الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : خزانة الأدب
    المؤلف : عبد القادر البغدادي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

فإن قلت: إذا كان أقل مبتدأ فما خبره؟ فالقول فيه: أنه لا يخلو من أن يكون مضمراً متروك الإظهار والاستعمال، كما كان خبر الاسم بعد لولا كذلك. أو يكون قد استغني عن الخبر بالصفة الجارية على المضاف أقل إليه، وصار أقل لا خبر له لما فيه من معنى النفي، كما أن قلما في قولهم:
قلما ... وصال على طول الصدود يدوم
غير مسند إلى فاعل؛ لما فيه من معنى النفي، فكما صار قل غير مسند إلى فاعل، كذلك أقل غير مسند إلى خبر، لأن كل واحد منهما قد جرى مجرى صاحبه؛ ألا ترى أنهم قالوا قل رجل يقول ذلك إلا ويد، كما قالوا: ما رجل يقول ذلك إلا زيد، وقالوا: أقل رجل يقول ذلك إلا زيد، فأبدلوا زيداً من أقل وأجروه مجرى قل رجل يقول ذلك إلا زيد! ألا ترى أنه لم يبدل من رجل المجرور بل أجري مجرى قل رجل فأما صفة الاسم الذي يضاف إليه أقل، فإنه يكون فعلاً أو ظرفاً، لأن الظرف كالفعل والفاعل، ألا ترى أنه في صلة الموصول كالفعل: في استقلال الموصول به! وقال أبو الحسن: لو قلت أقل رجل ذي جمّة، أو نحو ذلك، لم يحسن.
قال أبو علي: وإنما امتنع هذا، لأن أقل قد أجري مجرى حرف النفي فلم يظهر له خبر، كما أن قل جرى مجراه فلم يسند إلى فاعل. فإذا علمت أنه قد أجري مجرى حرف النفي - بما ذكرت، وبأنهم قالوا: قل رجل يقول ذلك إلا زيد - كان قولهم: أقل رجل يقول ذلك، أقل فيه بمنزلة حرف النفي؛ وحرف النفي ينبغي أن يدخل على كلام تام، والكلام التام الفعل والفاعل وما حكمهما من الظروف، وليس المبتدأ وخبره مما يجري مجرى الفعل والفاعل هنا.
ألا ترى أن أبا الحسن يقول: لو قلت أقل رجل وجهه حسن، لم يحسن. فدل ذلك على أنهم جعلوا أقل بمنزلة ما، وما حقها أن تنفي فعل الحال، في الأصل؛ ويؤكد ذلك أنه صفة؛ والصفة ينبغي أن تكون مصاحبة للموصوف، فكما لا تدخل ما في نفي الفعل إلا على فعل وفاعل، كذلك ينبغي أم يكون الوصف الواقع بعد الاسم المضاف إليه أقل فعلاً وفاعلاً، أو ظرفاً، لأن الظرف كالفعل.
وإذا كانت كذلك، فلو أوقعت جملة من ابتداء وخبر بعده لم يحسن، لأن ما في الأصل لا تنفيها، إنما تنفي الفعل؛ ولو أوقعت صفة لا معنى للفعل فيها، نحو ذي جمة، وما أشبهها مما لا يشابه الفعل، لم يجز.
ولو أوقعت الصفة المشابهة للفعل، نحو ضارب وصالح لم يحسن في القياس أيضاً، ألا ترى أن هذا موضع جملة، واسم الفاعل لا يسد مسد الجملة؛ ولذلك لم تستقل الصلة به، واسم الفاعل في صفة الاسم المجرور بربّ أحسن منه في صفة الاسم المضاف إليه أقل. لأن ربّ وما انجر به من جملة كلام، ألا ترى أن الفعل الذي يتعلق به مراد، وإن كان قد يترك من اللفظ، كما أن ما يتعلق به الكاف، من قولك: الذي كزيد، كذلك: فإذا كانت كذلك كانت فضلة، والفضلة لا تمتنع أن توصف بالصفات التي لا تناسب الفعل والتي تناسبه، وليس صفة المضاف إليه أقل كذلك، ألا ترى أن أقل بمنزلة حرف النفي كما كان قل كذلك، وحكم حرف النفي أن يدخل على جملة.
وجه جواز وصف الاسم المضاف إليه اقل بصالح ونحوه هو أن هذا الضرب قد أجري مجرى الجمل في غير هذا الموضع، ألاترى أن سيبويه قد أجاز حكاية عاقلة لبيبة ونحوها إذا سمي بها، فجعله في ذلك بمنزلة الجمل، حيث كان في حكمها، من حيث كان حديثاً ومحدثاً عنه؛ وقد جرى هذا النحو مجرى الفعل والفاعل أيضاً في الأسماء المسمى بها الفعل، فكذلك فيما ذكرنا.
والأقيس فيما يجرّ بربّ أن يوصف بفعل وفاعل، لأن أصل رب وإن كان كما ذكرنا، فقد صار عندهم بمنزلة النفي، ألا ترى أنها لا تقع إلا صداراً كما أن النفي كذلك!؟ وأن المفرد بعد قل دل على أكثر من واحد، وهذا مما يخنص به النفي ونحوه! فإذا كان كذلك، صار ذلك الأمر كالمرفوض، وصار الحكم لهذا الذي عليه الاستعمالالآن. وقد صار كانفي بما لزمه بما ذكرنا، كما صار أقل رجل بمنزلة ذلك، فكما أن حكم صفة المضاف إليه أقل أن يكون على ما ذكرنا، كذلك حكم ما انجر برب.

(1/429)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية