الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : نشوار المحاضرة
    المؤلف : القاضي التنوخي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

الجزء الأول
لماذا لا يكذبون على الوزير أعزه الله
حدثني أبو العباس هبة الله بن محمد بن يوسف، المعروف بابن المنجم النديم، وهو أحد بني يحيى بن أبي منصور المنجم، صاحب المأمون، ومحل أهله وسلفه وبيته في منادمة الخلفاء والوزراء والأمراء مشهور، وموضعهم من الكلام والنجوم والعلم والأدب وقول الشعر وتصنيف الكتب في أنواع ذلك المعروف، ومكانهم من المنزلة في خدمة السلطان وعظم النعمة والحال متعالم، ومحل أبي العباس في نفسه أشهر من أن يجهل في العلم والأدب وقول الشعر والمعرفة بالجدل والفقه، وغير ذلك مما يقوم به، وقد نادم أبا محمد المهلبي رحمه الله، واختص به ونفق عليه سنين كثيرة، ومن بعده من الوزراء، وغيرهم من الرؤساء، وهو أحد بقايا رجال أهل بيته، قال: كنت بحضرة أبي مخلد عبد الله بن يحيى الطبري صاحب معز الدولة فجرى ذكر الكرم والكرام، والجود والأجواد، وما كانت البرامكة وغيرها تأتيه من الأفضال على الناس، فأخذ أبو مخلد يدفع هذا ويبطله، حتى قال: هذه حيل نصبها الشحاذون على دراهم الناس، لا أصل لها.
فقلت له: أيها الشيخ إن قلت ذلك، فقد قال صاعد مثله، فأجيب.
فقال: ما قال؟ فقلت له: حكي له جود البرامكة، فقال: هذا من موضوعات الوراقين وكذبهم، وكان أبو العيناء حاضراً، فقال له: فلم لا يكذب على الوزير أعزه الله مثل هذا وهو حي يرجى ويخاف، وأولئك موتى مأيوس من خيرهم وشرهم مثل هذا الكذاب؟ قال: فخجل أبو مخلد.
الوزير ابن الزيات يذكر البرامكة وهو في التنور
وفي معنى هذا ما أذكره، وإن كان موجوداً في الكتب، ولكنه على سبيل الإستعادة، وهو حسن.
حدثني أبو محمد يحيى بن محمد الأزدي، قال: بلغني أن ابن الزيات لما حصل في التنور قال له بعض خدمه: لهذا وشبهه كنا نشير عليك بفعل الإحسان، وتقليد رقاب الرجال بالأمتنان، واتخاذ الصنائع في حال القدرة لتجازي بها الآن عند الحاجة.
فقال: لو كنت فعلت هذا، ما حصلت منه على طائل، لما في نفوس الناس من ضعف الإخاء، وكثرة الغدر، وقلة الوفاء، وتراني كنت أفعل أكثر من أفعال البرامكة؟ ما نفعهم لما حصلوا في مثل حالي من إسلام الزمان وجور السلطان؟ فقال له الخادم: لو لم ينفعهم إلا ذكرك لهم في مثل هذه الحال التي أنت فيها لكان ذلك أكبر نفع.
أبو الشبل يقارن في الكرم بين البرامكة
وبين عبيد الله بن يحيى بن خاقان: وحدثني أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد المعروف بالأصبهاني الكاتب، قال: حدثني الحسن بن علي، قال: حدثنا ابن مهرويه، قال: أبو الشبل عاصم بن وهب البرجمي، قال: حضرت مجلس عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وكان إلى محسناً، وعلي مفضلاً، فجرى ذكر البرامكة، ووصف الناس لهم بالجود، وما قالوا في كرمهم وجوائزهم، فأكثروا.
فقمت في وسط المجلس، وقلت: أيها الوزير، قد حكمت في هذا الخطب حكماً نظمته في بيتي شعر، لا يقدر أحد أن يرده علي، وإنما جعلته شعراً ليبقى ويدور، أفيأذن الوزير في إنشادهما؟ فقال: قل، فرب صواب قلت، فقلت:
رأيت عبيد الله أندى أناملاً ... وأكرم من فضل ويحيى وخالد
ورواه لنا مرة أخرى فقال فيه:
رأيت عبيد الله أفضل سؤددا ... وأكرم من فضل ويحيى وخالد
أولئك جادوا والزمان مساعد ... وقد جاد ذا والدهر غير مساعد
الحسن المنجم عامل معز الدولة
على الأهواز وحبه للعمارة: حضرت مجلس الحسن بن علي بن زيد المنجم، غلام أبي نافع، وهو إذ ذاك عامل معز الدولة رحمه الله على الأهواز وقطعة من كروها، ومحله عنده كمحل وزرائه، وكان قد خدم أبي رحمه الله قديماً، بعد مفارقته خدمة القاسم بن دينار عامل الأهواز، وتوكل له في داره وضيعته، وخلفه على العيار في دار الضرب بسوق الأهواز، ثم خلطه بخدمة أبي عبد الله البريدي، فعلت منزلته، ثم بلغت به الحال ما ذكرته، فكنت إذا جئته، وهو إذ ذاك على غاية الجلالة، وأنا في حد الأحداث، اختصني.
وكان يعجبه أن يقرظ في وجهه، فأفاض قوم في مدحه، وذكر عمارته للوقوف، والسقايات، وإدراره الماء في ذبابة المسرقان وتفريقه مال الصدقات على أهلها، وذنبت معهم في ذلك.

(1/1)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية