الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : التذكرة الحمدونية
    المؤلف : ابن حمدون
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

لما حلف محمد الأمين للمأمون في البيت الحرام، وهما وليا عهد، طالبه جعفر بن يحيى بأن يقول: خذلني الله إن خذلته، فقال ذلك ثلاث مرات. قال الفضل بن الربيع، قال لي في ذلك الوقت عند خروجه من بيت الله: يا أبا العباس هو ذا أجد في نفسي أن أمري لا يتم، فقال له: ولم ذاك أعز الله الأمير؟ قال: لأني كنت أحلف وأنا أنوي الغدر، فقلت: سبحان الله في مثل هذا الموضع؟ فقال لي: هو ما قلت لك.
قال مسرور الكبير: دخلت على الرشيد بعد أن قتل جعفر بن يحيى، وقد خرج من مرقده وهو يريد الخلاء، فلما رآني أمر بكرسي فطرح وجلس عليه ثم قال: إني سائلك عن أمر فلا تطول علي فإني أريد الطهور، ولست أبرح أو تخبرني بما أسألك عنه، فقلت له: ليسأل أمير المؤمنين عما أحب، قال: أخبرني عما وجدته من المال والجوهر للبرامكة، فقلت له: ما وجدت شيئاً من ذلك لهم، فقال: وكيف وقد نهبوا مالي وذهبوا بخزائني؟ فقلت له: أنفقوه في المكارم، وأصيب لهم من الجوهر ما لا يشبه أمثالهم، قال لي: فما يقول الناس فينا؟ فقلت: الله الله في أمري، فقال: مالك؟ قلت: الصدق يغضبك، وكان استحلفني ورشيداً والحسين الخادمين أن نصدقه عن كل شيء يسألنا عنه، فخفت أن أصدقه فلا يعجبه، لأني كنت قد صدقته عن شيء من أمر الحرم فغضب وحجبني أربعين يوماً، فأذكرته بذلك فقال: كان ذلك مني غلطة ولن أعود لمثلها. فقلت له: يقول الناس لم تف لهم، وانك طمعت في أموالهم، قال: فأي شيء حصلت منها؟ قلت: ضياعهم هي مال، فقال: البس سيفك وأحضرني يحيى بن خالد فأقمه وراء الستر، فقلت في نفسي: إنا لله وإنا إليه راجعون، ماذا صنعت؟ قتلت ابنه وأقتله؟ ثم أحضرت يحيى، فلما خرج الرشيد من الخلاء قال لي: اخرج إليه فقل له ما حملك على أن حملت إلى يحيى بن عبد الله بالديلم مائتي ألف دينار؟ فقلت له ذاك، فقال: أليس قد صفحت عن هذا؟ فقال لي: أو يصفح الإنسان عن دمه؟ فقلت له ذاك، فقال: أردت أن تقوى شوكة يحيى بن عبد الله فيظفر به الفضل بعد قوته فيكون أحظى له عندك، قال فقلت له: فما كان يؤمنك أن يقوى فيقتل الفضل ويقتلني؟ وما حملك على أن حملت إلى أحمد بن عيسى بن زيد بالبصرة مع غلامك رباح سبعين ألف دينار؟ فقلت له ذاك، فقال، قل له: أفليس قد صفحت عن ذلك؟ فقال: أو يصفح الإنسان عن دمه؟ ثم قال: قل له: أنت تعلم موقع عيالي مني، وطلبت منك وأنا بالبصرة ألف ألف درهم فقلت لي: إن أخذت منها درهماً واحداً لهذا الشأن ذهبت هيبتك، فأمسكت، فأخذت أنت منها ألف ألف وخمسماية ألف ففرقتها في عيالك، واحتلت أنا بقرض تولاه يونس ما فرقته فيهم، ثم قال لي: قل له كذا وقل له كذا حتى عد أربعة عشر شيئاً، ثم أمرني برده إلى محبسه وقال: يا مسرور، يقول الناس إني ما وفيت؟ فقلت: يا أمير المؤمنين ما أحب أن تستجهلني فقال: وكيف؟ قلت: كيف لك بأن يعلم الناس كعلمي، لبودي أنهم علموا ذلك، على أني أعلم أنه لو نودي فيهم دهراً من الدهور ما حفظوه.
خرج سليمان بن عبد الملك ومعه يزيد بن المهلب إلى بعض جبابين الشام، وإذا امرأة جالسة عند قبر تبكي، فجاء سليمان فرفعت البرقع عن وجهها، فجلت شمساً عن متون غمامة، فوقفا متعجبين ينظران إليها، فقال لها يزيد بن المهلب: يا أمة الله هل لك في أمير المؤمنين بعلاً؟ فنظرت إليهما ثم نظرت إلى القبر فقالت: من الطويل
فلا تسألاني عن هواي فإنه ... بحوماء هذا القبر يا فتيان
وإني لأستحييه والترب بيننا ... كما كنت أستحييه وهو يراني
كانت عند الحسن بن الحسن بن علي امرأة، فضجر يوماً وقال: أمرك في يدك، فقالت: أما والله لقد كان في يدك عشرين سنة فحفظته، أفأضيعه في ساعة صار في يدي؟! قد رددت إليك حقك، فأعجبه قولها وأحسن صحبتها.

(1/294)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية