الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : خزانة الأدب
    المؤلف : عبد القادر البغدادي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

" لم نجد أحداً من النحويين استشهد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يستشهدون بكلام أجلاف العرب وسفهائهم، الذين يبولون على أعقابهم، وأشعارهم التي فيها الفحش والخنى، ويتركون الأحاديث الصحيحة، لأنها تنقل بالمعنى، وتختلف رواياتها وألفاظها، بخلاف كلام العرب وشعرهم، فإن رواته اعتنوا بألفاظها، لما ينبني عليه من النحو، ولو وقفت على اجتهادهم قضيت منه العجب، وكذا القرآن ووجوه القراءات.
وأما الحديث فعلى قسمين: قسم يعتني ناقله بمعناه دون لفظه، فهذا لم يقع به استشهاد أهل اللسان. وقسم عرف اعتناء ناقله بلفظه لمقصود خاص؛ كالأحاديث التي قصد بها بيان فصاحته صلى الله عليه وسلم، ككتابه لهمدان، وكتابه لوائل بن حجر، والأمثال النبوية؛ فهذا يصح الاستشهاد به في العربية. وابن مالك لم يفصل هذا التفصيل الضروري الذي لابد منه، وبنى الكلام على الحديث مطلقاً؛ ولا أعرف له سلفاً إلا ابن خروف؛ فإنه أتى بأحاديث في بعض المسائل حتى قال ابن الضائع: لا أعرف هل يأتي بها مستدلاً بها، أم هي لمجرد التمثيل؟ والحق أن ابن مالك غير مصيب في هذا، فكأنه بناه على امتناع نقل الحديث بالمعنى، وهو قول ضعيف " .
وقد تبعه السيوطي في " الاقتراح " . قال فيه: " وأما كلامه صلى الله عليه وسلم فيستدل منه بما أثبت أنه قاله على اللفظ المروي، وذلك نادر جداً، إنما يوجد في الأحاديث القصار على قلة أيضاً، فإن غالب الأحاديث مروي بالمعنى، وقد تداولتها الأعاجم والمولدون قبل تدوينها، فرووها بما أدت إليه عباراتهم، فزادوا ونقصوا، وقدموا وأخروا، وأبدلوا ألفاظاً بألفاظ؛ ولهذا ترى الحديث الواحد " في القصة الواحدة " مروياً على أوجه شتى بعبارات مختلفة، ومن ثم أنكر على ابن مالك إثباته القواعد النحوية بالألفاظ الواردة في الحديث " .
ثم نقل كلام ابن الضائع وأبي حيان وقال: " ومما يدل على صحة ما ذهبا إليه، ...أن ابن مالك استشهد على لغة أكلوني البراغيث بحديث الصحيحين: " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار " . وأكثر من ذلك حتى صار يسميها لغة يتعاقبون. وقد استشهد به السهيلي، ثم قال: لكني أنا أقول: " إن الواو فيه علامة إضمار، لأنه حديث مختصر. رواه البزار مطولاً. فقال فيه: " إن لله تعالى ملائكة يتعاقبون فيكم: ملائكة بالليل وملائكة بالنهار " . وقال ابن الأنباري - في الإنصاف - في منع " أن " في خبر " كاد " . وأما حديث " كاد الفقر أن يكون كفراً " فإنه من تغيير الرواة، لأنه صلى الله عليه وسلم أفصح من نطق بالضاد " .
وقد رد هذا المذهب الذي ذهبوا إليه البدر الدماميني في " شرح التسهيل " ، ولله دره! فإنه قد أجاد في الرد، قال: " وقد أكثر المصنف من الاستدلال بالأحاديث النبوية، وشنع أبو حيان عليه وقال: إن ما استند إليه من ذلك لا يتم له، لتطرق احتمال الرواية بالمعنى، فلا يوثق بأن ذلك المحتج به لفظه عليه الصلاة والسلام حتى تقوم به الحجة. وقد أجريت ذلك لبعض مشايخنا فصوب رأي ابن مالك فيما فعله، بناء على أن اليقين ليس بمطلوب في هذا الباب، وإنما المطلوب غلبة الظن الذي هو مناط الأحكام الشرعية، وكذا ما يتوقف عليه من نقل مفردات الألفاظ وقوانين الإعراب، فالظن في ذلك كله كاف. ولا يخفى أنه يغلب على الظن أن ذلك المنقول المحتج به لم يبدل، لأن الأصل عدم التبديل، لاسيما والتشديد في الضبط، والتحري في نقل الأحاديث، شائع بين النقلة والمحدثين. ومن يقول منهم بجواز النقل بالمعنى فإنما هو عنده بمعنى التجويز العقلي الذي لا ينافي وقوع نقيضه، فلذلك تراهم يتحرون في الضبط ويتشددون، مع قولهم بجواز النقل بالمعنى؛ فيغلب على الظن من هذا كله أنها لم تبدل، ويكون احتمال التبديل فيها مرجوحاً، فيلغى ولا يقدح في صحة الاستدلال بها. ثم إن الخلاف في جواز النقل بالمعنى إنما هو فيما لم يدون ولا كتب، وأما ما دون وحصل في بطون الكتب فلا يجوز تبديل ألفاظه من غير خلاف بينهم. قال ابن الصلاح بعد أن ذكر اختلافهم في نقل الحديث بالمعنى: " إن هذا الخلاف لا نراه جارياً ولا أجراه الناس - فيما نعلم - فيما تضمنته بطون الكتب، فليس لأحد أن يغير لفظ شيء من كتاب مصنف ويثبت فيه لفظاً آخر " .

(1/4)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية