الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : نقد الشعر
    المؤلف : قدامة بن جعفر
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

رب يسر لإتمامه
قل أبو الفرج قدامة بن جعفر: العلم بالشعر ينقسم أقساماً، فقسم ينسب إلى علم عروضه ووزنه، وقسم ينسب إلى علم قوافيه ومقاطعه، وقسم ينسب إلى علم غريبه ولغته، وقسم ينسب إلى علم معانيه والمقصد به، وقسم ينسب إلى علم جيده ورديئه.
وقد عني الناس بوضع الكتب في القسم الأول وما يليه إلى الرابع عناية تامة، فاستقصوا أمر العروض والوزن، وأمر القوافي والمقاطع، وأمر الغريب والنحو، وتكلموا في المعاني الدال عليها الشعر، وما الذي يريد بها الشاعر.
ولم أجد أحداً وضع في نقد الشعر وتخليص جيده من رديئه كتاباً، وكان الكلام عندي في هذا القسم أولى بالشعر من سائر الأقسام المعدودة، لأن علم الغريب والنحو وأغراض المعاني محتاج إليه في أصل الكلام العام للشعر والنثر، وليس هو بأحدهما أولى منه بالآخر، وعلما الوزن والقوافي، وإن خصا الشعر وحده، فليست الضرورة داعية إليها، لسهولة وجودهما في طباع أكثر الناس من غير تعلم، ومما يدل على ذلك أن جميع الشعر الجيد المستشهد به إنما هو لمن كان قبل واضعي الكتب في العروض والقوافي. ولو كانت الضرورة إلى ذلك داعية لكان جميع هذا الشعر فاسداً أو أكثره، ثم ما نرى أيضاً من استغناء الناس عن هذا العلم فيما بعد واضعيه إلى هذا الوقت، فإن من يعلمه ومن لا يعلمه ليس يعول في شعر إذا أراد قوله إلا على ذوقه دون الرجوع إليه، فلا يتوكد عند الذي يعلمه صحة ذوق ما تزاحف منه بأن يعرضه عليه، فكان هذا العلم مما يقال فيه: إن الجهل به غير ضائر، وما كانت هذه حاله فليست تدعو إليه ضرورة.
فأما علم جيد الشعر من رديئه، فإن الناس يخبطون في ذلك منذ تفقهوا في العلم، فقليلاً ما يصيبون.
ولما وجدت الأمر على ذلك، وتبينت أن الكلام في هذا الأمر أخص بالشعر من سائر الأسباب الأخر، وأن الناس قد قصروا في وضع كتاب فيه، رأيت أن أتكلم في ذلك بما يبلغه الوسع، فأقول:
الفصل الأول
حد الشعر
إن أول ما يحتاج إليه في العبارة عن هذا الفن: معرفة حد الشعر الحائز له عما ليس بشعر، وليس يوجد في العبارة عن ذلك أبلغ ولا أوجز - مع تمام الدلالة - من أن يقال فيه: إنه قول موزون مقفى يدل على معنى.
فقولنا: قول: دال على أصل الكلام الذي هو بمنزلة الجنس للشعر.
وقولنا: موزون: يفصله مما ليس بموزون، إذ كان من القول موزون وغير موزون.
وقولنا: مقفى: فصل بين ماله من الكلام الموزون قواف، وبين ما لا قوافي له ولا مقاطع.
وقولنا: يدل على معنىً: يفصل ما جرى من القول على قافية ووزن مع دلالة على معنى مما جرى على ذلك من غير دلالة على معنى.
فإنه لو أراد مريد أن يعمل من ذلك شيئاً كثيراً على هذه الجهة لأمكن وما تعذر عليه.
فإذ قد تبين أن كذلك، وأن الشعر هو ما قدمناه، فليس من الاضطرار إذن أن يكون ما هذه سبيله جيداً أبداً ولا رديئاً أبداً، بل يحتمل أن يتعاقبه الأمران، مرة هذا، وأخرى هذا، على حسب ما يتفق، فحينئذ يحتاج إلى معرفة الجيد وتمييزه من الرديء.
صناعة الشعر
ولما كانت للشعر صناعة، وكان الغرض في كل صناعة إجراء ما يصنع ويعمل بها على غاية التجويد والكمال، غذ كان جميع ما يؤلف ويصنع على سبيل الصناعات والمهن، فله طرفان: أحدهما غاية الجودة، والآخر غاية الرداءة، وحدود بينهما تسمى الوسائط، وكان كل قاصد لشيء من ذلك فإنما يقصد الطرف الأجود، فإن كان معه من القوة في الصناعة ما يبلغه إياه، سمي حاذقاً تام الحذق، وإن قصر عن ذلك نزل له اسم بحسب الموضع الذي يبلغه في القرب من تلك الغاية والبعد عنها، كان الشعر أيضاً، إذ كان جارياً على سبيل سائر الصناعات، مقصوداً فيه وفي ما يحاك ويؤلف منه إلى غاية التجويد، فكان العاجز عن هذه الغاية من الشعراء إنما هو من ضعفت صناعته.
صفات الشعر
فإذ قد صح أن هذا على ما قلناه، فلنذكر الصفات التي إذا اجتمعت في الشعر كان في غاية الجودة، وهو الغرض الذي تنتحيه الشعراء بحسب ما قدمناه من شريطة الصناعات، والغاية الأخرى المضادة لهذه الغاية، التي هي نهاية الرداءة.

(1/1)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية