الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : نهاية الأرب في فنون الأدب
    المؤلف : النويري
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

قال: ثم دعا عبد الملك جند العراق إلى البيعة فبايعوه، وسار حتى دخل الكوفة، فأقام بالنخيلة أربعين يوماً، وخطب الناس بالكوفة، فوعد المحسن وتوعد المسىء، وقال: إن الجامعة التي وضعت في عنق عمرو بن سعيد عندي، ووالله لا أضعها في عنق رجل فأنتزعها إلا صعدا لا أفكها عنه فكا، فلا يبقين امرؤ إلا على نفسه، ولا يوبقني دمه. والسلام.
قال عبد الملك بن عمير: كنت مع عبد الملك بقصر الكوفة حين جىء برأس مصعب فوضعت بين يديه، فرآني قد ارتعدت، فقال لي: مالك ؟ فقلت: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين ! كنت بهذا القصر بهذا الموضع مع عبيد الله بن زياد فرأيت رأس الحسين رضي الله عنه بين يديه، ثم كنت فيه مع المختار بن أبي عبيد فرأيت رأس عبيد الله بن زياد بين يديه، ثم رأيت رأس مصعب فيه بين يديك. فقام عبد الملك من مقامه ذلك، وأمر بهدم ذلك الطاق الذي كنا فيه، وقال عبد الملك ابن مروان: متى تخلف قريش مثل المصعب ! ثم قال: هذا سيد شباب قريش. فقيل له: أكان يشرب الطلا ؟ فقال: لو علم المصعب أن الماء يفسد مروءته ما شربه حتى يموت عطشا.
قال: وبعث عبد الملك برأس مصعب إلى أخيه عبد العزيز بن مروان بمصر، فلما رآه وقد قطع السيف أنفه قال: رحمك الله، أما والله لقد كنت من أحسنهم خلقا، وأشدهم بأساً، وأسخاهم نفساً.
ثم سيره إلى الشام فنصب بدمشق، وأرادوا أن يطوفوا به في نواحي الشام، فأخذته عاتكة بنت يزيد بن معاوية زوجة عبد الملك بن مروان، فغسلته وطيبته ودفنته، وقالت: أما رضيتم بما صنعتم حتى تطوفوا به المدن ! هذا بغي.
وكان عمر مصعب حين قتل ستا وثلاثين سنة.
ولما بلغ عبد الله بن خازم مسير مصعب لقتال عبد الملك قال: أمعه عمر بن عبيد الله بن معمر ؟ قيل: لا، استعمله على فارس. قال: أمعه المهلب ؟ قيل: لا، استعمله على الخوارج. قال: أمعه عباد بن الحصين ؟ قيل: لا، استخلفه على البصرة. قال: وأنا بخراسان. وأنشد:
خذيني فجريني جعار وأبشري ... بلحم امرىء لم يشهد اليوم ناصره
قال: ولما قتل مصعب كان المهلب يحارب الأزارقة بسولاف ثمانية أشهر، فبلغ الأزارقة قتله قبل أن يبلغ المهلب، فصاحوا بأصحاب المهلب: ما قولكم في مصعب ؟ قالوا: أمير هدى؛ وهو ولينا في الدنيا والآخرة، ونحن أولياؤه. قالوا: فما قولكم في عبد الملك بن مروان ! قالوا: ذلك ابن اللعين، نحن نبرأ إلى الله منه، وهو عندنا حل دماً منكم. قالوا: فإن عبد الملك قتل مصعباً، وسيجعلون غداً عبد الملك إمامكم.
فلما كان الغد سمع المهلب وأصحابه قتل مصعب، فبايع المهلب الناس لعبد الملك، فصاح بهم الخوارج: يا أعداء الله، ما تقولون في مصعب ؟ قالوا: يا أعداء الله لا نخبركم. وكرهوا أن يكذبوا أنفسهم. قالوا: فما قولكم في عبد الملك ؟ قالوا: خليفتنا. ولم يجدوا بداً إذ بايعوه أن يقولوا ذلك. قالوا: يا أعداء الله؛ أنتم بالأمس تتبرءون منه في الدنيا والآخرة، وهو اليوم إمامكم، وقد قتل أميركم الذي كنتم تتولونه، فأيهما المهتدي ؟ وأيهما المبطل ؟ قالوا: يا أعداء الله، رضينا بذاك إذ كان يتولى أمرنا ونرضى بهذا. قالوا: لا، والله، ولكنكم إخوان الشياطين وعبيد الدنيا.
فال: ولم يف عبد الملك لأحد بأصبهان، واستعمل قطن بن عبد الله الحارثي على الكوفة، ثم عزله، واستعمل أخاه بشر بن مروان. واستعمل محمد بن عمير على همذان، ويزيد بن ورقاء بن رويم على الري، واستعمل خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد على البصرة. وعاد إلى الشام.
مع زفر
ذكر خبر عبد الملك بن مروان وزفر بن الحارث وما كان بينهما من القتال وانتظام الصلح بينهما

(6/10)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية