الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : الشعر والشعراء
    المؤلف : ابن قتيبة الدينوري
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وكقول عبد الله بن طاهر:
أَمِيلٌ مَعَ الذَّمَامِ على ابْنِ عَمِّى ... وأَحْمِلُ للِصَّدِيقِ على الَّشقِيق
وإنْ أَلْفَيْتَني مَلِكاً مُطَاعاً ... فإِنَّكَ واجِدِي عَبْدَ الصَّدِيقِ
أُفَرِّقُ بَيْنَ مَعْرُوِفي ومَنِّى ... وأَجْمَعُ بَيْنَ مَالي والحُقُوقِ
وهذا الشعر شريفٌ بنفسه وبصاحبه.
وكقوله:
مُدْمِنُ الإِغْضَاء مَوْصُولُ ... ومُدِيمُ العَتْبِ مَمْلُولُ
ومَدِينُ البِيضِ في تَعَبٍ ... وغَرِيمُ البِيضِ مَمْطُولُ
وأَخُو الوَجْهَيْنِ حَيْثُ وهَي ... بَهَواهُ فَهْوَ مَدْخُولُ
وكقول إبراهيم بن العباس لابن الزيات:
أَبَا جَعْفَرٍ عَرِّجْ عَلَى خُلَطَائِكَا ... وأقْصِرْ قَلِيلاً مِنْ مَدَى غُلَوَائكا
فإِنْ كُنْتَ قَدْ أُوتِيتَ في اليَوْمِ رِفْعَة ... فإِنَّ رَجَائي في غَدِ كَرَجَائِكا
والمتكلف من الشعر وإن كان جيداً محكماً فليس به خفاءٌ على ذوي العلم، لتبينهم فيه ما نزل بصاحبه من طول التفكر، وشدة العناء، ورشح الجبين، وكثرة الضرورات، وحذف ما بالمعاني حاجةٌ إليه، وزيادة ما بالمعاني غنًى عنه. كقول الفرزدق في عمر بن هبيرة لبعض الخلفاء:
أَوَلَّيْتَ العِرَاقَ ورَافِدَيْهِ ... فَزَارِيَّا أَحَذَّ يَدِ القَمِيصِ
يريد: أوليتها خفيف اليد، يعني في الخيانة، فاضطرته القافية إلى ذكر القميص، ورافداه: دجلة والفرات.
وكقول الآخر:
مِنَ اللَّوَاتي والتي والَّلاتي ... زَعَمْنَ أَنى كَبَرتْ لِدَاتي
وكقول الفرزدق:
وعَضُّ زَمَانٍ يا ابْنَ مَرْوانَ لم يَدَعْمِنَ المَالِ إِلاَّ مُسْحَتاً أَوْ مُجَلَّفُ
فرفع آخر البيت ضرورةً، وأتعب أهل الإعراب في طلب العلة، فقالوا وأكثروا، ولم يأتوا فيه بشيءٍ يرضي، ومن ذا يخفى عليه من أهل النظر أن كل ما أتوا به من العلل احتيالٌ وتمويه؟ وقد سأل بعضهم الفرزدق عن رفعه إياه فشتمه وقال: علي أن أقول وعليكم أن تحتجوا! وقد أنكر عليه عبد الله بن إسحق الحضرمي من قوله:
مُسْتَقْبِلِين شَمالَ الشَّأْم تَضْرِبُنَا ... بحَاصِبٍ مِن نَديفِ القُطْن مَنْثُورِ
على عَمَاعنا تُلْقِى وأَرْحُلُنا ... على زَوَاحِفَ تُزْجَى مُخُّهَا رِيرُ
مرفوعٌ فقال أَلاَّ قلتَ ... على زَوَاحِفَ نُزْجِيهَا مَحَاسيرِ
فغضب وقال:
فلَوْ كانَ عَبْدُ اللهِ مَوْلًى هَجَوْتُهُ ... ولكِنَّ عبدَ الله مَوْلَى مَوَالِيَا
وهذا كثير في شعره على جودته.
وتتبين التكلف في الشعر أيضاً بأن ترى البيت فيه مقروناً بغير جاره، ومضموماً إلى غير لفقه، ولذلك قال عمر بن لجإٍ لبعض الشعراء: أنا أشعر منك، قال: وبم ذلك؟ فقال: لأني أقول البيت وأخاه، ولأنك تقول البيت وابن عمه.
وقال عبد بن سالم لرؤبة: مت يأبا الجحاف إذا شئت! فقال رؤبة: وكيف ذلك؟ قال: رأيت ابنك عقبة ينشد شعراً له أعجبني، قال رؤبة: نعم، ولكن ليس لشعره قرانٌ. يريد أنه لا يقارن البيت بشبهه. وبعض أصحابنا يقول قرآن بالضم، ولا أرى الصحيح إلا الكسر وترك الهمز على ما بينت.
والمطبوع من الشعراء من سمح بالشعر واقتدر على القوافي، وأراك في صدر بيته عجزه، وفي فاتحته قافيته، وتبينت على شعره رونق الطبع ووشى الغزيرة، وإذا امتحن لم يتعلثم ولم يتزحر.
وقال الرياشي حدثني أبو العالية عن أبي عمران المخزومي قال: أتيت مع أبي والياً على المدينة من قريش، وعنده ابن مطيرٍ، وإذا مطرٌ جودٌ، فقال له الوالي، صفه، فقال: دعني حتى أشرف وأنظر، فأشرف ونظر، ثم نزل فقال:
كَثْرَتْ لِكَثْرَةِ قَطْرِهِ أطْبَاؤُهُ ... فإِذَا تَحَلَّبَ فَاضَتِ الأَطْبَاءُ
وكَجَوْفِ ضَرَّتِهِ التي في جَوْفهِ ... جَوْفُ السَّمَاءِ سِبَحْلَةٌ جَوْفَاءُ
ولَهُ رَبَابٌ هَيْدَبٌ لِرَفيفِهِ ... قَبلَ التَّبَعُّق ديمَةٌ وطْفَاءُ
وكأَنَّ بَارِقَهُ حَرِيقٌ يَلتَقي ... رِيحٌ عليهِ وعَرْفَجٌ وأَلاَءُ

(1/8)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية