الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر
    المؤلف : ابن أبي الأصبع
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

والثاني أن ما لا إدماج في أجزائه من الترصيع يقع التسجيع منه في ثاني العروضين، ومن التسميط في أولهما، والله أعلم.
باب التصريع
التصريع على ضربين: عروضي، وبديعي، فالعروضي عبارة عن استواء عروض البيت وضربه في الوزن والإعراب والتقفية، بشرط أن تكون العروض قد غيرت عن أصلها لتلحق الضرب في زنته.
والبديعي استواء آخر جزء في الصدر، وآخر جزء في العجز في الوزن والإعراب والتفقيه، ولا يعتبر بعد ذلك أمر آخر، وهو في الأشعار كثير، لا سما في أول القصائد، وكثير ما يأتي في أثناء قصائد القدماء؛ ويندر مجيئة في أثناء قصائد المحدثين، ووقوعه في الأعشار دليل على غزر مادة الشاعر، وحكمه في الكثرة والقلة حكمن بقية أنواع البديع، إذ كل ضرب من البديع متى كثر في شعر سمج، كما لا يحسن خلو الكلام منه غالباً، وكل ما جاء منه متوسطاً من غير تكلف فهو المستحسن، وقد يأتي بعض أوائل القصائد مصمتاً، ويأتي التصريع في أثنائها بعد ذلك. وقد قسمه أهل الصناعة قسمين: قسم سموه تصريع التكميل، وقسم سموه تصريع التشيطر، ورأيت منهم من جعل هذا القسم الثاني باباً مفرداً يسميه التشيطر من غير أن يضيف إليه لفظة التصريع.
ومثال التصريع العروضي قول امرئ القيس طويل:
ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي
ومثال التصريع البديعي قوله في أثناء هذه القصيدة:
ألا إنني بال على جمل بال ... يقود بنا بال ويتبعنا بال
وقوله أيضاً بعد تصريع أول القصيدة المعلقة، وإن كان إطلاق التصريع عليها إطلاقاً بديعياً، لا عروضياً، إذ أولها عند العروضين مقفى لا مصرع طويل:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
ومثال ما وقع في أثناء القصيدة وأولها مصمت قوله متقارب:
تروح من الحي أم تبتكر ... وماذا يضيرك لو تنتظر
فإن أول هذه القصيدة على أصح الروايتين
لا وأبيك ابنة العامري ... لا يدعي القوم أني أفر
ثم والى التصريع بعد قوله:
تروح من الحي أم تبتكر
فقال
أمرخ خيامهم أم عشر ... أم القلب في إثرهم منحدر
وشاقك بين الخليط الشطر ... وفيمن أقام من الحي هر
وأهل البديع يسمون التقفية تصريعاً، إذ لا يعتبرون الفرق بينهما. والتصريع في أثناء القصائد والإصمات في أوائلها يستحسن من القدماء، ويستحسن من المحدثين، لأنه من العرب يدل على قوة العارضة وغزر المادة، وعدم الكلفة وتخلية الطبع على سجيته، وهو من المحدثين دليل على قوة التكلف غالباً، ولا يحسن التصريع لأنه لا يأتي منهم إلا مقصوداً، ولا يحسن التصريع إلى ابتداء شعر غير الشعر الذي تقدم ... ألا ترى إلى كون امرئ القيس لما فرغ من ذكر الحماسة في القصيدة الرائية التي ذكرنا منها الأبيات المتقدمة، وشرع في ذكر النسيب صرع، وإذا استقريت أشعارهم وجدت أكثرها كما ذكرت لك.
باب التشطير
هذا أن يقسم الشاعر بيته شطرين، ثم يصرع كل شطر من الشطرين، لكنه يأتي بكل شطر مخالفاً لقافية الآخر ليتميز من أخيه، فيوافق فيه الاسم المسمى، وذلك كقول مسلم بن الوليد بسيط
موف على مهج، في ويم ذي رهج ... كأنه أجل، يسعى إلى أمل
وكقول أبي تمام بسيط
تدبير معتصم، بالله منتقم ... لله مرتغب، في الله مرتقب
وعندي أن بيت أبي تمام أولى من بيت مسلم بهذا الباب، لأنه عمد إلى كل شطر قدره بيتاً وصرعه تصريعاً صحيحاً، وبيت مسلم شطره الأول مصرع تصريعاً صحيحاً، وشطره الثاني ليس بمصرع لمخالفة روي وسطه روي آخره في الإعراب، اللهم إلا أن يجعل الشطر على ضربين: ضرب يصرع فيه أحد الشطرين دون الآخر، وضرب يصرعان فيه معاً. والله أعلم.
باب التعليل

(1/57)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية