الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : شرح ديوان الحماسة
    المؤلف : المرزوقي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

مفعول أقول هي جملة البيت الذي يليه، والواو من قوله: وفي الأكفان أبيض ماجد واو الحال، وكغصن الأراك في موضع الصفة لأبيض. شبه امتداد قامته به. و " وجهه " على هذا يكون مبتدأ وخبره حين وسما، والجملة في موضع الصفة لما قبله. وظروف الأزمنة لا تتضمن الأشخاص والجثث، لا تقول زيد اليوم، ولكن هذا مثل قولهم: الهلال اللليلة، فكما جاز هذا لأن المراد طلوع الهلال الليلة، كذلك قوله وجهه حين وسما لأن المعنى: بقول وجهه حين وسم. ومعنى وسم: خرج قليلاً، وحقيقته أنه بمعنى توسم، كما أن وجه بمعنى توجه، ونبه بمعنى تنبه، وقدم بمعنى تقدم. ويقال لون الغلام، وطر، ووسم، وبقل بالتخفيف، في معنى واحد. وأجاز أبو حاتم بقل بالتشديد ورواه الأصمعي ولم يجزه غيره. والمعنى: أقول متلهفاً وقد كفن بمرأى مني ثم شاب مجتمع كريم شريف حسن الطأة، كأنه غصن من الأراك ووجهه قد وسم حديثاً. والمعنى: اعتبط ولم يمتع بشباه، ولا أمهل لاستكماله واكتتهاله. فأقول: حقاً عباد الله ما أرى.
وقد ألم في هذا المعنى بقول النابغة:
يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم
كأنه يكذب المشاهدة كما كذب النابغة الإخبار. وكل ذلك لاستفظاع الحال، واستعظام الأمر والخطب. فأما قوله أحقاً انتصب عند سيبويه على الظرف، كأنه أفي الحق ذلك. فإن قيل: كيف جاز أن يكون ظرفاً؟ قلت لما رآهم يقولون: أفي حق كذا، أو أفي الحق كذا، جعله إذا نصبوه على تلك الطريقة، قال:
أفي حق مواساتي أخاكم ... بمالي ثم يظلمني السريس
وقال:
أفي الحق أني مغرم بك هائم ... وأنك لا خل هواك ولا خمر
وقوله أن لست رائيا أن مخففة من الثقيلة. والمعنى أفي الحق لست رائياً هذا الفتى إلا متوهماً أبد الدهر. وقوله توهما مصدر في موضع الحال.
وفائدة قوله عباد الله أنه رجع فيما كان لا يؤمن به ولا يسكن إليه شناعة وقباحة، إلى الناس كافة يستثبتهم و يستفتيهم.
فأقسم ما جشمته من مهمة ... تؤود كرام القوم إلا تجشما
ولا قلت مهلاً وهو غضبان قد غلا ... من الغيظ وسط القوم إلا تبسما
يصف رضاه وحسن طاعته له، وقوة نهضته بكل ما يحمله من الأثقال المتعبة، والآراب المثقلة، ودوام صبره على جميع ما يكلفه من المهمات الشاقة على كرام الناس الباهظة، إلى ما كان يوجب له ويعظم قدر كلامه، فقال: ولم أقل له رفقاً إذا احتمى غيظاً إلا سكن وحسنت فيئته، وكرمت عطفته، حتى بدا لي مضحكه، وتهللت في لقياي غرته. هذا ومجلسه مشهود، والأقوام حوله قعود، فلا يتداخله نخوة، ولا تأخذه بالإباء والتشدد عزة. وهذا كله تنبيه على تعالى لوعته، وتغالي حرقته وفجعته.
وقال آخر:
ألا لا فتى بعد ابن ناشرة الفتى ... ولا عرف إلا قد تولى فأدبرا
فتى حنظلي ما تزال ركابه ... تجود بمعروف وتنكر منكرا
لحى الله قوماً أسلموك وجردوا ... عناجيج أعطتها يمينك ضمرا
حذف الخبر من قوله لا فتى ولا عرف جميعا، كأنه قال: لا فتى في الدنيا بعد ذهابه، ولا عرف موجود بعد تولي عرفه. وفي وصفه المرثي بالفتى كأنه جمع له الفضائل كلها، كما أن نفيه العرف كأنه نفى به المحامد كلها؛ لأن مهن شرط الفتوة أن يدخل تحتها خصال الخير، كما أن العرف والمعروف يدخل تحته كل ما عرف في الإحسان والصلاح. ولك أن تنون لا فتى وإن كان الأول أشرف في المعنى وأبلغ، فيكون في موضع الرفع بالابتداء، وكذلك لا عرف ترفعه وتنونه، لأنك تلقى حركة الهمزة من إلا وهي كسرة على التنوين. والفصل بين الرفع والنصب أن النصب يفيد الاستغراق، كأنه نفي قليل الجنس وكثيره، إذا كان جواب هل من فتى، ومن عرف؟ والرفع لا يكون فيه الاستغراق، لكونه جواب هل فتى وهل عرف، فلا يمتنع أن يكون السؤال عن واحد من الجنس ويكون الجواب على حده. وقوله ما تزال ركابه من صفة فتى، وتجود بمعروف خبر ما تزال.
وارتفع فتى حنظلي على أنه خبر مبتدأ محذوف، ولو نصبه على المدح والاختصاص لجاز، وقصده إلى أنه أمار بالمعروف، ونهاء عن المنكر، ولا يرضى بذلك فيما يليه من البلاد، بل ترى الركبان تطوف به، فيأتيهما في الأباعد مثل ما يأتيهما في الأقارب. وقوله ركابه أراد أصحاب ركابه يعني رسله.

(1/305)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية