الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : نهاية الأرب في فنون الأدب
    المؤلف : النويري
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وجاء رجل إلى الحسن البصري فقال: ما تقول في رجل مات فترك أبيه وأخيه؟ فقال الحسن: ترك أباه وأخاه. فقال: ما لأباه وأخاه، فقال الحسن: ما لأبيه وأخيه. فقال الرجل: إني أراك كلما طاوعتك تخالفني!. وقيل سكر هارون بن محمد بن عبد الملك ليلة بين يدي الموفق، فقام لينصرف فغلبه السكر فنام في المضرب. فلما انصرف الناس جاء راشد الحاجب فأنبهه وقال: يا هارون انصرف. فقال: هارون لا ينصرف. فأعاد راشد القول على هارون، فقال هارون: سل مولاك فهو يعلم أن هارون لا ينصرف. فسمع الموفق فقال: هارون لا ينصرف، فتركه راشد. فلما أصبح الموفق وقف على أن هارون بات في مضربه، فأنكر على راشد، وقال: يا راشد، يبيت في مضربي رجل لا أعلم به! فقال: أنت أمرتني بهذا، قلت: هارون لا ينصرف. فضحك وقال: ما أردت إلا الإعراب وظننت أنت غيره.
وقيل: قدم العريان بن الهيثم على عبد الملك، فقيل له: تحفظ من مسلمة فإنه يقول: لأن يلقمني رجل بحجر أحب غلي من أن يسمعني رجل لحناً، فأتاه العريان ذات يوم فسلم عليه. فقال له مسلمة: كم عطاءك؟ قال: ألفين. فنظر إلى رجل عنده وقال له: لحن العراقي، فلم يفهم الرجل عن مسلمة، فأعاد مسلمة القول على العريان وقال: كم عطاؤك؟ فقال: ألفان. فقال: ما الذي دعاك إلى اللحن أولاً والإعراب ثانياً؟ قال: لحن الأمير فكرهت أن أعرب، وأعرب فأعربت. فاستحسن قوله وزاد في عطائه.
ووقف نحوي على بقال يبيع الباذنجان فقال له: كيف تبيع؟ قال: عشرين بدانق، فقال: وما عليك أن تقول: عشرون بدانق؟ فقدر البقال أنه يستزيده، فقال ثلاثين بدانق. فقال: وما عليك أن تقول: ثلاثون؟ فما زال على ذلك إلى أن بلغ سبعين، فقال: وما عليك أن تقول: سبعون؟ فقال: أراك تدور على الثمانون وذلك لا يكون أبداً.
من نوادر المتنبئين قيل: ادعى رجل النبوة في أيام المهدي، فأدخل عليه، فقال له: إلى من بعثت؟ فقال: ما تركتموني أذهب إلى من بعثت إليهم، فإني بعثت بالغداة وحبستموني بالعشي. فضحك المهدي منه وأمر له بجائزة وخلى سبيله.
وتنبأ رجل وادعى أنه موسى بن عمران. فبلغ خبره الخليفة، فأحضره وقال له: من أنت؟ قال: أنا موسى بن عمران الكليم. قال: وهذه عصاك التي صارت ثعباناً! قال نعم. قال: فألقها من يدك ومرها أن تصير ثعباناً كما فعل موسى. قال: قل أنت " أنا ربكم الأعلى " كما قال فرعون حتى أصير عصاي ثعباناً كما فعل موسى. فضحك الخليفة منه واستظرفه. وأحضرت المائدة، فقيل له: أكلت شيئاً؟ قال: ما أحسن العقل! لو كان لي شيء آكله، ما الذي كنت أعمل عندكم؟ فأعجب الخليفة وأحسن إليه.
وادعت امرأة النبوة على عهد المأمون، فأحضرت إليه فقال لها: من أنت؟ قال: أنا فاطمة النبية. فقال لها المأمون: أتؤمنين بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؟ قالت: نعم، كل ما جاء به فهو حق. فقال المأمون: فقد قال محمد صلى الله عليه وسلم: " لا نبي بعدي " . قالت: صدق عليه الصلاة والسلام، فهل قال: لا نبية بعدي؟ فقال المأمون لمن حضره: أما أنا فقد انقطعت، فمن كانت عنده حجة فليأت بها، وضحك حتى غطى على وجهه.
وادعى رجل النبوة، فقيل له: ما علامات نبوتك؟ قال: أنبئكم بما في نفوسكم. قالوا: فما في أنفسنا؟ قال: في أنفسكم أنني كذبت ولست بنبي.
وتنبأ رجل في أيام المأمون، فأتي به إليه، فقال له: أنت نبي؟ قال نعم. قال: فما معجزتك؟ قال: ما شئت. قال: أخرج لنا من الأرض بطيخة. قال: أمهلني ثلاثة أيام. قال المأمون: بل الساعة أريدها. قال: يا أمير المؤمنين، أنصفني، أنت تعلم أن الله ينبتها في ثلاثة أشهر، فلا تقبلها من ي في ثلاثة أيام! فضحك منه، وعلم أنه محتال، فاستتابه ووصله.
وادعى آخر النبوة في زمانه فطالبه بمعجزة، فقال: أطرح لكم حصاة في الماء فأذيبها حتى تصير مع الماء شيئاً واحدا. قالوا: قد رضينا. فأخرج حصاة كانت معه فطرحها في الماء فذابت. فقالوا: هذه حيلة، ولكن أذب حصاة غيرها نأتيك بها نحن. فقال لهم: لا تتعصبوا، فلست أضل من فرعون، ولا أنا أعظم من موسى، ولم يقل فرعون موسى: لا أرضى بما تفعله بعصاك حتى أعطيك عصاً من عندي تجعلها ثعباناً. فضحك المأمون منه وأجازه.

(1/388)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية