الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : التذكرة الحمدونية
    المؤلف : ابن حمدون
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

قال أبو عبيدة: لما أتى زياد بن عمرو المعني المربد في عقب قتل مسعود بن عمرو العتكي جعل في الميمنة بكر بن وائل، وفي الميسرة عبد القيس، وهم لكيز بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة، وكان زياد بن عمرو في القلب، فبلغ ذلك الأحنف فقال: هذا غلام حدث شأنه الشهرة، وليس يبالي أين قذف بنفسه، فندب أصحابه فجاءه حارثة بن بدر الغداني فجعله في بني حنظلة بحذاء بكر بن وائل، وجعل سعداً والرباب في القلب، ورئيسهم عبس ابن طلق الطعان المعروف بأخي كهمس وهو أحد بني صريم بن يربوع بحذاء الأزد، وجعل عمرو بن تميم بحذاء عبد القيس، فلما تواقفوا بعث إليهم الأحنف: يا معشر الأزد وربيعة من أهل البصرة، أنتم والله أحب إلينا من تميم الكوفة، جيراننا في الدار، ويدنا على عدونا، وأنتم بدأتمونا بالأمس ووطئتم حرمنا، وحرقتم علينا، فدفعنا عن أنفسنا ولا حاجة لنا في الشر ما أصبنا في الخير مسلكاً، فتيمموا بنا طريقة قاصدة. فوجه إليه زياد بن عمرو: تحير خلة من ثلاث: إن شئت فأنزل أنت وقومك على حكمنا، وإن شئت فخل لنا عن البصرة وارحل أنت وقومك إلى حيث شئتم، وإلا فدوا قتلانا واهدروا دماءكم وليؤد مسعود دية المشعرة. قوله: دية المشعرة يريد أمر الملوك في الجاهلية، وكان الرجل إذا قتل وهو من أهل بيت المملكة ودي عشر ديات. فبعث إليه الأحنف: سنختار، فانصرفوا في يومكم، فهز القوم راياتهم وانصرفوا، فلما كان من الغد بعث إليهم: إنكم خيرتمونا خلالاً ليس فيها خيار، أما النزول على حكمكم فكيف يكون والكلم يقطر دماً، وأما ترك ديارنا فهو أخو القتل، قال الله عز وجل: " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو أخرجوا من دياركم " " النساء: 66 " ولكن الثالثة إنما هي حمل على المال، فنحن نبطل دماءنا وندي قتلاكم، وإنما مسعود رجل من المسلمين، وقد أذهب الله عز وجل أمر الجاهلية. فاجتمع القوم على أن يقضوا أمر مسعود، ويغمد السيف، ويودى سائر القتلى من الأزد وربيعة، فتضمن ذلك الأحنف ودفع إياس بن قتادة المجاشعي رهينة حتى يؤدى هذا المال، فرضي به القوم، ففخر بذلك الفرزدق فقال: من الطويل
ومنا الذي أعطي يديه رهينة ... لغاري معد يوم ضرب الجماجم
عشية سال المربدان كلاهما ... عجاجة موت بالسيوف الصوارم
هنالك لو تبغي كليباً وجدتها ... أذل من القردان تحت المناسم
ويقال إن تميماً في ذلك الوقت اجتمعت مع باديتها وحلفائها من الأساورة والزط والسيابجة وغيرهم فكانوا زهاء سبعين ألفاً. قال الأحنف: فكثرت الديات علي فلم أجدها في حاضرة تميم، فخرجت نحو يبرين فسألت عن المقصود هناك فأرشدت إلى قبة، فإذا شيخ جالس بفنائها مؤتزر بشملة محتب بحبل، فسلمت عليه وانتسبت له فقال: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقلت توفي صلوات الله عليه. قال: فما فعل عمر بن الخطاب رحمه الله الذي كان يحفظ العرب ويحوطها؟ قلت: مات رحمه الله، قال: فأي خير في حاضرتكم بعدهما؟ قال: فذكرت له الديات التي لزمتنا للأزد وربيعة قال، فقال: أقم، فإذا راع قد أراح عليه ألف بعير فقال: خذها، ثم أراح عليه آخر مثلها فقال: خذها، فقلت لا أحتاج إليها، قال: فانصرفت بالألف من عنده ولا أدري من هو إلى الساعة.

(1/164)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية