الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : المحاسن والأضداد
    المؤلف : الجاحظ
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على رسوله، سيدنا محمد، وآله أجمعين.
قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، رحمه الله: إني ربما ألفت الكتاب المحكم المتقن في الدين، والفقه، والرسائل، والخطب، والخراج، والأحكام، وسائر فنون الحكمة، وأنسبه إلى نفسي، فيتواطأ على الطعن فيه جماعة من أهل العلم بالحسد المركب فيهم، وهم يعرفون براعته ونصاحته؛ وأكثر ما يكون هذا منهم إذا كان الكتاب مؤلفاً لملك معه المقدرة على التقديم، والتأخير، والحط، والرفع، والترهيب، والترغيب، فإنهم يهتاجون عند ذلك، اهتياج الإبل المغتلمة. فإن أمكنتهم الحيلة في إسقاط ذلك الكتاب عند السيد الذي ألف له، فهو الذي قصدوه وأرادوه، وإن كان السيد المؤلف فيه الكتاب تحريراً نقاباً، ونقريساً بليغاً، وحاذقاً فطناً، وأعجزتهم الحيلة، سرقوا معاني ذلك الكتاب، وألفوا من أعراضه وحواشيه كتاباً وأهدوه إلى ملك آخر، ومتوا إليه به، وهم قد ذموه وثلبوه لما رأوه منسوباً إلي، وموسوماً بي.
وربما ألفت الكتاب الذي هو دونه في معانيه وألفاظه، فأترجمه باسم غيري، وأحيله على من تقد مني عصره مثل ابن المقفع والخليل وسلم صاحب بيت الحكمة، ويحي بن خالد، والعتابي، ومن أشبه هؤلاء من مؤلفي الكتب، فيأتيني أولئك القوم بأعيانهم، الطاعنون على الكتاب الذي كان أحكم من هذا الكتاب، لاستنساخ هذا الكتاب وقراءته علي، ويكتبونه بخطوطهم، ويصيرونه إماماً يقتدون به ويتدارسونه بينهم، ويتأدبون به، ويستعملون ألفاظه ومعانيه في كتبهم وخطاباتهم، ويروونه عني لغيرهم من طلاب ذلك الجنس، فتثبت لهم به رياسة يأتم بهم قوم فيه، لأنه لم يترجم باسمي، ولم ينسب إلى تأليفي.
وهذا كتاب وسمته بالمحاسن والأضداد لم أسبق إلى نحلته، ولم يسألني أحد صنعه؛ ابتدأته بذكر محاسن الكتابة، والكتب، وختمته في ذكر شئ من محاسن الموت، والله يكلؤه من حاسد إذا حسد.
محاسن الكتابة والكتب
كانت العجم تقيد مآثرها بالبنيان والمدن والحصون، مثل بناء ازدشير وبناء اصطخر، وبناء المدائن والسدير، والمدن والحصون، ثم أن العرب شاركت العجم في البنيان، وتفردت بالكتب والأخبار، والشعر والآثار؛ فلها من البنيان غمدان، وكعبة نجران، وقصر مأرب، وقصر مارد، وقصر شعوب، والأبلق الفرد وغير ذلك من البنيان، وتصنيف الكتب أشد تقييداً للمآثر على ممر الأيام والدهور من البنيان، لأن البناء لا محالة يدرس، وتعفى رسومه، والكتاب باق يقع من قرن إلى قرن، ومن أمة إلى أمة، فهو أبداً جديد، والناظر فيه مستفيد، وهو أبلغ في تحصيل المآثر من البنيان، والتصاوير، وكانت العجم تجعل الكتاب في الصخور، ونقشاً في الحجارة، وخلقة مركبة في البنيان، فربما كان الكتاب هو الناتئ، وربما كان هو المحفور، إذا كان ذلك تاريخاً لأمر جسيم، أو عهداً لأمر عظيم، أو موعظة يرتجى نفعها، أو أحياء شرف يريدون تخليد ذكره، كما كتبوا على قبة غمدان وعلى باب القيروان، وعلى باب سمرقند، وعلى عمود مأرب، وعلى ركن المقشعر، وعلى الأبلق الفرد، وعلى باب الرها؛ يعمدون إلى المواضع المشهورة والأماكن المذكورة، فيضعون الخط في أبعد المواضع من الدثور، وأمنعها من الدروس. وأجدر أن يراه من مر به، ولا ينسى على وجه الدهور.

(1/1)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية