثار حلقت بلبونه ... عقاب تنوفى لا عقاب القواعل
وأعجبني مشي الخزقة خالدٍ ... كمشي أتان حلئت في المناهل
خالد هذا هو الذي مشى في ردها فانتزعت منه الرواحل.
الثاني إنَّ يريد ظاهره، وهو إنّها كافية، قائمة مقام الإبل الذاهبة شبعا وريا. ولا يعني إنَّ ذلك منيته وبغيته من الدنيا، وإنَّ ذلك كاف من يطلب العيش، ولا يعني نفسه.
وقال نصيب:
وقال رجال: حسبه من طلابها ... فقلت: كذبتم ليس لي دونها حسب!
و قبل هذا البيت قوله:
بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب ... وقل إنَّ تمثيلنا ملك القلب
وقل: إنَّ ننل بالود منك محبة ... فلا مثل ما لاقيت في حبكم حب
وقل في تجنيها: لك الذنب إنّما ... عتابك من عاتبت فيما له عتب
فمن شاء رام الصرم أوقال ظالما ... لذي وده ذنب وليس له ذنب
خليلي من كعب ألما هيتما ... بزينب لا تفقدكما أبدا كعب
من اليوم زوارها فإن ركبنا ... غداة غدٍ عنها وعن أهلها نكب
وقولا لها: يا أم عثمان خلتي ... أسلم لنا في حبنا أنت أم حرب؟
وقال رجال: حسبه من طلابها " البيت " وكان جرير يقول: " وددت أني سبقت أبن السوداء إلى هذه الأبيات! " يعني نصيبا.
وقال الأعرابي:
وحسبك من خمر يفوتك ريقها ... ووالله ما من ريقها حسبك الخمر!
و لهذا الشعر حطاية ظريفة عن بعض أصحاب الأصمعي قال: ما رأيت كأعرابي وقف علينا وسلم وقال: أيكم الأصمعي؟ فقال له: هاأنا ذا! قال: أنت الذي يزعم هؤلاء انك أعرفهم بالشعر؟ قال: فمن هو اعلم مني؟ قال: أنشدوني من شعر أهل الحضر حتى أريه من شعرنا، فأنشده شعراً قيل في مسلمة بن عبد الملك:
أمسلم أنت البحر إنَّ جاء واردٌ ... وليث إذا ما الحرب طار عقابها
وأنت كسيف الهندواني إنَّ غدت ... حوادث من حرب يعب عبابها
ولا خلقت أكرومة في امرئ له ... ولا غاية إلاّ إليك مآبها
كأنك ديدان عليها موكل ... بها وعلى كفيك يجري حسابها
إليك رحلنا العيس إذ لم نجد لها ... أخاثقةٍ يجرى لديه ثوابها
فتبسم الأعرابي وهز رأسه، فظننا إنّه استحسن الشعر، ثم قال: هذا شعر مهلهل النسج، خطؤه من صوابه: تشبهون الملك بالأسد، والأسد أبخر قبيح المنظر، وبالبحر، والبحر مر صعب، وبالسيف، وربما خان ونبا. هلا أنشدتموني كما قال صبي منا؟ فقال له الأصمعي: ما قال؟ فأنشد:
إذا سألت الورى عن كل مكرمةٍ ... لم يعز أكرمها إلاّ إلى الهول
فتى جواد أذاب المال نائله ... فالنيل يشكوا لديه كثرة النيل
والموت يكره إنَّ يلقى منيته ... في كره عند لف الخيل بالخيل

(1/192)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية