الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : نهاية الأرب في فنون الأدب
    المؤلف : النويري
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار " . وقال صلى الله عليه وسلم: " الكذب مجانب الإيمان " . وقال صلى الله عليه وسلم: " ثلاثٌ من كن فيه فهو منافقٌ، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلمٌ، من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان " . وقال صلى الله عليه وسلم: " لا يجوز الكذب في جد ولا هزل " . وقال: " لا يكون المؤمن كذابا " .
وقالت الحكماء: ليس لكاذبٍ مروءةٌ.
وقالوا: من عرف بالكذب لم يحسن صدقه.
وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: خلف الوعد ثلث النفاق.
وقال بعض الحكماء: الصدق منجيك وإن خفته، والكذب مرديك وإن أمنته. قال عمرو بن العلاء القاريء: ساد عتبة بن ربيعة وكان مملقا، وساد أبو جهل وكان حدثاً، وساد أبو سفيان وكان بخالا، وساد عامر بن الطفيل وكان عاهرا، وساد كليب بن وائل وكان ظلوما، وساد عيينة وكان محمقاً، ولم يسد قط كذاب، فصلح السؤدد مع الفقر والحداثة والبخل والعهر والظلم والحمق، ولم يصلح مع الكذب، لأن الكذب يعم الأخلاق كلها بالفساد.
وقال يحيى بن خالد: رأيت شريب خمر نزع ولصا أقلع، وصاحب فواحش رجع، ولم أر كذابا رجع.
ويقال: الكذب مفتاح كل كبيرة، والخمر جماع كل شر.
وقيل: لا تأمنن من يكذب لك أن يكذب عليك.
وقيل: الكذب والنفاق والحسد أثافي الذل.
وقال ابن عباس: حقيقٌ على الله أن لا يرفع للكاذب درجةً، ولا يثبت له حجةً، وقال سليمان بن سعدٍ: لو صحبني رجلٌ وقال: لا تشترط على إلا شرطا واحدا لقلت: لا تكذبني.
وقال أبو حيان التوحيدي: الكذب شعارٌ خلق، وموردٌ رنق، وأدبٌ سيء، وعادةٌ فاحشةٌ، وقل من استرسل فيه إلا ألفه، وقل من ألفه إلا أتلفه.
وقال غيره: الكذب أوضع الرذائل خطة، وأجمعها للمذمة والمحطة، وأكبرها ذلاً في الدنيا، وأكثرها خزيا في الآخرة، وهو من أعظم علامات النفاق، وأقوى الدلائل على دناءة الأخلاق والأعراق، لا يؤتمن حامله على حال، ولا يصدق إذا قال.
وقيل: لكل شيء آفةٌ، والكذب آفة النطق.
وقال بعض الكرماء: لو لم أدع الكذب تأثما، لتركته تكرما.
وقال أرسطاطاليس: فضل الناطق على الأخرس بالنطق، وزين النطق الصدق، فإذا كان الناطق كاذبا، فالأخرس خيرٌ منه.
وقال بعض الحكماء لولده: يا بني إياك والكذب، فإنه يزري بقائله، وإن كان شريفا في أصله، ويذله وإن كان عزيزا في أهله.
وقال الأحنف بن قيس: اثنان لا يجتمعان: الكذب والمروءة.
وقال بزرجمهر: الكاذب والميت سواء، لأن فضيلة النطق الصدق، فإذا لم يوثق بكلامه بطلت حياته.
وقال معاوية يوما للأحنف: أتكذب؟ فقال: والله ما كذبت مذ علمت أن الكذب شينٌ.
وقيل: لا يجوز للرجل أن يكذب لصلاح نفسه، فما عجز الصدق عن إصلاحه كان الكذب أولى بفساده. قال بعض الشعراء:
ما أحسن الصدق والمغبوط قائله ... وأقبح الكذب عند الله والناس
وقالوا: احذر مصاحبة الكذاب، فإن اضطررت إليها فلا تصدقه ولا تعلمه أنك كذبته، فينتقل عن مودته، ولا ينتقل عن كذبه.
وقال هرمس: اجتنب مصاحبة الكذاب، فإنك لست منه على شيء يتحصل، وإنما أنت معه على مثل السراب يلمع ولا ينفع.
وقيل: الكذاب شرٌ من النمام، فإن الكذاب يختلق عليك، والنمام ينقل عنك. قال شاعر:
إن النموم أغطى دونه خبري ... وليس لي حيلةٌ في مفترى الكذب
وقال آخر:
لي حيلة فيمن ينم ... وليس في الكذاب حيله
من كان يخلق ما يقو ... ل فحيلتي فيه قليله
ووصف أعرابي كذابا فقال: كذبه مثل عطاسه، لا يمكنه رده.
وقال بعض الأعراب: عجبت من الكذاب المشيد بكذبه، وإنما هو يدل الناس على عيبه، ويتعرض للعقاب من ربه، فالآثام له عادة، والأخبار عنه متضادة، إن قال حقا لم يصدق، وإن أراد خيراً لم يوفق، فهو الجاني على نفسه بفعاله، والدال على فضيحتها بمقالة، فما صح من صدقه نسب إلى غيره، وما صح من كذب غيره نسب إليه.
ويقال: الكذب جماع النفاق، وعماد مساويء الأخلاق، عارٌ لازم، وذل دائم، يخيف صاحبه نفسه وهو آمن، ويكشف ستر الحسب عن لؤمه الكامن، وقال بعض الشعراء:
لا يكذب المرء إلا من مهانته ... أو عادة السوء أو من قلة الورع

(1/374)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية