الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : نهاية الأرب في فنون الأدب
    المؤلف : النويري
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

هو أبو عثمان سعيد بن مسجح، مولى بني جمح، وقيل: مولى بني مخزوم، وقيل: مولى بني نوفل بن الحارث بن عبد المطلب. مكي أسود وقيل: أصفر حسن اللون. وقيل: كان مولدا، يكنى أبا عيسى. وقيل: كان هو وأبن سريج لرجل واحد. مغن متقدم من فحول المغنين وأكابرهم. وهو أول من وضع الغناء منهم، وأول من غنى الغناء العربي بمكة؛ وذلك أنه مر بالفرس وهم يبنون المسجد الحرام في أيام عبد الله بن الزبير، فسمع غناءهم بالفارسية فقلبه في شعر عربي، ثم رحل إلى الشام فأخذ ألحان الروم والبربطية والأسطوخوسية، وأنقلب إلى فارس فأخذ غناءً كثيرا وتعلم الضرب، ثم قدم إلى الحجاز وقد أخذ محاسن تلك النغم وألقى منها ما أستقبحه من النبرات والنغم؛ وكان أول من فعل ذلك، وتبعه الناس بعد؛ وعلم أبن سريج، وعلم أبن سريج الغريض. قالوا: وكان في صباه فطنا ذكياً، وكان مولاه معجبا به، فكان يقول: ليكونن لهذا الغلام شأن، وما يمنعني من عتقه إلا حسن فراستي فيه، ولئن عشت لأتعرفن ذلك، وإن مت قبله فهو حر. فسمعه مولاه يوماً يتغنى بشعر أبن الرقاع يقول:
ألمم على طللٍ عفا متقادم ... بين الذّؤيب وبين غيب النّاعم
لولا الحياء وأنّ رأسي قد عسا ... فيه المشيب لزرت أمّ القاسم
فدعاه مولاه فقال: أعد يا بني؛ فأعاده فإذا هو أحسن مما أبتدأ به، وقال: إن هذا لبعض ما كنت أقول. ثم قال له: أنى لك هذا ؟ قال: سمعت هذه الأعاجم تتغنى بالفارسية فقلبتها في هذا الشعر. قال: فأنت حرٌ لوجه الله. فلزم مولاه وكثر أدبه وأتسع في غنائه وشهر بمكة وأعجبوا به. فدفع إليه مولاه عبيد بن سريج وقال: يا بني علمه وأجتهد فيه. وكان أبن سريج أحسن الناس صوتا، فتعلم منه ثم برز عليه. وقد قيل: إنه إنما سمع الغناء من الفرس لما أمر معاوية ببناء دوره بمكة التي يقال لها الرقط، وكان قد حمل إليها بنائين من الفرس الذين كانوا بالعراق فكانوا يبنونها، وكان سعيد بن مسجح يأتيهم فيسمع غناءهم على بنائهم؛ فما أستحسن من ألحانهم أخذه ونقله إلى الشعر العربي، ثم صاغر على نحو ذلك. وكان من قديم غنائه الذي صنعه على تلك الألحان شعر الأحوص، وهو:
أسلام إنك قد ملكت فأسجحي ... قد يملك الحرّ الكريم فيسجح
منّى علي عانٍ أطلت عناءه ... في الغلّ عندك والعناة تسرّح
إني لأنصحكم وأعلم أنّه ... سيّان عندك من يغشّ وينصح
وإذا شكوت إلى سلامة حبّها ... قالت أجدٌّ منك ذا أم تمزح
وهذا من أقدم الغناء العربي المنقول عن الفارسي. قال: وعاش سعيد بن مسجح حتى لقيه معبد وأخذ عنه في ايام الوليد بن عبد الملك.
ومن أخبار سعيد ما رواه أبو الفرج الأصفهاني بسند رفعه قال: كتب عامل لعبد الملك بن مروان بمكة إليه أن رجلا أسود يقال له سعيد بن مسجح قد أفسد فتيان قريش وأنفقوا عليه أموالهم. فكتب إليه: أن أقبض ماله وسيره إلي. فتوجه أبن مسجح إلى الشام؛ فصحبه رجل له جوارٍ مغنيات في الطريق. فقال له: أين تريد ؟ فأخبره الخبر وقال: أريد الشام؛ فصحبه حتى بلغا دمشق، فدخلا مسجدها فسألا: من أخص الناس بأمير المؤمنين ؟ فقالوا: هؤلاء النفر من قريش وبنو عمه. فوقف أبن مسجح عليهم فسلم، ثم قال: يا فتيان، هل فيكم من يضيف رجلا غريبا من أهل الحجاز ؟ فنظر بعضهم إلى بعض وكان عليهم موعد أن يذهبوا إلى قينة يقال لها برق الأفق، فتثاقلوا به إلا فتىً منهم تذمم فقال له: أنا أضيفك، وقال لأصحابه: أنطلقوا أنتم وأنا أذهب مع ضيفي. فقالوا: لا، بل تجيء معنا أنت وضيفك. فذهبوا جميعا إلى بيت القينة. فلما أتوا بالغداء قال لهم سعيد: إني رجل أسود، ولعل فيكم من يقذرني، فأنا أجلس وآكل ناحيةً وقام؛ فأستحيوا منه وبعثوا له بما أكل. فلما صاروا إلى الشراب قال لهم مثل ذلك ففعلوا. ثم أخرجوا جاريتين، فجلستا على سرير قد وضع لهما فغنتا إلى العشاء ثم دخلتا؛ وخرجت جارية حسنة الوجه والهيئة وهما معها فجلستا أسفل السرير عن يمينه وشماله ولجست هي على السرير. قال أبن مسجح: فتمثلت هذا البيت:
فقلت أشمسٌ أم مصابيح بيعةٍ ... بدت لك خلف السّجف أم أنت حالم

(1/476)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية