الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : شرح ديوان الحماسة
    المؤلف : المرزوقي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

يقول: إذا صروف الدهر أناخت على قوم بإزالة نعمهم، وتكدير عيشهم، فجرت عليهم أذيال الشر والتغيير، ودرست آثارهم ومحت دولهم، تراها تنتقل إلى آخرين، لأنها كما تهب ترتجع، وكما تولى تستلب.
ثم قال: قل لمن شمت بنا فيما رأى من أثر الزمان فينا: انتبهوا من رقدتكم واصحوا من شمانتكم، فستلقون كما لقينا، وتمتحنون كما امتحنا؛ لأن حياتنا وجميع ما في أيدينا عوار، والعواري تسترد وإن طالت المهلة.
وقال الصلتان العبدي
أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الليالي ومر العشى
إذا ليلة هرمت يومها ... أتى بعد ذلك يوم فتى
نروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجة من عاش لاتنقضي
ذكر في الأبيات ما تدور عليه دوائر الأيام، وصروف الأزمان، وأنها لاتقف عند غابة، ولا تعرف فيما تجري فيه مقر نهاية، وأن من عادتها تغيير الأمور، وفي تقضيها وقضاياها تحويل الأحوال، فقال: إن كرور الأيام، ومرور الليالي والأوقات، تراها تجعل الصغير كبيراً، والكبير حقيراً، وتجعل الطفل شاباً، والشيخ فانياً، فكلما خلقت جدة يوم جاء بعدها يوم آخر فتى جديد، ونحن فيها ندأب في حاجاتنا، فلا نحن نمل، ولا حاجاتنا تفنى أو تقل، ولا الوقت بنا يقف، ولا واحد منا ينتظر أو يتوقف، إذ كان ذو العيش مآربه متصلة، كما أن أوقاته دائرة متتابعة.
معنى هرمت يومها: ضعفته مسلماً للزوال. ويقال: هو ابن هرمة أبيه، كما يقال: هو ابن عجزة أبيه، لآخر الأولاد، كأنه من الهرم. والهرمى من الخشب: مالاً دخان له، لعتقه وذهاب قوته. والفتى مصدره الفتاء، وضده الذكي. ويقال: فتاء فلان كذكاء فلان وكتذكية فلان.
تموت مع المرء حاجاته ... ويبقى له حاجة ما بقي
إذا قلت يوماً لمن قد ترى ... أروني السرى أروك الغنى
يقول: تموت مع المرء حاجاته. يريد أن المرء ما دام حياً فمآربه وشهواته تتجدد تجدد الأوقات، وأمانيه تتصل ما اتصل عمره، فإذا جاء أجله وتناهى أمده، انتهت مآربه، ووقفت مطالبه.
وقوله (إذا قلت يوماً لمن قد ترى) يريد: وإن سألت كل من تقع عينك عليه من المميزين، عن سراة الرجال وكرامهم، أحالوا على المثرين وإن ضعفت رغباتهم في اكتساب الخير، واستجلاب الحمد. والسرو: سخاء في مروة. ويقال: سرو الرجال يسرو، وهو سري من قوم سراة. وكأن هذا سلك مسلك الآخرحين قال:
وأن ثراء المال ينفع ربه ... ويثني عليه الحمد وهو مذمم
ألم تر لقمان أوصى بنيه ... وأوصيت عمراً ونعم الوصي
بني بدا خب نجوى الرجال ... فكن عند سرك خب النجى
وسرك ما كان عند أمرىء ... وسر الثلاثة غير الخفى
معنى (ألم تر): اعلم. ويريد التنبيه على أن له في وصاته ابنه اقتداءً بالحكماء قبله، فكما ساغ للقمان أن يوصي ابنه ساغ للصلتان أن يوصي عمراً ولده. والمحمود في قوله (نعم الوصى) محذوف، كأنه قال: ونعم الوصى هو. وهذا ترغيب منه لعمرو في الاحتذاء بما يرسم له. وقوله (بني بدا خب نجوى الرجال) فالخب: المكر بكسر الخاء، والخب بفتحها: المكار. ومثله رجل صب. والنجوى: مصدر، وهو يستعمل فيما يتحدث فيه اثنان على طريق الستر والكتمان. فيقول: إذا ناجيت صاحباً لك فكن خباً فيما تودعه من سرك، فإن نجوى الرجال إذا بدا خبها، ومكر أربابها فيها، عادت وبالاً وفضيحة. والنجي يقع على الواحد والجمع، وكذلك النجوى. وفي القرآنإذ هم نجوى.
وقوله(وسرك ما كان عند امرىء) ذهب فيه مذهب من قال:
إذا جاوز الاثنين سر فإنه ... ببث وتكثير الوشاة قمين
وقد قيل في (الاثنين) من هذا البيت أراد به الشفتين. وكأن من فسر هذا التفسير يريد: لاتتفش سرك إلى أحد.
آخر باب الأدب، والحمد لله وحده، والصلاة على نبيه محمد وآله بعده.
وقال الصمة بن عبد الله القشيري
حننت إلى ريا ونفسك باعدت ... مزارك من ريا وشعبا كما معا
فما حسن أن تأتي الأمر طائعاً ... وتجزع أن داعي الصببابة أسمعا

(1/372)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية