الكتاب : التعازي والمراثي المؤلف : المبرد مصدر الكتاب : موقع الوراق http://www.alwarraq.com [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ] |
المقدمة (1/1)
؟بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
الحمد لله الذي يرث الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين، الذي كتب على عباده الفناء، واستأثر بالبقاء، وصلى الله على محمد عبده ورسوله، وعلى آله الطيبين الأخيار وسلم كثيراً.
قال أبو العباس محمد بن يزيد الأزدي النحوي، المعروف بالمبرد رحمه الله تعالى: دعانا إلى تأليف هذا الكتاب واجتلاب محاسن من تكلم في أسباب الموت من المواعظ والتعازي والمراثي على قدر ما يحضر فإنا ابتدأناه عن غير خلوةٍ بفكرٍ ولا تمييز لكتب، وإنما اقتضبناه اقتضاباً ثقةً بالله وتوكلاً عليه مصابنا برجل استخفنا لذلك وبعثنا عليه، وهو أبو إسحاق القاضي إسماعيل بن إسحاق ابن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم. وإنما نسبناه التماساً للتنويه باسم سلفه الصالحين.
ولقد كان رحمه الله عليه في أكثر الأمور أنجع وأنفع. ولو عد كاملٌ لا سقطة فيه لكان إياه، لكن الله جل ثناؤه جعل في المخلوقين النقص، وجعلهم ضعفاء، وحكم بأنهم لم يؤتوا من العلم إلا قليلاً. ولقد كانت أنصباؤه في ذلك القليل كالمحتوية على أكثره رحمة الله عليه مع ما جمع الله جل وعز فيه من حكم عادل، ورأي فاصل، وأدب بارع، ولبٍ ناصع، وتصرفٍ في العلوم، وحلمٍ يربي على الحلوم، وفي الله تعالى ذكره خلفٌ من كل هالك، وعزاء من كل مصيبة. وبرسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة والقدوة، وكل خطب، إذا ذكرت وفاته، صغير، وكل رزء حقير؛ عليه رحمة الله وبركاته.
ويروى عن علي بن أبي طالب رحمة الله عليه من وجوهٍ، سمعنا ذلك وبعضها يزيد على بعض، أنه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم تولى غسله العباس، وعلي، والفضل، فقال علي: لم أره يعتاد فاه في الموت ما كنت أراه في أفواه الموتى. ثم لما فرغ علي من غسله وأدرجه في أكفانه، كشف الإزار عن وجهه، ثم قال: بأبي أنت وأمي، طبت حياً، وطبت ميتاً، انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت أحد ممن سواك من النبوة والإنباء، خصصت حتى صرت مسلياً عمن سواك، وعممت حتى صارت المصيبة فيك سواء. ولولا أنك أمرت بالصبر ونهيت عن الجزع لأنفدنا عليك الشؤون، ولكن ما لا يدفع كمدٌ وإدبارٌ محالفان وهما داء الأجل، وقلا لك. بأبي أنت وأمي. أذكرنا عند ربك، واجعلنا من همك. قال: ثم نظر إلى قذاةٍ في عينه فلقطها بلسانه ثم رد الإزار على وجهه.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعزوا عن موتاكم بي.
وهذا كلام تلقاه عنه المؤمنون ثم أدوه إلى من بعدهم من إخوانهم المؤمنين، فاحتذى هذا المثال يقيناً وإيماناً جماعة كلهم سلكه فاهتدى، ووصفه فأحسن، فمنهم عبد الله بن أراكة الثقفي، فإنه أصيب بابن له فأسرف أخوه عبد الله ابن عبد الله في البكاء فوعظه وعزاه فقال: الطويل
وقلت لعبد الله إذ جدّ باكياً: ... تعزّ وماء العين منهملٌ يجري
لعمري لئن أتبعت عينيك ما مضى ... به الدّهر أو ساق الحمام إلى القبر
لتستنفدن ماء الشؤون بأسره ... ولو كنت تمريهنّ من ثبج البحر
تأمّل ! فإن كان البكا ردّ هالكاً ... على أحدٍ، فاجهد بكاك على عمرو
ولا تبك ميتاً بعد ميتٍ أجنّه ... عليٌّ وعبّاسٌ وآل أبي بكر
باب من التعازي
وهو أكثر ما تكلم فيه الناس، لأنه لم يعر أحد من مصيبة بحميم، ذلك قضاء الله على خلقه. فكل تكلم إما متعزياً وإما معزياً، وإما متصبراً محتسباً.
قال أبو الحسن المدائني: كانت العرب في الجاهلية وهم لا يرجون ثواباً ولا يخشون عقاباً يتحاضون على الصبر، ويعرفون فضله، ويعيرون بالجزع أهله، إيثاراً للحزم وتزيناً بالحلم، وطلباً للمروءة، وفراراً من الاستكانة إلى حسن العزاء، حتى إن كان الرجل منهم ليفقد حميمه فلا يعرف ذلك فيه. يصدق ذلك ما جاء في أشعارهم، ونثي من أخبارهم. قال دريد بن الصمة في مرثيته أخاه عبد الله: الطويل
قليل التّشكّي للمصيبات حافظٌ ... مع اليوم أدبار الأحاديث في غد
صبا ما صبا حتّى إذا شاب رأسه ... وأحدث حلماً قال للباطل ابعد
قال أبو عبيدة: كان يونس بن حبيب يقول: هذا أشعر ما قيل في هذا الباب.
وقال أبو خراش الهذلي: الطويل