الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : نهاية الأرب في فنون الأدب
    المؤلف : النويري
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

كانت وزارته بالديار المصرية عقب وفاة عمه المنصور أسد الدين شيركوه وقد تطاول جماعة من الأمراء النورية للوزارة، ومنهم عين الدولة الياروقي، وقطب الدين قايماز، وسيف الدين المشطوب الهكاري، وشهاب الدين محمود الحارمي، وهو خال صلاح الدين؛ وخطبها كل منهم لنفسه، فأشار جماعة من المصريين وخواص العاضد لدين الله على العاضد أن يولي صلاح الدين، وقالوا: إنه أصغر الجماعة سناً ولا يخرج من تحت أمر أمير المؤمنين. فإذا استقر وضعنا على العساكر من يستميلهم إلينا، فيبقى عندنا من الجند من نتقوى به، ثم نأخذ يوسف بد ذلك أو نخرجه فإن أمره أسهل من غيره، فاستدعاه العاضد لدين الله، وخلع عليه خلع الوزارة. ولقبه بالملك الناصر، فلم يطعه أحد من الأمراء الذين كانوا تطاولوا للوزارة ولا خدموه.
وكان الفقيه عيسى الهكاري معه، فسعى مع الأمير سيف الدين علي بن أحمد المشطوب حتى استماله إليه، وقال له: إن هذا الأمر لا يصل إليك مع الياروقي والحارمي وغيرهما. ثم اجتمع بالحارمي وقال مثل ذلك، وقال له: إن صلاح الدين ولد أختك، وعزه وملكه لك، وقد استقام له الأمر، فلا تكن أول من سعى في إخراج الأمر عنه. واجتمع بالأمراء واستمالهم. فأطاعه بعضهم عصى بعضهم.
فأما الياروقي فإنه قال: لا أخدم يوسف أبداً، وعاد إلى الملك العادل نور الدين هو وجماعة من الأمراء. وصال صلاح الدين نائباً عن الملك العادل نور الدين، والخطبة لنور الدين ولا يكاتبه إلا: بالأمير الأسفهسلار صلاح الدين وكافة الأمراء بالديار المصرية. يفعلون كذا وكذا. ويفعل علامته في الكتب، عظمة أن يكتب اسمه. ولما وزر صلاح الدين ثبت قدمه، واستمال قلوب الناس بالأموال فمالوا إليه فقوي أمره، وضعف أمر العاضد.
مقتل مؤتمن الخلافة جوهر
زمام المقصور انتقال وظيفته إلى قراقوش الأسدي وحرب السودان كان مقتل مؤتمن الخلافة في يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي القعدة، من سنة أربع وستين وخمسمائة.
وسبب ذلك أن الملك الناصر شرع في نقض إقطاع المصريين، فاتفق هذا الخادم مع جماعة من الأمراء المصريين على مكاتبة الفرنج واستدعائهم إلى الديار المصرية، والاعتضاد بهم على صلاح الدين ومن معه، وأرسل الكتب مع إنسان، فجعلها في نعل ولبسه، وسار أنه فقير ورث الهيئة. فلما وصل إلى البيضاء وجده تركماني، فأنكر حاله إذ هو رث الهيئة جديد المداس. فأخذ مداسه وفتقه، فوجد الكتب فيه، فحمله بها إلى الملك الناصر، فوقف عليها، وكتم الأمر، وقرر الرجل بالعقوبة، فأقر أن الكتب بخط رجل يهودي، فاستحضره، فأقر بها. ثم قتل صلاح الدين القاصد. واستشعر مؤتمن الخلافة من الملك الناصر، فلزم القصور واحترز على نفسه، فكان لا يخرج منها. فلما طال ذلك عليه خرج من هذا اليوم لقصر له بالخرقانية، فأرسل إليه الملك الناصر جماعة فقتلوه، وأتوه برأسه، فرتب حينئذ على أزمة القصور قراقوش الخصي، وكان من مماليك عمه أسد الدين ليطالعه بما يتجدد بالقصور.
قال: ولما قتل مؤتمن الخلافة ثار السودان لذلك وأخذتهم المحمية، وعظم عليهم قتله، لأنه كان رأسهم ورئيسهم، فحشدوا واجتمعوا، فزادت عدتهم على خمسين ألف عبد، وكانوا أشد على الوزراء من العسكر. فندب الملك الناصر العسكر لقتالهم، وقدم على العسكر أبا الهيجاء السمين، فالتقوا بين القصرين واقتتلوا، فقتل من الفريقين جمع كثير، فلما رأى الملك الناصر قوتهم وشدة بأسهم أرسل إلى محلتهم المعروفة بالمنصورة، خارج باب زويلة، فأحرقها، فاتصل ذلك بهم، فضعفت نفوسهم، فانهزموا إلى محلتهم فوجدوا النيران تضرم فيها. واتبعهم العسكر فمنعهم من إطفائها. ودام القتال بينهم أربعة أيام، نهاراً وليلاً، إلى يوم السبت الثامن والعشرين من ذي القعدة، فخرجوا بأجمعهم إلى الجيزة وقد أيقنوا بالهلاك، وخرج إليهم تورانشاه أخو الملك الناصر فقتلهم، ولم ينج منهم إلا اليسير. وكتب الملك الناصر إلى ولاة البلاد بقتل من يجدونه منهم، فقتلوا من عند آخرهم.
وبقي الملك الناصر يخشى من أهل القصر لما فعله بمؤتمن الخلافة جوهر، فكان جوهر هذا سبب زوال ملك الدولة العبيدية وجوهر القائد سبب ملك المعز للبلاد، فشتان بين الجوهرين.
الحوادث في الأيام الناصرية
غير الفتوحات والغزوات

(8/12)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية