الكتاب : معجم الأدباء المؤلف : ياقوت الحموي مصدر الكتاب : موقع الوراق http://www.alwarraq.com [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ] |
الجزء الأول (1/1)
خطبة الكتاب
الفصل الأول
في فضل الأدب وأهله، وذم الجهل وحمله
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كفى بالعلم شرفاً أنه يدعيه من لا يحسنه ويفرح إذا نسب إليه من ليس من أهله، وكفى بالجهل خمولاً، أنه يتبرأ منه من هو فيه ويغضب إذا نسب إليه.
فنظم بعض المحدثين ذلك، فقال:
كفَى شَرَفاً لِلْعِلْمِ دَعْوَاهُ جَاهِلٌ ... وَيَفْرَحُ أَنْ يُدْعَى إِلْيهِ وَيُنْسَبُ
وَيَكْفِي خُمُولاً بِالْجَهالَةِ أَنَّنِي ... أُرَاعُ مَتَى أُنْسَبْ إلَيْهَا وَأَغْضَبُ
وقال رضي الله عنه: قيمة كل إنسان ما يحسن، فنظمه شاعر وقال:
لاَ يَكُونُ الْفَصِيحُ مِثْلَ الْعَيَيِّ ... لاَ وَلاَ ذُو الذَّكَاءِ مِثْلَ الْغَبِيِّ
قِيمَةُ الْمَرْءِ قَدْرُ مَا يُحْسِنُ الْمَرْ ... ءُ قَضَاءٌ مِنَ الإمَامِ عَليِّ
وقال كرم الله وجهه: كل شيء يعز إذا نزر، ما خلا العلم، فإنه يعز إذا غزر.
ومر عمر بن الخطاب رضي الله عنه على قوم يسيئون الرمي، فقرعهم، فقالوا: إنا قوم " متعلمين " ، فأعرض مغضباً، وقال: والله لخطؤكم في لسانكم، أشد علي من خطئكم في رميكم.
سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " رحم الله امرأ أصلح من لسانه " .
وروي أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما قرأ: " ونادوا يا مال ليقض علينا ربك أنكر عليه ابن عباس. فقال علي: هذا من الترخيم في النداء فقال. ابن عباس: ما أشغل أهل النار في النار عن الترخيم في النداء؟ فقال علي: صدقت.
فهذا يدل على تحقق الصحابة من النحو، وعلمهم به.
استأذن رجل على إبراهيم النخعي فقال: " أبا " عمران في الدار، فلم يجبه. فقال: أبي عمران في الدار، فناداه: قل الثالثة وادخل.
وكان الحسن بن أبي الحسن يعثر لسانه بشيء من اللحن فيقول: استغفر الله. فقيل له فيه: فقال: من أخطأ فيها فقد كذب على العرب، ومن كذب فقد عمل سوءاً، وقال الله تعالى: " ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً " .
وذكر أبو حيان في كتاب محاضرات العلماء: حدثنا القاضي أبو حامد أحمد بن بشر قال: كان الفراء يوماً عند محمد ابن الحسن، فتذاكرا في الفقه والنحو، ففضل الفراء النحو على الفقه، وفضل محمد بن الحسن الفقه على النحو، حتى قال الفراء: قل رجل أنعم النظر في العربية، وأراد علماً غيره، إلا سهل عليه، فقال محمد بن الحسن: يا أبا زكريا، قد أنعمت النظر في العربية، وأسألك عن باب من الفقه. فقال: هات على بركة الله تعالى، فقال له: ما تقول في رجل صلى فسها في صلاته، وسجد سجدتي السهو، فسها فيهما، فتفكر الفراء ساعة، ثم قال: لا شيء عليه. فقال له محمد: لِمَ؟ قال: لأن التصغير عندنا ليس له تصغير، وإنما سجدتا السهو تمام الصلاة، وليس للتمام تمام. فقال محمد بن الحسن: ما ظننت أن آدمياً يلد مثلك.
وحكي عن بعض الفقهاء أنه كان يقول: حب من الناس حب من الله، وما صلح دين إلا بحياء، ولا حياء إلا بعقل، وما صلح حياء، ولا دين، ولا عقل، إلا بأدب.
وأنشد أبو الفضل الرياشي:
طَلَبْتُ يَوْماً مَثَلاً سَائِراً ... فَكُنْتُ فِي الشِّعْرِ لَهُ نَاظِمَا
لاَ خَيْرَ فِي الْمَرْءِ إذَا مَا غَدَا ... لا طالب العلم ولا عالما
وفي الخبر: " ارحموا ثلاثة، عزيز قوم ذل. وغني قوم افتقر، وعالماً يلعب الجهال بعلمه " .
فنظمه شاعر فقال:
إنِّي مِنَ النَّفَرِ الثَّلاَثَةِ حَقْهُمْ ... أَنْ يُرْحَمُوا لِحَوَادِثِ الأَزْمَانِ
مثرٍ أقل وعالم مستجهل، وعزيز قوم ذل للحدثان.
ويقال: فقدان الأديب الطبع، كفقدان ذي النجدة السلاح، ولا محصول لأحدهما دون الآخر. وقال:
نِعْمَ عَوْنُ الْفَتَى إِذَا طَلَبَ الْعِلْ ... مَ وَرَامَ الآدَابَ صِحَّةُ طَبْعِ
فَإذا الطَّبْعُ فَاتَهُ بَطَلَ السَّعْ ... يُ وَصَارَ الْعَنَاءُ فِي غَيْرِ نَفْعٍ
ومما يقارب ذلك قول بعضهم:
مَنْ كَانَ ذَا عَقْلٍ وَلَمْ يَكُ ذَا غِنىً ... يَكُونُ كَذِي رِجْلٍ وَلَيْسَ لَهُ نَعْلُ