الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : البرصان والعرجان
    المؤلف : الجاحظ
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله عليه محمد وسلم
وهب الله لك حسن الاستماع، وأشعر قلبك حب التثبت، وجعل أحسن الأمور في عينيك، وأحلاها في صدرك، وأبقاها أثراً عليك في دينك ودنياك علماً تفيده وضالاً ترشده، وباباً من الخير تفتحه، وأعاذك من التكلف، وعصمك من التلون، وبغض إليك اللجاج، وكره إليك الاستبداد، ونزهك عن الفضول، وعرفك سوء عاقبة المراء، وقد علمت مع ذلك من مدح بقوله:
من رأي ذي بدآت لا تزال له بزلاء يعيا بها الجثامة اللبد
وأن الآخر قد قال:
ليت هنداً أنجزتنا ما تعد ... وشفت أنفسنا مما نجد
واستبدت مرة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد
ولا أعلم الموصوف بالاستبداد إلا مجهلاً مذموماً، ولا أعرف المنعوت بالبدوات إلا مدفعاً مضعوفاً.
وإنما الشأن في وجدان آلة التصرف، وفي تمام العزم بعد التبين، لا أعرف إلا هذين .... فليتصور ما زاد...
وما كلام الشاعر في قصيدته إلا كقول الخطيب في خطبته، وما ذلك إلا كاحتجاج المحتج واختبار المختبر " ..... " .
وفي كل ذلك يكون الخطأ والصواب...
وقد قال الشاعر:
قليل تصاريف الخليقة لا ترى ... خليلاً لعبد الله في الناس قاليا
وقد وصف الآخر " قول ... " المتلون والمستطرف، فقال:
شر الأخلاء خليل يصرفه ... واش وأدنى صاحب يستطرفه
ملون تنكره وتعرفه
فاجعل محاسبة نفسك صناعة تعتقدها، وتفقد حالاتك عقدة ترجع إليها، حتى تخرج أفعالك مقسومة محصلة، وألفاظك موزونة معدلة، ومعانيك مصفاة مذهبة، ومخارج أمورك مقبولة محببة، فمتى كنت كذلك، كانت رقتك على الجاهل الغبي، بقدر غلطتك على المعاند الذكي، وتحب الجماعة بقدر بغضك للفرقة، وترغب في الاستخارة والاستشارة بقدر زهدك في الاستبداد واللجاجة، وتبدأ من العلم بما لا يسع جهله، قبل التطوع بما يسع جهله.
ولا تلتمس الفروع إلا بعد إحكام الأصول، ولا تنظر في الطرف والغرائب وتؤثر رواية الملح والنوادر، وكل ما خف على قلوب الفراغ وراق أسماع الأغمار، إلا بعد إقامة العمود، والبصر بما يلثم من ذلك العمود، فإن بعض من كلف برواية الأشعار بدأ برواية أشعار هذيل قبل رواية شعر عباس بن الأحنف، ورواية شعر ابن أحمر قبل رواية شعر أبي نواس، وناس من أصحاب الفتيا نظروا في العين والدين قبل أن يرووا الاختلاف في طلاق السنة، وناس من أهل الكلام نظروا في " ... " والكفر والمداخلة والمجاورة، قبل أن ينظروا في التوحيد والعدل والآجال والأرزاق.
وسئل بعض العلماء عن بعض أهل البلدان، فقال: أبحث الناس عن صغير وأتركهم لكبير، وسئل عن بعض الفقهاء، فقال: أعلم الناس بما لم يكن، وأجهلهم بما كان وقد خفت أن تكون مسألتك إياي كتاباً في تسمية العرجان والبرصان والعميان والصمان والحولان، من الباب الذي نهيتك عنه وزهدتك فيه.
وذكرت لي كتاب الهيثم بن عدي في ذلك، وقد خبرتك أن لم أرض بمذهبه، ولم أحبه له حظاً في حياته، ولا لولده بعد مماته.
وأنا أحذرك اللجاح والتتايع، وأرغب إلى الله لك في السلامة من التلون والتزيد، وفي الاستطراف والتكلف، فإن اللجاج لا يكون إلا من خلل القوة، وإلا من نقصان قد دخل على التمكين، واللجوج في معنى المغلوب، والمتصرف في معنى الغالب والمكتفي، ولا يكون إلا والعقدة منحلة والنفس منقوصة، ثم لا بد أن يتصل ضعف المنة بقلة المعرفة، ومتى نقصت المعرفة لم تكن المنة فاضلة، وكان الفاعل إما لجوجاً مسارعاً، وإما ذا بدوات متلوناً. فاعرف فضل ما بين التصرف والتلون، وليس الاعتراض من صفة اللجاج. وقد يكون الاعتراض محموداً ومذموماً، ولا يكون اللجاج إلا مذموماً، والتلون أن تكون سرعة رجوعه عن الصواب كسرعة رجوعه عن الخطأ واللجاج، وأن يكون ثبات عزمه على إمضاء الخطأ الضار كثبوت عزمه على إمضاء الصواب النافع.
والذهول عن العواقب مقرون باللجاج، وضعف العقدة مقرون بالبدوات. قيل لبعض العلماء: من أسوأ الناس حالاً؟ قال: من لا يثق بأحد لسوء ظنه، ولا يثق به أحد لسوء فعله. وقال عمر بن الخطاب: لن ينتفع بعقله، حتى ينتفع بظنه. وقال محمد بن حرب: صواب الظن الباب الأكبر من الفراسة.
وقال بلعاء بن قيس:
وأبغي صواب الظن، أعلم أنه ... إذا طاش ظن المرء طاشت مقادره

(1/1)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية