الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : التنبيه والإشراف
    المؤلف : المسعودي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وكان كامل الأخلاق سمحاً شجاهاً كثير الحج والجهاد، وحج في خلافته ثماني حجج وغزا ثماني غزوات، وتسلط على الأمور بعد مدة من خلافته، فأفسد الصنائع، وأحب جمع الأموال واستوزر البرامكة يحيى بن خالد بن برمك وابنيه جعفر والفضل، ثم نكبهم في صفر سنة 187، وقتل جعفراً، وذلك لسبع عشرة سنة خلت من خلافته. ودفع خاتم الخلافة بعد إيقاعه بهم إلى علي بن يقطين، وغلب عليه الفضل بن الربيع، وإسماعيل بن صبيح إلى أن مات.
وكان صبيح أبو إسماعيل مولى عتاقة لسالم الأفطس، وسالم الأفطس مولى عتاقة لبني أمية واختلت أموره بعد البرامكة، وبان للناس قبح تدبيره وسوء سياسته.
وكان نقش خاتمه بالله يثق هارون وقضى له عهده منهم علي بن حرملة، وعون بن عبد الله المسعودي، وحفص بن غياث، وشريك بن عبد الله بن أبي شريك النخعي، ومحمد بن سماعة الحنفي، وحجبه بشر بن ميمون، ثم محمد بن خالد بن برمك، ثم الفضل بن الربيع.
ذكر خلافة الأمين
وبويع الأمين محمد بن هارون الرشيد ويكنى أبا موسى وأمه زبيدة أم جعفر ابنة جعفر بن أبي جعفر المنصور يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة سنة 193، وبايع له المأمون بخراسان، وكتب إليه بالطاعة والخضوع وامتثال أمره ونهيه، انقيادًا إلى ما تقدم به العهد فعمل الأمين في خلعه والاحتيال لذلك وكتب إليه يأمره بتسليم بعض أعماله إلى من يرسم له، فامتنع من ذلك، فكتب إليه يأمره بالمصير إليه لمعاونته على تدبير ملكه، فاعتل بأمور ذكرها، فوجه إليه يسأله تقديم ابنه عليه بولاية العهد، ويرغبه في ذلك ويرهبه، فأبى وقوّى الفضل بن سهل ذو الرئاستين عزمه على محاربته.
فلما عادت الرسل إلى الأمين بذلك بايع لابنه موسى ولقبه الناطق بالحق وهو يومئذ صبي صغير وسرح علي بن عيسى بن ماهان في خمسين ألفاً بأعظم ما يكون من القوة والعدد ليجيئه بالمأمون، فندب المأمون للقائه طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق بن حمزة الرستمي من ولد رستم بن دستان الشديد وهم موالي خزاعة في الإسلام وإليهم ينتمون فنزل الري وسار علي بن عيسى حتى قرب منهما فالتقيا فاقتتلا قتالاً شديداً، فقتل علي بن عيسى وفضت جموعه واحتوى على عسكره وذلك لعشر خلون من شعبان سنة 195 فحينئذ سلم على المأمون بأمرة المؤمنين وسمي طاهر ذا اليمينين، وسار طاهر يفتح بلداً بلداً ويكسر من تلقائه الجيوش إلا أن نزل حلوان فلحق به هرثمة بن أعين في جيش كثيف، وكتب إليه المأمون أن يخلي بين هرثمة وبين المسير إلى مدينة السلام ويسير هو إليها على طريق الأهواز فسار هرثمة حتى نزل ظاهر الجانب الشرقي من مدينة السلام وسار طاهر فافتتح الأهواز وواسط والمدائن واحتوى على الكوفة والبصرة ونزل بظاهر الجانب الغربي من مدينة السلام وذلك في سنة 196 فحاصرها و غادوهم القتال وراوحوهم وقد كان الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان قدم من الرقة قبل وصول طاهر وهرثمة مدينة السلام في جيش كثيف، وكان مع عبد الملك بن صالح ابن علي بن عبد الله بن العباس، فلما مات عبد الملك سار إلى مدينة السلام لثلاث خلون من رجب من هذه السنة فخلع محمداً ودعا إلى المأمون، فأجابه الناس إلى ذلك وسجن محمداً وأمه وولده في مدينة أبي جعفر، وطلب منه الجند أرزاقهم فلم يكن عنده ما يعطيهم ومناهم قدوم هرثمة فأخرجوا محمداً بعد حبس يومين وأعادوه إلى حاله وجددوا له البيعة يوم الجمعة لست عشرة ليلة خلت من رجب من هذه السنة وجاءوه بالحسين بن علي فصفح عنه وولاه أمره ودفع إليه خاتمه فغدر وهرب يريد هرثمة فلحق فقتل على فرسخ من بغداد على الطريق النهروان وأتى محمد برأسه ودخل هرثمة الجانب الشرقي وطاهر الجانب الغربي في المحرم سنة 198 وجد طاهر في القتال إلى أن استولى على أكثر الجانب الغربي وحصر محمدا بمدينة أبي جعفر المنصور.
فراسل الأمين هرثمة خفية في المصير إليه، وكان أوثق عنده من طاهر، فتأهب هرثمة لذلك، وصار في حراقة له إلى بعض المشارع، وركب معه الأمين وعلم طاهر بذلك، فوجه بعضاً من خاصته، فرجموا الحرافة، ونجا محمد الأمين سباحة إلى الشط، وصار في يد بعض أصحاب طاهر، فقبض عليه، وعرف ظاهر خبره، فوجه من قتله، وجاءوه برأسه، فأنفذه إلى المأمون إلى خراسان.
وكان مقتله يوم الأحد لخمس ليال بقين من المحرم من هذه السنة، وهي سنة 198، وله ثلاث وثلاثون سنة.

(1/126)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية