الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر
    المؤلف : ابن أبي الأصبع
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

أنى يكون وليس ذاك بكائن ... لبني البنات وراثة الأعمام
وبين البيتين بون بعيد في الجودة وصحة المعنى، فإن بيت ابن المعتز أٌصر وزناً وأصح معنى، وأعذب ألفاظاً، وأوجز جملاً، وأخف محملاً مع ما وقع فيه من التلطف لبلوغ الغرض من غير مجاهرة بلفظ ولا مواجهة بمضض، فأما صحة معناه بالنسبة إلى بيت مروان فمن جهة أن مروان زعم أن بني الأعمام أحق بالفضل من بني البنات. فأخذ بعموم هذا الاستدلال، وذهل عن أن هذه القضية التي هو آخذ فيها خارجة من هذا العموم، لأن بني علي بنو بنات وبنو أعمام، وما ذكره مروان لا يتناول إلا من لم يكونوا بني أعمام من بني البنات، فأما من لم يمت بالقربة من طرفيه ويدلي بالاستحقاق من جهة أبويه، فخارج عما ذكر، ولا يقال هذا ما يرد على مروان، لأنه صرح بالإرث، ولا الأعمام أحق بالإرث من بني البنات، فإني أقول: إن لم يرد بالإرث الفضل فكلامه محال، إذ لا يصح أن يريد إرث المال ولا إرث الخلافة، أما المال فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يورث، وسيأتي بيان ذلك.
وأما الخلافة، فلأن الخلافة لو كانت بالإرث لما وصلت لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما قبل العباس رضي الله عنه فإذا أحسن الظن بمروان حمل قوله وراثة الأعمام على وراثة الفضل، وحينئذ يأتي ما ذكرناه، ولم يرد بالأعمام إلا بني الأعمام، وببني البنات إلا بني علي رضي الله عنهم فإنه مدح بالقصيدة الرشيد، وعرض بيحيى بن عبد الله بن الحسن بن علي، والأول بنو أعمام فقط، والأخر بنو أعمام وبنو بنات، فكانت للأول مزية لم تكن للأخر، قابلها ابن المعتز بأن أباه بنو العم المسلم فكانت هذه بتلك، فحصلت المساواة، فثبت الفضل لبيته على بيت مروان وما يستكثر مثل هذا الجهل من مروان وهو يقول في هذه الأبيات للرشيد كامل:
يا بن الذي ورث النبي محمداً ... دون الأقارب من ذوي الأرحام
فليت شعري ما الذي ورثه العباس رضي الله عنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم دون ذوي رحمه، وكيف يقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يورث؟ وهذا أفضل الصحابة وأفقههم يحتج على فاطمة عليها السلام في أمر فدك والعوالي، بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة " فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم يورث فلم منعت فاطمة ما ادعت وإن كان لا يورث فلم يدعي هذا الجاهل أن العباس رضي الله عنه ورثه دون ذوي رحمه؟ وأصل الحديث يروون أن أبا بكر رضي الله عنه أعطى علياً عمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيفه دون العباس، ثم لم يقنع مروان بهذا حتى قال: كامل:
ما للنساء مع الرجال فريضة ... نزلت بذلك سورة الأنعام
فما أدري على ماذا أحسده، أعلى معرفته بالفرائض، أم على حفظه للقرآن؟ وما أعلم من أين في سورة الأنعام ذكر شيء من الفرائض، أو حكم من أحكام المواريث، أو ذكر نسب أو شيء مما يقارب هذا الشأن، وليتني أعرف في أي موضع من القرآن ذكر أن النساء لا فريضة لهن مع الرجال؟ ومن يقع في مثل هذا لا يستعظم منه خطؤه في البيت الذي ذكرناه له أولاً، هذا الفساد من جهة المعنى.
وأما ترجيح اللفظ فإن بيت ابن المعتز من محذوف المتقارب، حروفه ستة وثلاثون حرفاً، وبيت مروان من مقطوع الكامل، حروفه اثنان وأربعون حرفاً، إلى سهولة سبكه، وجودة تركيبه، وإيجاز جمله وخفة مفرداته، وكثرة استعمال كلماته، " فاعتبروا يا أولي الأبصار " ولم أر من أمثلة هذا الباب ممثل بيت من بيتي الحماسة أغفله النقاد وهو طويل:
وما شنتا خرقاء واهيتا الكلى ... سقى بهما ساق ولما تبللا
بأضيع من عينيك للدمع كلما ... توسمت داراً أو ترسمت منزلا
والبيت الأول أردت، فإنه وقع الإيغال فيه بعد ثلاث جمل: في كل جملة تتميم، الأولى قوله: شنتا، فإن الشنة المزادة العتيقة، وإضافتهما إلى خرقاء التي هي ضد الصناع، يريد أن خرزهما غير محكم، فهما يضيعان الماء أبداً، فصار ذلك تتميمين، ثم قال بعد ذلك واهيتا الكلى أي كلاهما مخروقتان، ثم أوغل بقوله:
سقى بهما ساق ولما تبللا

(1/41)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية