الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : خزانة الأدب
    المؤلف : عبد القادر البغدادي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وروى ابن دأب وغيره أن الأعشى خرج يريد النبي صلى الله عليه وسلم، وقال شعراً، حتى إذا كانت ببعض الطريق نفرت به راحلته فقتلته، فلما أنشد شعره الذي يقول فيه:
وآليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من حفى حتى تلاقي محمدا
متى ما تناخي عند باب ابن هاشم ... تراحي وتلقي من فواضله ندى
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " كاد ينجو ولما " .
وترد هذه القصيدة إن شاء الله مشروحة في " شواهد مغني اللبيب " ، فإنه استشهد بغالب أبياتها، ولم يقع منها شيء في هذه الشواهد.
وللأعشى أخبار أخر تأتي متفرقة في شرح شواهد من شعره.
و " للأعشى " في اللغة: الذي لا يبصر بالليل ويبصر بالنهار، والمرأة عشواء، وعشي الرجل - بالكسر - عشاً بالقصر إذا ضعف بصره، وكان هذا الأعشى عمي في أواخر عمره. وعدة من هو أعشى من الشعراء سبعة عشر شاعراً، ذكرهم الآمدي في " المؤتلف والمختلف " .
وأنشد بعده، وهو
الشاهد الرابع والعشرون
فما وجدت بنات بني نزار ... حلائل أسودين وأحمرينا
على أن جمع أسود وأحمر جمع تصحيح شاذ، كما يجيء في باب الجمع: فكل صفة لا تلحقها التاء فكأنها من قبيل الأسماء، فلذا لم يجمع هذا الجمع " أفعل فعلاء وفعلان فعلى " . وأجاز ابن كيسان أحمرون وسكرانون، واستدل بهذا البيت، وهو عند غيره شاذ.
و " بنات " فاعل " وجدت " ، وحلائل " مفعوله، نزار " - بكسر النون - : هو والد مضر بن نزار بن معد بن عدنان. و " الحلائل " : جمع حليل بالحاء المهملة، وهو الزوج. والحليلة: الزوجة؛ سميا بذلك لأن كلا منهما يحل للآخر ولا يحرم، أو لأن كلا منهما يحل من صاحبه محلاً لا يحله غيره. و " أسودين " صفة " حلائل " .
وهذا البيت من قصيدة لحكيم الأعور بن عياش الكلبي، من شعراء الشام، هجا بها مضر ورمى فيها امرأة الكميت بن زيد بأهل الحبس، لما فر منه بثياب امرأته. وسبب حبس الكميت على وجه الاختصار، أن حكيماً الأعور هذا كان ولعاً بهجاء مضر، فكانت شعراء مضر تهجوه وتجيبه، وكان الكميت يقول: هو والله أشعر منكم! قالوا: فأجب الرجل! قال: إن خالد بن عبد الله القسري محسن إلي فلا أقدر أن أرد عليه. قالوا: فاسمع بإذنك ما يقول في بنات عمك وبنات خالك من الهجاء! فأنشدوه ذلك، فحمي الكميت لعشيرته فقال المذهبة التي أولها:
ألا حييت عنا يا مدينا
وأحسن فيها، وهي زهاء ثلاثمائة بيت لم يترك فيها حياً من أحياء اليمن إلا هجاهم. ومنها: " الوافر "
ولا أعني بذلك أسفليكم ... ولكني أريد به الذوينا
وتقدم شرحه، وهو الشاهد السادس عشر؛ وعرض الكميت فيها بأخذ الفرس والحبشة وغيرهما نساء اليمن بقوله:
لنا قمر السماء وكل نجم ... تشير إليه أيدي المهتدينا
وما ضربت بنات بني نزار ... هوائج من فحول الأعجمينا
وما حملوا الحمير على عتاق ... مطهمة فيلفوا منغلينا
و " الهوائج " : جمع هائج، وهو الفحل الذي يشتهي الضراب. وبلغ خالداً القسري خبر هذه القصيدة فقال: والله لأقتلنه. ثم اشترى ثلاثين جارية في نهاية الحسن فرواهن القصائد الهاشميات للكميت، ودسهن مع نخاس إلى هشام بن عبد الملك فاشتراهن، فأنشدنه يوماً القصائد المذكورة فكتب إلى خالد، وكان يومئذ عامله بالعراق: أن ابعث إلي برأس الكميت. فأخذه خالد وحبسه، فوجه الكميت إلى امرأته، ولبس ثيابها وتركها في موضعه وهرب من الحبس، فلما علم خالد أراد أن ينكل بالمرأة، فاجتمعت بنو أسد إليه وقالوا: ما سبيلك على امرأة لنا خدعت! فخافهم وخلا سبيلها، ثم إن الكميت اتصل بمسلمة بن هشام، فشفع فيه عند والده فشفعه.
وقيل: إن سبب هجاء الكميت أهل اليمن أن حكيماً الأعور هذا، كان يهجو علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وبني هاشم جميعاً، وكان منقطعاًإلى بني أمية، فانتدب له الكميت رحمه الله تعالى، فهجاه وسبه وأجابه، ولج الهجاء بينهما، وكان الكميت يخاف أن يفصح بشعره عن علي رضي الله عنه؛ لما وقع بينه وبين هشام، وكان يظهر أن هجاءه إياه للعصبية التي بين عدنان جد مضر وبي قحطان أبي اليمن.

(1/63)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية