الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : خزانة الأدب
    المؤلف : عبد القادر البغدادي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: بلغني أن عمر بن الخطاب حد أبا محجن الثقفي سبع مرات. ذكر ذلك عبد الرزاق في باب من حد من الصحابة في الخمر.
قال: وأخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين: قال: كان أبو محجن الثقفي لا يزال يجلد في الخمر، فلما كثر عليهم سجنوه وأوثقوه، فلما كان يوم القادسية رآهم يقتتلون فكأنه رأى أن المشركين قد أصابوا من المسلمين، فأرسل إلى أم ولد سعد، أو إلى امرأة سعد، يقول لها: إن أبا محجن يقول لك: إن خليت سبيله وحملته على هذا الفرس ودفعت إليه سلاحاً ليكونن أول من يرجع إليك، إلا أن يقتل.
وأنشد يقول: الطويل
كفى حزناً أن تلتقي الخيل بالقنا ... وأترك مشدوداً علي وثاقيا
إذا قمت غناني الحديد وغلقت ... مصارع دوني قد تصم المناديا
وقد كنت ذا مالٍ كثير وإخوةٍ ... فقد تركوني واحداً لا أخا ليا
وقد شف نفسي أنني كل شارقٍ ... أعالج كبلاً مصمتاً قد برانيا
فلله دري يوم أترك موثقاً ... وتذهل عني أسرتي ورجاليا
حبست عن الحرب العوان وقد بدت ... وإعمال غيري يوم ذاك العواليا
ولله عهدٌ لا أخيس بعهده ... لئن فرجت أن لا أزور الحوانيا
فذهبت الأخرى فقالت ذلك لامرأة سعد، فحلت عنه قيوده، وحمل على فرس كان في الدار، وأعطي سلاحاً، ثم خرج يركض حتى لحق بالقوم، فجعل لا يزال يحمل على رجل فيقتله، ويدق صلبه.
فنظر إليه سعدٌ فجعل يتعجب ويقول: من ذلك الفارس؟ قال: فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى هزمهم الله، ورجع أبو محجن، ورد السلاح، وجعل رجليه في القيود كما كان.
فجاء سعد، فقالت له امرأته أو أم ولده: كيف كان قتالكم؟ فجعل يخبرها ويقول: لقينا ولقينا، حتى بعث الله رجلاً على فرسٍ أبلق، لولا أني تركت أبا محجنٍ في القيود، لظننت أنها بعض شمائل أبي محجن؟ فقالت: والله لأبو محجن كان من أمره كذا وكذا. فقصت عليه قصته. فدعا به وحل قيوده، وقال: لا نجلدك على الخمر أبداً. قال أبو محجن: وأنا والله لا أشربها أبداً. كنت آنف أن أدعها من أجل جلدكم. قال: فلم يشربها بعد ذلك.
وروى صاحب الاستيعاب بسنده إلى إبراهيم بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه، قال: لما كان يوم القادسية أتي سعد بأبي محجن، وهو سكران من الخمر، فأمر به إلى القيد، وكان سعدٌ به جراحة، فلم يخرج يومئذ إلى الناس، واستعمل على الخيل خالد بن عرفطة، ورفع سعدٌ فوق العذيب لينظر إلى الناس، فلما التقى الناس قال أبو محجن:
كفى حزناً أن تردي الخيل بالقنا ... ..........الأبيات السابقة
فقال لابنة خصفة امرأة سعد: ويحك خليني ولك علي إن سلمني الله، أن أجيء، حتى أضع رجلي في القيد، وإن قتلت استرحتم مني.
فخلته فوثب على فرس لسعدٍ يقال لها: البلقاء، ثم أخذ الرمح، ثم انطلق حتى أتى الناس، فجعل لا يحمل في ناحيةٍ إلا هزمهم، فجعل الناس يقولون: هذا ملكٌ: وسعد ينظر، فجعل سعد يقول: الضبر ضبر البلقاء، والطعن طعن أبي محجن، وأبو محجن في القيد! فلما هزم العدو، رجع أبو محجن حتى وضع رجله في القيد، فأخبرت ابنة خصفة سعداً بالذي كان من أمره. فقال: لا والله ما أبلى أحدٌ من المسلمين ما أبلى في هذا اليوم! لا أضرب رجلاً أبلى في المسلمين ما أبلى! قال: فخلى سبيله.
وقال أبو محجن: كنت أشربها، إذ يقام علي الحد، وأطهر منها، فأما إن بهرجتني فوالله لا أشربها أبداً.
ومن رواية أهل الأخبار أن ابناً لأبي محجن دخل على معاوية، فقال له معاوية: أبوك الذي يقول:
إذا مت فادفني إلى جنب كرمةٍ ... .......الأبيات المتقدمة
فقال له ابنه: لو شئت ذكرت أحسن من هذا من شعره. قال: وما ذاك؟ قال: قوله: البسيط
لا تسأل الناس من مالي وكثرته ... وسائل الناس عن حزمي وعن خلقي
قد يعلم الناس أني من سراتهم ... إذا تطيش يد الرعديدة الفرق
قد أركب الهول مسدولاً عساكره ... وأكتم السر فيه ضربة العنق
أعطي السنان غداة الروع حصته ... وعامل الرمح أرويه من العلق
وزاد بعضهم في هذه الأبيات: البسيط

(3/230)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية