الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : العمدة في محاسن الشعر وآدابه
    المؤلف : ابن رشيق القيرواني
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

فإنه ثقيل من أجل بوزع.
وأنكر هذه اللفظة عبد الملك بن مروان على جرير، فما ظنك بالسيد الحميري؟ وكلما كانت اللظة أحلى كان ذكرها في الشعر اشهى، اللهم إلا أن يكون الشاعر لم يزور الاسم، وإنما قصد الحقيقة لا إقامة الوزن؛ فحينئذ لا ملامة عليه، ما لم يجد في الكنية مندوحة..
وقال يزيد بن أم الحكم:
أمسى بأسماء هذا القلب معموداً ... إذا أقول صحا يعتاده عيدا
كان أحور من غزلان ذي بقر ... أهدى لعائشة العينين والجيدا
على أن بعضهم رواه " أهدى لها شبه العينين " وهو أجود لا محالة، ومثل هذا كثير في أشعار القدماء، ولست أرى مثله من عمل المحدثين صواباً، ولا علمته وقع لأحد منهم، إلا ما ناسب قول السيد المتقدم آنفاً، وقول أبي تمام الطائي:
وإن رحلت في ظعنهم وحدوجهم ... زيانب من أحبابنا وعواتك
ومن عيوب هذا الباب أن يكثر التغزل ويقل المديح، كما يحكى عن شاعر أتى نصر بن سيار بأرجوزة فيها مائة بيت نسيباً وعشرة أبيات مديحاً، فقال له نصر: والله ما أبقيت كلمة عذبة ولا معنى لطيفاً إلا وقد شغلته عن مديحي بنسيبك، فإن أردت مديحي فاقتصد في النسيب، فغدا عليه فأنشده:
هل تعرف الدار لأم عمرو؟ ... دع ذا وحبر مدحة في نصر
فقال نصر: لا هذا ولا ذاك، ولكن بين الأمرين.
فأما مذهبه الأول في طول النسيب وقصر المديح فإن نصيباً اتبعه فيه، ولكن ذاك منه إنما كان على اقتراح في القصيدة التي مدح بها بني جبريل، وأما المذهب الثاني فانتحله أبو الطيب في قوله:
واحر قلباه ممن قلبه شبم ... ومن بجسمي وحالي عنده سقم
ثم خرج إلى المدح في البيت الثاني.
ويعاب على الشاعر أن يفتخر أو يتعاطى فوق قدره، كما أخذ على عباس قوله:
فإن تقتلوني لا تفوتوا بمهجتي ... مصاليت قومي من حنيفة أو عجل
وعيب على الفرزدق وهو صميم بني تميم قوله:
يا أخت ناجية بن سامة إنني ... أخشى عليك بني إن طلبوا دمي
اللهم إلا أن يكون النسيب الذي يصنع مجازاً كالذي في بسط القصائد، فإن ذلك لا بأس به، ولا مكروه فيه.
وسمع ابن أبي عتيق قول ابن أبي ربيعة المخزومي:
بينما ينعتنني أبصرنني ... دون قيد الميل يعدو بي الأغر
قالت الكبرى: أتعرفن الفتى؟ ... قالت الوسطى: نعم، هذا عمر
قالت الصغرى وقد تيمتها: ... قد عرفناه، وهل يخفى القمر!؟
فقال له: أنت لم تنسب بهن، وإنما نسبت بنفسك، وإنما كان ينبغي لك أن تقول: قالت لي فقلت لها، فوضعت خدي فوطئت عليه.
وكذلك قال له كثير لما سمع قوله:
قالت لها أختها تعاتبها ... لا تفسدن الطواف في عمر
قومي تصدي له لأبصره ... ثم اغمزيه يا أخت في خفر
قالت لها: قد غمزته فأبى ... ثم اسبطرت تشتد في أثري
أهكذا يقال للمرأة؟؟ إنما توصف بأنها مطلوبة ممتنعة.
قال بعضهم أظنه عبد الكريم : العادة عند العرب أن الشاعر هو المتغزل المتماوت، وعادة العجم أن يجعلوا المرأة هي الطالبة والراغبة المخاطبة، وهنا دليل كرم النجيزة في العرب وغيرتها على الحرم.
وعاب كثير على نصيب قوله:
أهيم بدعد ما حييت، فإن أمت ... فيا ليت شعري من يهيم بها بعدي
حتى إنه قال له: كأنك اغتممت لمن يفعل بها بعدك، وهو لا يكنى..
ومثل هذه الحكاية ما قاله بعض الكتاب وقد دخل على علي بن عبد الله بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وهو محبوس فقال: أين هذا الجعفري الذي يتديث في شعره؟ قال علي: فعلمت أنه يريدني لقولي:
ولما بدا لي أنها لا تحبني ... وأن هواها ليس عني بمنجلي
تمنيت أن تهوى سواي، لعلها ... تذوق صبابات الهوى فترق لي
فما كان إلا عن قليل وأشغفت ... بحب غزال أدعج الطرف أكحل
وعذبها حتى أذاب فؤادها ... وذوقها طعم الهوى والتذلل
فقلت لها: هذا بهذا، فأطرقت ... حياء، وقالت: كل من عايب ابتلي
فقلت: أنا هو جعلت فداك، وأنا الذي أقول في الغيرة:

(1/151)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية