الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : محاضرات الأدباء
    المؤلف : الراغب الأصفهاني
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

الحد الأول
في العقل والعلم والجهل وما يتعلق بها
فمما جاء في العقل والحمق
وذم اتباع الهوى ما يحد به العقل وبنوه والحمق وذووه: قيل: العقل، الوقوف عند مقادير الأشياء قولاً وفعلاً. وقيل: النظر في العواقب، وقال المتكلمون: اسم لعلوم إذا حصلت للإنسان صح تكليفه. وقيل: العاقل من له رقيب على جميع شهواته. وقيل: من عقل نفسه عن المحارم، ولذلك لم يصح وصف الله تعالى به. والحمق قلة الإصابة ووضع الكلام في غير موضعه. وقيل: فقدان ما يحمد من العاقل.
مدح العقل وذم الحمق
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما اكتسب ابن آدم أفضل من عقل يهديه إلى هدى أو يرده عن ردى. وقيل: الحمق يسلب السلامة ويورث الندامة، والعقل وزير رشيد وظهير سعيد، من أطاعه أنجاه، ومن عصاه أرداه. وقيل: لو صوّر العقل لأضاء معه الليل، ولو صوّر الجهل لأظلم معه النهار؛ وقال المتنبي:
لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان
حاجة الفضائل إلى العقل
قيل: العقل بلا أدب فقر، والأدب بغير عقل حتف. وقيل: بلوغ شرف المنزلة بغير عقل إشفاء على الهلكة. وقيل: من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه كان حتفه في أغلب خصال الخير عليه.
ذم من له أدب بلا عقل
وصف أعرابي رجلاً فقال: هو ذو أدب وافر وعقل نافر.
فهبك أخا الآداب، أي فضيلة ... تكون لذي علم، وليس له عقل؟
وقيل: ازدياد الأدب عند الأحمق كازدياد الماء العذب في أصول الحنظل، كلما ازداد رياً ازداد مرارة.
حاجة العقل إلى الأدب
عاقل بلا أدب كشجاع بلا سلاح، العقل والأدب كالروح، والجسد بغير روح صورة، والروح بغير جسد ريح. وقيل: العقل بغير أدب كأرض طيبة خربة، وأن العقل يحتاج إلى مادة الحكمة كما تحتاج الأبدان إلى قوتها من الطعام.
ضياع العقل بفقد التقو:
قيل: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن إنسان عبادة قال كيف عقله؟ فإن قالوا عاقل قال: ما أخلقه أن يبلغ، وإن قالوا ليس بعاقل قال: ما أخلقه أن لا يبلغ. وقال الحسين: ثلاثة تذهب ضياعاً: دين بلا عقل، ومال بلا بذل، وعشق بلا وصل. وقيل: لا تعتدوا بعبادة من ليس له عقدة من عقل.
فضل اجتماعهما
قال معاوية لرجل حكيم مسن: أي شيء أحسن؟ فقال: عقل طلب به مروءة مع تقوى الله وطلب الآخرة.
عزة العقل
كل شيء إذا كثر رخص إلا العقل، فإنه كلما كثر كان أغلى ولو بيع لما اشتراه إلا العاقل لمعرفته بفضله، أول شرف العقل أنه لا يشترى بالمال.
قلة العقل وذويه:
قيل لبهلول: عدّ لنا المجانين: فقال: هذا يطول ولكني أعد العقلاء! ومثله وإن لم يكن من بابه: أن رجلاً كتب كتاباً وعرضه على آخر فقال فيه خطأ كثير، فقال الكاتب: علم على الخطأ لا صلحه. فقال: بل أعلم على الصواب فهو أسهل. وقيل لرجل: ما جماع العقل؟ فقال: ما رأيته مجتمعاً في أحد فأصفه، وما لا يوجد كاملاً لا يحد.
فضل مصاحبة العقلاء:
قال الزهري: إذا أنكرت عقلك فاقدحه بعاقل. وقال: عدوك ذو العقل أبقى عليك وأرعى من الرامق الأحمق.
تبرم العقلاء بصحبة الجهال:
قيل: العاقل بخشونة العيش مع العقلاء أسر منه بلين العيش مع السفهاء. وقيل: قطيعة الجاهل تعدل صحبة العاقل.
لم يبل ذو الجهل الذي ... دارت عليه صروف دهره
ببلية أشجى له ... من جاهل يزري بقدره
يمضي حكومته عليه ... بجهله وجواز أمره
النهي عن مصاحبة الجاهل:
قال لقمان: لا تعاشر الأحمق وإن كان ذا جمال، وأنظر إلى السيف ما أحسن منظره. وقال الجاحظ: لا تجالس الحمقى فإنه يعلق بك من مجالستهم من الفساد ما لا يعلق بك من مجالسة العقلاء دهراً من الصلاح، فإن الفساد أشد التحاماً بالطباع. وقيل: العاقل يضل عقله بمصاحبة الجاهل.
استعمال العقل والجهل مع ذويهما:
قيل: العاقل يعامل الإنسان على خليقته ويجاري الزمان على طريقته:
فكن أكيس الكيسى إذا كنت فيهم ... وإن كنت في الحمقى فكن مثل أحمق
أحامقه حتى يقال سجية ... ولو كان ذا عقل، لكنت أعاقله
ذم عاقل متجاهل:

(1/1)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية