الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : خزانة الأدب
    المؤلف : عبد القادر البغدادي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

والهاء التي في قوله لضغمهماها عائدة إلى الضغمة؛ فانتصابها إذن انتصاب المصدر، مثلها في قوله تعالى: " إنّ هذا لمكرٌ مكرتموه في المدينة " وأضاف الناب إلى ضمير الضغمة، لأن الضغم إنما هو بالناب.
واللام في قوله لضغمهماها متعلقة بيقرع، أي: يقرع عظمهما نابي؛ لضغمي إياهما ضغمة واحدة.
وعلى هذا الضغمتان والقرع والناب جميعها للمتكلم، واللام الأولى متعلقة بقوله تطيب.
وينبغي أن نورد الأبيات التي منها هذا البيت وسببها، حتى يتضح المعنى ويزول الإشكال، فإن غالب من تكلم عليه لم يقف على ما ذكرنا.
قال أبو محمد الأسود الأعرابي في ضالة الأديب، وهو ما كتبه على نوادر ابن الأعرابي: إن مغلس بن لقيط؛ وهو من ولد معبد بن نضلة، كان رجلاً كريماً حليماً شريفاً، وكان له إخوة ثلاثة: أحدهم أطيط، بالتصغير، وكان أطيط به باراً، والآخران وهما مدرك ومرة مماظين، فلما مات أطيط أظهرا له العداوة، فقال: الطويل
أبقت لك الأيّام بعدك مدركاً ... ومرّة والدّنيا قليلٌ عتابها
قرينين كالذّئبين يبتدرانني ... وشرّ صحابات الرّجال ذئابها
وإن رأيا لي غرّةً أغريا بها ... أعاديّ والأعداء كلبى كلابها
إذا رأياني قد نجوت تلمّسا ... لرجلي مغوّاةً هياماً ترابها
وأعرضت أستبقيهما ثمّ لا أرى ... حلومهما إلاّ وشيكاً ذهابها
لعلّ جوازي اللّه يجزين منهما ... ومرّ اللّيالي صرفها وانقلابها
فيشمت بالمرأين مرءٌ تخطّيا ... إليه قراباتٍ شديداً حجابها
وقد جعلت نفسي تطيب لضغمةٍ ... أعضّهما ما يقرع العظم نابها
ولا مثل يومٍ عند سعد بن نوفلٍ ... بفرتاج إذ توفي عليّ هضابها
لأجعل ما لم يجعل اللّه لامرئٍ ... وأكتب أموالاً عداءً كتابها
خرجت خروج الثّور قد عصبت به ... سلوقيّة الأنساب خضعٌ رقابها
حبست بغمّى غمرةٍ فتركتها ... وقد أترك الغمّى إذا ضاق بابها
ثم رثى أطيطاً فقال:
ذكرت أطيطاً والأداوى كأنّها ... كلىً من أديمٍ يستشنّ هزومها
لعمري لقد خلّيتني ومواطناً ... تشيب النّواصي لو أتاك يقينها
وأبدت لي الأعداء بعدك منهم ... ثرى دمنٍ ما كان يبدو دفينها
انتهى ما أورده أبو محمد.
وقوله: والدنيا قليل عتابها أراد أن عتاب الدنيا غير نافع، فمعاتبها غير مستكثر منه.
وقوله: قرينين كالذئبين شبههما بالذئبين، لأن الذئاب أخبث السباع.
وقوله: وإن رأيا لي غرة الخ، روى بدله:
إذا رأيا لي غفلةً أسّدا لها
أي: أفسدا قلوب أعادي، حتى جعلا أخلاقهم كأخلاق الأسود. والكلبى: جمع كلب، كزمنى جمع زمن.
وقوله: إذا رأياني قد نجوت الخ، تلمسا ألفه ضمير الاثنين، والمغواة، بضم الميم وفتح الغين المعجمة وتشديد الواو: حفرة كالزبية. يقال: من حفر مغواةً وقع فيها. والهيام بفتح الهاء، لا بكسرها كما زعمه العيني، بعدها مثناة تحتية: الرمل الذي لا يتماسك أن يسيل من اليد للينه.
ونقل العيني عن أبي علي في التذكرة أن الرواية عنده هيالى ترابها قال: وهذا يدل على أن التراب جمع ترب، ولو كان مفرداً لقال: هائل ترابها. قال صاحب العين: الهائل: الرمل الذي لا يثبت. وضرب هذا مثلاً لكثرة معرفتهما بالشر والتحيل في جلب أنواع الضرر. وفرتاج، بفتح الفاء: موضع.
والخضع: جمع أخضع، وهو الذي في عنقه تطامن خلقة.
والغمرة بالفتح: الشدة، والغمى بفتح المعجمة وضمها: الغامة، أي: المهمة الملتبسة.
وروى السيرافي بعد قوله هياماً ترابها:
فلولا رجائي أن تؤوبا ولا أرى ... عقولكما إلاّ شديداً ذهابها
سقيتكما قبل التفرّق شربةً ... يمرّ على باغي الظّلام شرابها
وقد جعلت نفسي تطيب ... ................. البيت
والظلام، بالكسر: جمع ظلم بالضم.
وقد أنشد البيت الشاهد أبو الحسن علي بن عيسى الربعي هكذا:
فقد جعلت نفسي تهمّ بضغمةٍ ... على علّ غيظٍ يقصم العظم نابها

(2/209)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية