الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : نشوار المحاضرة
    المؤلف : القاضي التنوخي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

فقامت، فنزعت ثيابها، فخلعتها علي، فلبستها، قم قالت: اذهب إلى بيتي، فادخل في خبائي، فإن زوجي سيأتيك بعد ساعة أو ساعتين، فيطلب منك القدح، ليحلب فيه الإبل، فلا تعطه إياه حتى يطيل طلبه، ثم ارم به رمياً، ولا تعطه إياه من يدك، فإني كذا كنت أفعل به، فيذهب فيحلب، ثم يأتيك عند فراغه من الحلب، والقدح ملآن لبناً، فيقول: هاك غبوقك، فلا تأخذ منه حتى تطيل نكداً عليه، ثم خذه، أو دعه حتى يضعه، ثم لست تراه، حتى تصبح إن شاء الله.
قال: فذهبت ، ففعلت ما أمرتني به، حتى إذا جاء القدح الذي فيه اللبن، أمرني أن آخذه، فلم آخذه، حتى طال نكدي، ثم أهويت لآخذه، وأهوى ليضعه، واختلف يدي ويده، فانكفأة القدح، واندفق ما فيه، فقال: إن هذا طماح مفرط، وضرب بيده إلى مقدم البيت، فاستخرج سوطاً مفتولاً، كمتن الثعبان المطوق، ثم دخل علي، فهتك الستر عني، وقبض على شعري، وأتبع ذلك السوط متني، فضربني تمام ثلاثين، ثم جاءت أمه وإخوته، وأخت له، فانتزعوني من يده، ولا والله، ما أقلع، حتى زايلتني روحي، وهممت أن أوجره الكين، وإن كان فيه الموت.
فلما خرجوا عني، وهو معهم، شددت ستري، وقعدت كما كنت.
فلم ألبث إلا قليلاً، حتى دخلت أم جيداء علي تكلمني، وهي تحسبني ابنتها، فاتقيتها بالسكات والبكى، وتغطيت بثوبي دونها.
فقالت: يا بنية، اتقي الله ربك، ولا تعرضي لمكروه زوجك، فذاك أولى بك، فأما الأشتر، فلا أشتر لك آخر الدهر.
ثم خرجت من عندي، وقالت: سأرسل إليك أختك تونسك، وتبيت الليلة عندك.
فلبثت غير ما كثير، فإذا الجارية قد جاءت، فجعلت تبكي، وتدعو على من ضربني، وجعلت لا أكلمها، ثم اضطجعت إلى جانبي.
فلما استمكنت منها، شددت بيدي على فيها، وقلت: يا هذه تلك أختك مع الأشتر، وقد قطع ظهري الليلة بسببها، وأنت أولى بالستر عليها، فاختاري لنفسك ولها، فوالله لئن تكلمت بكلمة، لأضجن بجهدي، جتى تكون الفضيحة شاملة.
ثم رفعت يدي عنها، فاهتزت الجارية كما تهتز القصبة من الروع، ثم بات معي منها أملح رفيق رافقته، وأعفه، وأحسنه حديثاً، فلم تزل تتحدث، وتضحك مني، ومما بليت به من الضرب، حتى برق النور، وإذا جيداء قد دخلت علينا من آخر البيت، فلما رأتنا ارتاعت، وفزعت.
وقالت: ويلك من هذا عندك؟ قلت: اختك.
قالت: وما السبب؟ قلت: هي تخبرك، ولعمر الله، إنها لعالمة بما نزل ببي، وأخذت ثيابي منها، ومضيت إلى صاحبي، فركبنا، ونحن خائفان.
فلما سري عنا روعنا، حدثته بما أصابني وكشفت عن ظهري، فإذا فيه ما غرس السوط من ضربة إلى جانب أخرى، كل ضربة تخرج الدم وحدها.
فلما رآني الأشتر، قال: لقد عظمت صنيعتك، ووجب شكرك، إذ خاطرت بنفسك، فبلغني الله مكافأتك.
كيف تعالج اللثغة عن الصبي
حدث أبو علي المحسن بن علي التنوخي، في نشوار المحاضرة، قال: حدثني أبو الفتح أحمد بن علي بن هارون بن المنجم، قال: حدثني أبي قال: كنت وأنا صبي لا أقيم الراء في كلامي، وأجعلها غيناً، وكانت سني إذ ذاك أربع سنين، أقل أو أكثر، فدخل أبو طالب الفضل بن سلمة، أو أبو بكر الدمشقي الشك من أبي الفتح إلى ؟أبي، وأنا بحضرته، فتكلمت بشيء فيه راء، فلثغت فيها.
فقال له الرج: يا سيدس، لم تدع أبا الحسن يتكلم هكذا؟ فقال له: ما أصنع، وهو ألثغ؟ فقال له: - وأنا أسمع وأحصل ما جرى، وأضبطه - إن اللثغة لا تصح مع سلامة الجارحة، وإنما هي عادة سوء تسبق إلى الصبي أول ما يتكلم، لجهله بتحقيق الألفاظ، وسماعه شيئاً يحتذيه، فإن ترك على ما يستصحبه من ذلك، مرن عليه، فصار له طبعاً لا يمكنه التحول عنه، وإن أخذ بتركه في أول نشوة، استقام لسانه، وزال عنه، وأنا أزيل هذا عن أبي الحسن ولا أرضى فيه بترك له عليه.
ثم قال لي أخرج لسانك، فاخرجته.
فتأمله، وقال: الجارحة صحيحة، قل يا بني: را، واجعل لسانكفي سقف حلقك.
ففعلت ذلك، فلم يستولي .
فما زال يرفق بي مرة، ويخشن بي أخرى، ويقل لساني من موضع إلى موضع، من فمي، ويأمرني أن أقول الراء فيه، فإذا لم يستولي ، نقل لساني إلى موضع آخر، دفعات كثيرة، فر زمان طويل، حتى قلت راءً صحيحة في بعض تلك المواضع.
وطالبني، وأوصى معلمي بإلزامي ذلك، حتى مرن لساني عليه، وذهبت عنه اللثغة.
أيهما يصفع
حكى علي بن المحسن القاضي، قال:

(1/334)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية