الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : يتيمة الدهر
    المؤلف : الثعالبي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

حكم الله لي عليه فلو أنص ... ف قلبي عرفت قدر وِدادي
وأنشدني له من قصيدة فصلية هذين البيتين، وأظهر إعجاباً شديداً بهما،:
وفصلٍ فيه للأرض اختيالٌ ... لأنّ جميع ما لبست حرير
وللأغصان من طربٍ تثنَّ ... إذا جعلت تغنّيها الطيور
أبو دلف الخزرجي الينبوعي مسعر بن مهلهل
شاعر كثير الملح والظرف، مشحوذ المدية في الجدية، خنق التسعين في الإطراب والاغتراب،وركوب الأسفار الصعاب، وضرب صفحة المحراب بالجراب. في خدمة العلوم والآداب. وفي تدويخه البلاد يقول من أبيات أنشدنيها أبو الفضل الهمذاني:
وقد صارت بلاد الل ... ه في ظعني وفي حلّي
تغايرن بلبثي و ... تحاسدن على رحلي
فما أنزلها إلا ... على أنسٍ من الأهل
وكان ينتاب حضرة الصاحب، ويكثر المقام عنده، ويكثر سواد غاشيته وحاشيته، ويرتفق بخدمته، ويرتزق في جملته، ويتزود كتبه في أسفاره، فتجري مجرى السفاتج في قضاء أوطاره، وكان الصاحب يحفظ مناكاة بني ساسان حفظاً عجيباً، ويعجبه من أبي دلف وفور حظه منها، وكانا يتجاذبان أهدابها ويجريان فيما لا يفطن له حاضرهما، ولما أتحفه أبو دلف بقصيدته التي عارض بها دالية الأحنف العكبري في المناكاة وذكر المكدين والتنبيه على فنون حرفهم وأنواع رسومهم وتنادر بإدخال الخليفة المطيع لله في جملتهم وقد فسرها تفسيراً شافياً اهتز ونشط لها وتبجّح بها وتحفظ كلها وأجزل صلته عليها، وقد كتبت معظمها بأخرة، وكان السلامي هجاه بالأبيات التي أولها:
قال يوماً لنا أبو دلفٍ أب ... رد نت تطرقُ الهموم فؤادّهْ
لي شعرٌ كالماء قلت أصاب ال ... شيخ لكن لفظه برّاده
أنت شيخ المنجمين ولكنْ ... لست في حكمهم تنال السعاده
وطبيبٍ مجربٍ ما له بالح ... ذق في كل يجرِّب عاده
مرّ يوماً إلى مريضٍ فقلنا ... قرَّ عيناً فقد رزقت الشهاده
فقال أبو دلف:
ظلّ السلاميّ يهجوني فقلت له ... حييت قلبي ومعشوقي وأستاذي
إن لم تكن ذاكراً بالريّ صحبتنا ... فاذكر ضراطك من تحتي ببغداد
وأنشدني عون بن الحسين الهمذاني، قال: أنشدني أبو دلف الخرزجي الينبوعي لنفسه في أبي عبد الله العلوي:
لولا النبيُّ محمدٌ ... ووصيُّه ثم البتولُ
لعلمت أني شاعرٌ ... آسِمُ الرجال بما أقول
لكنّني أعرضت عن ... ذاك الحديث وفيه طولُ
وتركت للخمر الخما ... ر، وحبّذا تلك الشمول
وأنشدني أبو علي محمد بن عمر البلخي، قال: أنشدني أبو دلف الخزرجي لنفسه في إنسان بالدينور يقال له المشقاع:
يا من يسائلني عن المشقاعِ ... قد ضاق شعري عنده ورقاعي
كاتبته في حاجةٍ عرضتْ لنا ... فكأنّني كاتبتُ وحش القاع
نعم الفتى لو لم تكن أخلاقُه ... ممزوجةً بتوابل الفقّاع
أنا مثله في جنسه من طرزه ... إن لم أضرِّطه على الإيقاع
وأنشدني بديع الزمان لأبي دلف، ونسبه في بعض المقامات إلى أبي الفتح الإسكندري:
ويحك هذا الزمان زورُ ... فلا يغرّنّك الغرور
زوِّقْ ومخرِقْ وكل وأطبق ... واسرقْ طلبقْ لمن يزور
لا تلتزم حالةً ولكنْ ... درْ بالليالي كما تدورُ
وهذا ما اخترته من قصيدته الساسانية التي أولها:
جفونٌ دمعها يجري ... لطول الصد والهجرِ
وقلبٌ ترك الوجد ... به جمراً على جمرِ
لقد ذقت الهوى طعمي ... ن من حلوٍّ ومن مرِّ
ومن كان مِنَ الأحرا ... ر يسلو سلوة الحرِّ
ولا سيما وفي الغر ... بة أودى أكثر العمر
تعرّيت كغصن البا ... ن بين الورق والخضر
وشاهدت أعاجيباً ... وألواناً من الدهر
فطابت بالنّوى نفسي ... على الإمساك والفطر
على أني من القوم ال ... بهاليل بنى الغرّ

(1/443)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية