الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : العمدة في محاسن الشعر وآدابه
    المؤلف : ابن رشيق القيرواني
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

فالتزم اللام في القصيدة كلها أو في أكثرها؛ اتساعاً، ولو غير كما فعل ذو الرمة في قوله:
أما استحلبت عينيك إلا محلة ... بجمهور حزوي أو بجرعاء مالك
أناخت روايا كل دلو به بها ... وكل سماكي أجش المبارك
لم يكن عيباً؛ لأن الكاف روي وصلتها الياء التي بعدها في اللفظ، والدخيل راء المبارك ولام مالك وقد التزمه كثير كأن القافية عنده لاميه مردفة، فالكاف مقام الهاء صلة على المجاز لا على الحقيقة، وقال كثير في المردف:
على ابن أبي العاص دلاص حصينة ... أجاد المسدي سردها وأذالها
فاللام روي، والألف التي قبلها ردف، والهاء صلة، والألف التي بعدها خروج، ولا يجوز أن يقال لهذه القافية مؤسسة؛ لأن الهاء إذا تحرك ما قبلها وليست من نفس الكلمة لم تكن إلا صلة، وإذا كانت الهاء صلة لم تكن اللام إلا روياً، ولا يجوز تغييرها.
وجميع ما يلحق القوافي من الحروف والحركات ستة أحرف وست حركات، فالأحرف: الروي، والردف، والتأسيس، والوصل، والخروج، والدخيل؛ والحركات: الإطلاق، والحذو، والرس، والتوجيه، والنفاذ، والإشباع، والذي يجتمع منها في قافية واحدة خمسة أحرف، وهي: التأسيس، والروي، والصلة، والخروج، والدخيل؛ وكلها يلزم تكراره بعينه إلا الدخيل، وأربع حركات، وهي: الرس، والإشباع، والإطلاق، والنفاذ، وذلك مثل قول الشاعر:
يوشك من فز من منيته ... في بعض غراته يوافقها
ولا يجتمع في قافية الحذو والرس، كما لا يجتمع الردف والتأسيس، وكذلك لا يجتمع أيضاً التوجيه والإشباع، فيسقط التوجيه إذا كان المؤسس مطلقاً، ويسقط الإشباع إذا كان المؤسس مقيداً.
وقد أنكر الجرمي والأخفش وأصحابهما على الخليل تسمية الرس، وقالوا: لا معنى لذكر هذه الفتحة؛ لأن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحاً، وإنما احتيج إلى ذكر الحذو قبل الردف لأن الحذو قد يتغير فيكون مرة فتحة قبل ألف ومرة كسرة قبل ياء ومرة ضمة قبل واو.. ومما يجب أن يراعى في هذا الباب الإقواء، والإكفاء، والإيطاء، والسناد، والتضمين؛ فإنها من عيوب الشعر.
فأما الإقواء والإكفاء فاختلف العلماء فيهما وفي اشتقاقهما.. وأما السناد والإيطاء فاتفقوا فيما دون اشتقاقهما.
وعند أكثر العلماء: اختلاف إعراب القوافي إقواء، وهو غير جائز لمولد، وإنما يكون في الضم والكسر، ولا يكون فيه فتح، هذا قول الحامض.. وقال ابن جني: والفتح فيه قبيح جداً، إلا أن أبا عبيدة ومن قال بقوله كابن قتيبة يسمون هذا إكفاء، والإقواء عندهم: ذهاب حرف أو ما يقوم مقامه من عروض البيت، نحو قول الشاعر وهو بجير بن زهير بن أبي سلمى:
كانت علالة يوم بطن حنين ... وغداة أوطاس ويوم الأبرق
واشتقاقه عندهم فيما روى النحاس من أقوت الدار إذا خلت كأن البيت خلا من هذا الحرف. وقال غيره: إنما هو من أقوى الفاتل حبله إذا خالف بين قواه فجعل إحداهن قوية والأخرى ضعيفة، أو ممرة والأخرى سحيلة، أو بيضاء والأخرى سوداء، أو غليظة والأخرى دقيقة، أو انحل بعضها دون بعض أو انقطع، وهذا يسميه الخليل المقعد، وهو من باب الوزن، لا من باب القافية، والجمهور الأول من العلماء على خلاف رأي أبي عبيدة في الإقواء.
وأما الإكفاء فهو الإقواء بعينه عند جلة العلماء: كأبي عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، ويونس بن حبيب، وهو قول أحمد بن يحيى ثعلب، وأصله من أكفأت الإناء إذا قلبته، كأنك جعلت الكسرة مع الضمة وهي ضدها، وقيل: من مخالفة الكفوة صواحبها، وهي النسيجة من نسائج الخباء تكون في مؤخره، فيقال: بيت مكفأ، تشبيهاً بالبيت المكفأ من المساكن إذ كان مشبهاً به في كل أحواله.. قال الأخفش البصري: الإكفاء القلب، وقال الزجاجي وابن دريد: كفأت الإناء إذا قلبته، وأكفأته إذا أملته، كأن الشاعر أمال فمه بالضمة فصيرها كسرة، إلا أن ابن دريد رواهما أيضاً بمعنى قلبته شاذاً، وقيل: بل من المخالفة في البناء والكلام، يقال أكفأ الباني إذا خالف في بنائه، وأكفأ الرجل في كلامه إذا خالف نظمه فأفسده، قال ذو الرمة:
ودوية قفر ترى وجه ركبها ... إذا ما علوها مكفأ غير ساجع
وقال المفضل الضبي: الإكفاء اختلاف الحروف في الروي، وهو قول محمد بن يزيد المبرد، وأنشد:

(1/53)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية