الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : نشوار المحاضرة
    المؤلف : القاضي التنوخي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وانتبه الضيف باضطرابه، وعرف ما أريد به، فخرج هارباً من الدار، وصاح في الطريق.
ووقف الجيران على خبره، فأغاثوه، وأخذوا الرجل، فقرر، فأقر بقتل ابنه، فحبس، وأخذ المال من داره، فرد على الضيف، وسلم.
تاجر بغدادي آلى على نفسه
أن يغسل يده أربعين مرة إذا أكل ديكبريكة
أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي البزاز عن أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي، عن أبيه، قال: حدثني أبو الفرج أحمد بن عثمان بن إبراهيم، الفقيه المعروف بابن النرسي، قال: كنت جالساً بحضرة أبي، وأنا حدث، وعنده جماعة، فحدثني حديث وصول النعم إلى الناس بالألوان الطريفة، وكان ممن حضر، صديق لأبي، فسمعته يحدث أبي، قال: حضرت عند صديق لي من التجار، كان يحزر بمائة ألف دينار، في دعوة، وكان حسن المروءة.
فقدم مائدته، وعليها ديكبريكة، فلم يأكل منها، فامتنعنا.
فقال: كلوا، فإني أتأذى بأكل هذا اللون.
فقلنا: نساعدك على تركه.
فقال: بل أساعدكم على الأكل، وأحتمل الأذى، فأكل، فلما أراد غسل يديه أطال، فعددت عليه، أنه قد غسلها أربعين مرة.
فقلت: يا هذا، وسوست؟ فقال: هذه الأذية التي فرقت منها.
فقلت: وما سببها؟ فامتنع من ذكر السبب.
فألححت عليه، فقال: مات أبي، وسني عشرون سنة، وخلف لي نعمة صغيرة، ورأس مال، ومتاعاً في دكانه، وكان خلقانياً في الكرخ.
فقال لي لما حضرته الوفاة: يا بني، إنه لا وارث لي غيرك، ولا دين علي، ولا مظلمة، فإذا أنا مت، فأحسن جهازي، وصدق عني بكذا وكذا، وأخرج عني حجة بكذا وكذا، وبارك الله لك في الباقي، ولكن احفظ وصيتي.
فقلت: قل.
فقال: لا تسرف في مالك، فتحتاج إلى ما في أيدي الناس ولا تجده، واعلم أن القليل مع الإصلاح كثير، والكثير مع الفساد قليل، فالزم السوق، وكن أول من يدخلها، وآخر من يخرج منها، وإن استطعت أن تدخلها سحراً بليل، فافعل، فإنك تستفيد بذلك فوائد، تكشفها لك الأيام.
ومات، وأنفذت وصيته، وعملت بما أشار به، وكنت أدخل السوق سحراً، وأخرج منها عشاء، فلا أعدم أن يجيئني من يطلب كفناً، فلا يجد أحداً قد فتح غيري، فأحكم عليه، ومن يبيع شيئاً، والسوق لم تقم، فأبيعه له، وأشياء من الفوائد.
ومضى على لزومي السوق سنة وكسر، فصار لي بذلك جاه عند أهلها، وعرفوا استقامتي، فأكرموني.
فبينا أنا جالس يوماً، ولم يتكامل السوق، إذا بامرأة راكبة حماراً مصرياً، وعلى كفله منديل دبيقي، وخادم، وهي بزي القهرمانة.
فبلغت آخر السوق ثم رجعت، فنزلت عندي، فقمت إليها، وأكرمتها وقلت: ما تأمرين؟ وتأملتها فإذا امرأة لم أر قبلها، ولا بعدها، إلى الآن، أحسن منها، في كل شيء.
فقالت: أريد كذا ثياباً، طلبتها. فسمعت نغمة، ورأيت شكلاً قتلني، وعشقتها في الحال، أشد العشق.
فقلت: اصبري حتى يخرج الناس، فآخذ لك ذلك، فليس عندي إلا القليل مما يصلح لك.
فأخرجت الذي عندي، وجلست تحادثني، والسكاكين في فؤادي من عشقها. وكشفت عن أنامل، رأيتها كالطلع، ووجه كدارة القمر.
فقمت لئلا يزيد علي الأمر، فأخذت لها من السوق ما أرادت، وكان ثمنه مع ما لي نحو خمسمائة دينار، فأخذته، وركبت، ولم تعطني شيئاً.
وذهب عني، لما تداخلني من حبها، أن أمنعها من أخذ المتاع إلا بأداء المال، أو أن أستدل على منزلها، ومن دار من هي؟.
فحين غابت عني، وقع لي أنها محتالة، وأن ذلك سبب فقري، فتحيرت في أمري، وقامت قيامتي، وكتمت خبري لئلا افتضح بما للناس علي.
وعملت على بيع ما في يدي من المتاع، وإضافته إلى ما عندي من الدراهم، ودفع أموال الناس إليهم، ولزوم البيت، والاقتصار على غلة العقار الذي ورثته عن أبي، وظننت نفسي على المحنة، وأخذت أشرع في ذلك مدة أسبوع.
وإذا هي قد نزلت عندي، فحين رأيتها، أنسيت جميع ما جرى علي، وقمت إليها.
فقالت: يا فتى، تأخرنا عنك، لشغل عرض لنا، وما شككنا في أنك لم تشك أننا احتلنا عليك.
فقلت: قد رفع الله قدرك عن هذا.
فقالت: هات التخت والطيار، فأحضرته.
فأخرجت دنانير عتقاً، فوفتني المال بأسره. وأخرجت تذكرة بأشياء أخر.
فأنفذت إلى التجار أموالهم، وطلبت منهم ما أرادت، وحصلت أنا في الوسط ربحاً جيداً.
وأحضر التجار الثياب، فقمت وثمنتها معهم لنفسي، ثم بعتها عليها بربح عظيم.

(1/226)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية