الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : ثمرات الأوراق
    المؤلف : ابن حجة الحموي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

قيل لقيس بن سعد هل رأيت قط أسخى منك قال نعم نزلنا بالبادية على امرأة فجاء زوجها فقالت له: إنه نزل بنا ضيفان فجاء بناقة فنحرها وقال شأنكم فلما كان من الغد جاء بأخرى فنحرها وقال شأنكم فقلنا ما أكلنا من التي نحرت البارحة إلا القليل فقال إني لا أطعم ضيفاني الفائت فبقينا عنده أياماً والسماء تمطر وهو يفعل كذلك فلما أردنا الرحيل وضعنا مائة دينار في بيته وقلنا للمرأة أعتذري لنا إليه ومضينا فلما ارتفع النهار إذا برجل يصيح خلفنا قفوا فوقفنا فلما دنا منا قال خذوا دنانيركم فإني لا آخذ على إكرامي ثمناً وإن لم تأخذوها طعنتكم برمحي هذا فأخذناها وانصرفنا.
وكان يزيد بن المهلب من الأجواد الأسخياء وله أخبار في الجود عجيبة من ذلك ما حكاه عقيل بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال لما أراد يزيد بن المهلب الخروج إلى واسط أتيته فقلت أيها الأمير إنْ رأيت أن تأذن لي فأصحبك قال إذا قدمت واسط فائتنا إن شاء الله تعالى فسافر وأقمت فقال لي بعض إخواني أذهب إليه فقلت كان جوابه فيه ضعف قال أتريد من يزيد جواباً أكثر مما قال فسرت حتى قدمت عليه فلما كان في الليل دعيت إلى السمر فتحدث القوم حتى ذكروا الجواري فالتفت إليَّ يزيد وقال إيه يا عقيل فقلت:
أفاض القوم في ذكر الجواري ... فأمّا الأعزبون فلن يقولوا
قال إنك لا تبقى عزبا فلما رجعت إلى منزلي إذا أنا بخادم قد أتاني ومعه جارية وفرش بيت وبدرة عشرة آلاف درهم وفي الليلة الثانية كذلك فمكثت عشر ليالي وأنا على هذه الحالة فلما رأيت ذلك دخلت عليه في اليوم العاشر فقلت أيها الأمير قد والله أغنيت وأقنيت فإن رأيت أن تأذن لي في الرجوع فأكتب عدوي وأسِرُّ صديقي فقال إنما أخيِّرك بين خلَّتين إما أن تقيم فنوليك أو ترحل فنغنيك فقلت أو لم تغنني أيها الأمير قال إنما هذا أثاث المنزل ومصلحة القدوم فنالني من فضله ما لا أقدر على وصفه.
وحدث أبو اليقظان عن أبيه قال حج يزيد بن المهلب فطلب حلاقاً يحلق رأسه فجاءوه بحلاق فحلق رأسه فأمر له بخمسة آلاف درهم فتحير الحلاق ودهش وقال آخذ هذه الخمسة ألاف وأمضي إلى أم فلان أخبرها أني قد استغنيت فقال أعطوه خمسة آلاف أخرى فقال امرأتي طالق إن حلقت رأس أحد بعدك.
وقيل إن الحجاج حبسه على خراج وجب عليه مقداره مائة ألف درهم فجمعت له وهو في السجن فجاءه الفرزدق يزوره فقال للحاجب استأذن لي عليه فقال إنه في مكان لا يمكن الدخول عليه فيه فقال الفرزدق إنما أتيت متوجعا لما هو فيه ولم آت ممتدحاً فأذن له فلما أبصره قال:
أبا خالدٍ ضاقتْ خراسانُ بعدكُمُ ... وقال ذوو الحاجات أين يزيدَ
فما قطرتْ بالشرق بعدك قطرةٌ ... ولا أخضرّ بالمروين بعدك عود
وما لسرورٍ بعد عزّك بهجةٌ ... وما لجوادٍ بعد جودك جود
فقال يزيد للحاجب ادفع إليه المائة ألف درهم التي جمعت لنا ودع الحجاج ولحمي يفعل فيه ما يشاء فقال الحاجب للفرزدق هذا الذي خفت منه لما منعتك من دخولك عليه فأخذها وانصرف.
ومر يزيد بن المهلب عند خروجه من سجن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه بعجوز اعرابية فذبحت له عنزاً فقال لابنه ما معك من النفقة قال مائة دينار قال ادفعها إليها فقال هذه يرضيها اليسير وهي لا تعرفك قال إن كان يرضيها اليسير فأنا لا أرضى إلا الكثير وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي.
وقال أبو العيناء تذاكروا السخاء فاتفقوا على آل المهلب في الدولة المروانية وعلى البرامكة في الدولة العباسية ثم اتفقوا على أن أحمد بن داود أسخى منهم جميعاً وأفضل.
وسئل اسحق الموصلي عن سخاء أولاد يحيى بن خالد فقال أما الفضل فيرضيك فعله وأما جعفر فيرضيك قوله وأما محمد فيفعل بحسب ما يجد وفي يحيى يقول القائل:
سألت الندى هل أنت حرٌّ فقال لا ... ولكنّني عبدٌ ليحيى بن خالد
فقلتُ شراءً قال لا بل وراثةً ... توارثني عن والدٍ بعد والد
وفي الفضل يقول القائل:
سألت الندى والجود مالي أراكما ... تبدّلتما عزّاً بذلٍّ مؤبّدِ
وما بال ركن المجد أمسى مهدّماً ... فقالا أُصبنا بابن يحيى محمد

(1/176)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية