الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : التذكرة الحمدونية
    المؤلف : ابن حمدون
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

دخل عمارة بن حمزة على المنصور فقعد في مجلسه، وقام رجل فقال: مظلوم يا أمير المؤمنين، قال: ومن ظلمك؟ قال: عمارة غصبني ضيعتي، فقال المنصور: يا عمارة قم فاقعد مع خصمك، فقال: ما هو لي بخصم، إن كانت الضيعة له فلست أنازعه، وإن كانت لي فهي له، ولا أقوم من مجلس قد شرفني أمير المؤمنين بالرفعة إليه لأقعد في أدنى منه بسبب ضيعة.
وجرى بين الرشيد وزبيدة وقيل: بل كان بين أبي العباس السفاح وأم سلمة، وهو الأشبه نزاهة نفس عمارة وكبره، فقالت له: ادع به وهب له سبحتي هذه، فإن شراءها خمسون ألف دينار، فإن ردها علمنا نزاهته، فوجه إليه فحضر، فحادثه ساعة ورمى إليه بالسبحة وقال: هي طرفة وهي لك، فجعلها عمارة بين يديه، فلما قام تركها، فقالت: أنسيها، فأتبعوه خادماً بالسبحة، فقال للخادم: هي لك، فرجع وقال: وهبها لي عمارة، فأعطت المرأة بها الخادم ألف دينار وأخذتها منه.
دخل الطرماح بن حكيم الطائي على خالد بن عبد الله القسري فقال له: أنشدني بعض شعرك فأنشده: من الطويل
وشيبني ألا أزال مناهضاً ... بغير غنىً أسمو به وأبوع
وإن رجال المال أضحوا، ومالهم ... لهم عند أبواب الملوك شفيع
فقال له خالد: لو كان لك مال ما كنت به صانعاً؟ قال: أسود به قومي، وأصون به عرضي، فأمر له بعشرين ألفاً.
كان المعتصم ينفق أمواله في جمع الرجال وابتياع الغلمان، وكان العباس بن المأمون مشغولاً بإتخاذ الضياع، فكان المأمون كلما نظر إلى المعتصم تمثل ببيتي أبي عبد الرحمن الأعمى الذي كان مع الحسن بن الحسين بن مصعب: من الكامل
يبني الرجال وغيره يبني القرى ... شتان بين مزارع ورجال
قلق بكثرة ماله وسلاحه ... حتى يفرقه على الأبطال
قيل: ما رئيت بنت عبد الله بن جعفر ضاحكة بعد أن تزوجها الحجاج، فقيل لها: تسليت فإنه أمر قد وقع، فقالت: كيف وبم؟ فو الله لقد ألبست قومي عاراً لا يغسل درنه بغسل. ولما مات أبوها لم تبك عليه، فقيل لها: ألا تبكين على أبيك؟ قالت: والله إن الحزن ليبعثني وإن الغيظ ليصمتني. ولما أهديت إلى الحجاج نظر إليها في تلك الليلة وعبرتها تجول في خدها فقال: مم تبكين؟ بأبي أنت؟ قالت: من شرف اتضع، ومن ضعة شرفت. ولما كتب عبد الملك إلى الحجاج بطلاقها قال لها: إن أمير المؤمنين أمرني بطلاقك، قالت: هو أبر بي ممن زوجك.
قيل ليزيد بن المهلب: ألا تبني داراً؟ فقال: منزلي دار الامارة.
وقيل للحسين بن حمدان في منزل بناه أخوه إبراهيم وأكثر من الإنفاق عليه، فقال: إنا لا ننزل إلا دار الإمارة والقبر، فأخذ المعنى أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان فقال: وهو في الأسر: من الكامل المجزوء
من كان مثلي لم يبت ... إلا أميراً أو أسيراً
ليست تحل سراتنا ... إلا القبور أو القصورا
قام رجل إلى الرشيد ويحيى بن خالد يسايره فقال: يا أمير المؤمنين أنا رجل من المرابطة، وقد عطبت دابتي، فقال: يعطى ثمن دابة خمسمائة درهم، فغمزه يحيى، فلما نزل قال: يا أبة أومأت إلي بشيء لم أفهمه، فقال: يا أمير المؤمنين مثلك لا يجري هذا المقدار على لسانه، إنما يذكر مثلك خمسة آلاف ألف إلى مائة ألف قال: فإذا سئلت مثل هذا كيف أقول؟ قال: تقول يشترى له دابة، يفعل به ما يفعل بأمثاله.
اهدي عبيد الله بن السري إلى عبد الله بن طاهر لما ولي مصر مائة وصيف مع كل وصيف ألف دينار، ووجه بذلك ليلاً، فرده وكتب إليه: لو قبلت هديتك ليلاً لقبلتها نهاراً " فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون " " النمل: 36 " . وكان المأمون قال لطاهر: أشر علي بإنسان يكفيني أمر مصر والشام، فقال له طاهر: قد أصبته، فقال: من هو؟ قال: ابني عبد الله خادمك وعبدك، قال: كيف شجاعته؟ قال: معه ما هو خير من ذلك، قال المأمون: وما هو؟ قال: الحزم، قال: فكيف سخاؤه؟ قال: معه ما هو خير من ذلك، قال: وما هو؟ قال: التنزه وظلف النفس، فولاه فعف عن إصابة خمسة آلاف ألف دينار.

(1/148)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية