الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : نهاية الأرب في فنون الأدب
    المؤلف : النويري
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

منهم أبو دلف العجلي. هو أبو دلف القاسم بن عيسى بن إدريس أحد بني عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. كان محله من الشجاعة وبعد الهمة وعلو المحل عند الخلفاء وعظم الغناء في المشاهد وحسن الأدب وجودة الشعر محلا كبيرا ليس لكثير من أمثاله.
قال أبو الفرج الأصبهاني: وله صنعة حسنة. فمن جيد صنعته قوله والشعر له أيضا :
بنفسي يا جنان وأنت منّي ... مكان الرّوح من جسد الجبان
ولو أني أقول مكان نفسي ... خشيت عليك بادرة الزمان
لإقدامي إذا ما الخيل حامت ... وهاب كماتها حرّ الطّعان
قال: وكان أحمد بن أبي داود ينكر أمر الغناء إنكاراً شديداً؛ فأعلمه المعتصم أن أبا دلف صديقه يغني. فقال: ما أراه مع عقله يفعل ذلك ! فستر المعتصم أحمد بن أبي داود في موضع أبا دلف وأمره أن يغني ففعل ذلك وأطال، ثم أخرج أحمد بن أبي داود عليه؛ فخرج والكراهة ظاهرة في وجهه. فلما رآه أحمد قال: سوءةً لهذا من فعل ! أبعد هذه السن وهذا المحل تصنع بنفسك ما أرى فخجل أبو دلف وتشور وقال: إنهم ليكرهوني على ذلك. فقال: هبهم أكرهوك على الغناء أهم أكرهوك على الإحسان فيه والإصابة !.
قال: وكان أبو دلف ينادم الواثق. فوصف للمعتصم فأحب أن يسمعه، وسأل الواثق عنه فقال له: يا أمير المؤمنين، أنا على نية الفصد غداً وهو عندي. وفصد الواثق فأتاه أبو دلف وأتته رسل الخليفة بالهدايا، فأعلمهم الواثق حصول أبي دلف عنده. فلم يلبث أن أقبل الخدم يقولون: قد جاء الخليفة. فقام الواثق وكل من كان عنده حتى تلقوه؛ وجاء حتى جلس، وأمر بندماء الواثق فردوا إلى مجالسهم. وأقبل الواثق على أبي دلف فقال: يا قاسم، إن أمير المؤمنين. فقال: صوتاً بعينه أو ما أخترت ؟ قال: بل من صنعتك في شعر جرير. فغنى:
بان الخليط برامتين فودّعوا ... أو كلّما أعتزموا لبينٍ تجزع
كيف العزاء ولم أجد مذ غبتم ... قلباً يقرّ ولا شراباً ينقع
فقال المعتصم: أحسن أحسن ثلاثا وشرب رطلاً. ولم يزل يستعيده حتى شرب تسعة أرطال. ثم دعا بحمال فركبه، وأمر أبا دلف أن ينصرف معه؛ فخرج معه فثبت في ندمائه، وأمر له بعشرين ألف دينار.
قال: وكان أبو دلف جواداً ممدحا. وفيه يقول علي بن جبلة من قصيدة يقول فيها:
ذاد ورد الغيّ عن صدره ... وأرعوى واللّهو من وطره
ندمى أنّ الشباب مضى ... لم أبلّغه مدى أشره
حسرت عنّي بشاشته ... وذوي المحمود من ثمره
ودمٍ أهدرت من رشأ ... لم يرد عقلاً على هدره
جاء منها:
دع جدا قحطان أو مضرٍ ... في يمانيه وفي مضره
وأمتدح من وائلٍ رجلاً ... عصر الآفاق من عصره
ومنها:
المنايا في مقانبه ... والعطايا في ذرا حجره
ملكٌ تندى أنامله ... كأنبلاج النّوء عن مطره
مستهلٌّ عن مواهبه ... كأبتسام الرّوض عن زهره
ومنها:
إنما الدنيا أبو دلفٍ ... بين باديه ومحتضره
فإذا ولّى أبو دلفٍ ... ولّت الدنيا على أثره
كلّ من في الأرض من عرب ... بين باديه إلى حضره
مستعيرٌ منه مكرمةً ... يكتسيها يوم مفتخره
وهذان البيتان اللذان أحفظا المأمون على علي بن جبلة حتى سل لسانه من قفاه.
وقوله فيه:
أنت الذي تنزل الأيام منزلها ... وتنقل الدهر من حالٍ إلى حال
وما مددت مدى طرفٍ إلى أحدٍ ... إلاّ قضيت بأرزاقٍ وآجال
تزورّ سخطاً فتضحى البيض ضاحكةً ... وتستهلّ فتبكي أعين المال
وكان سبب مدح علي بن جبلة أبا دلف بقوله:
إنما الدنيا أبو دلفٍ
ما رواه أبو الفرج الأصفهاني بسنده عن علي بن جبلة قال: زرت أبا دلف بالجبل، فكان يظهر من بري وإكرامي والتحفي بي أمراً عظيما مفرطا حتى تأخرت عنه حياء. فبعث إلي معقلا وقال: يقول لك الأمير: قد أنقطعت عني، وأظنك قد أستقللت بري، فلا يغضبنك ذلك فإني سأزيد فيه حتى ترضي. فقلت: والله ما قطعني إلا الإفراط في البر، وكتبت إليه:

(1/473)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية